القرار قد صدر منذ البداية.. الأرض هي الموطن الرئيسي للإنسان

«وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُون».

يظنُّ كثيرٌ من الناس أنَّ البشرية تدفع الآن ثمن خطيئة آدم الأولى، ولولاها لبقيت في نعيم دائم داخل الجنة منذ ذلك الأمد البعيد، وحتمًا ليست القضية كذلك، فالقرار الرباني قد صدر منذ البداية بأنْ يخوض ابن آدم هذه التجربة المثيرة ويكون حاكمًا ومستخلفًا على هذه الأرض، فما هو المغزى من حكاية هذه الجنَّة؟!

نحن نعلم حاجة الطفل إلى تربية ورعاية أبويه، فيُعلَّم الصواب من الخطأ، في حين أنَّ آدم لم يكن يملك أبًا ولا أما، ولا وجود للدولة في عصره، فمن سيتولى مهمة الأبوين والدولة في بداية هذه الرواية؟

من أجل ذلك كان الأمر الرباني «وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِين » بداية للقوننة وتأسيسًا التشريع الرباني، ثمَّ القانون البشري الذي سيتطور فيما بعد ضمن الأسرة والمجتمع بأعرافه وعاداته وتقاليده وصولًا إلى الدَّولة في نهاية المطاف.

إنَّ السمة العامة الحاكمة لرواية البشر هي التكامل في كل شيء، ذلك الإنسان الذي بدأ ساكنًا للكهوف ولابسًا لأوراق الشجر يتطور ويتكامل فكريًا وعقليًا، وآدم في ذلك الوقت بالضبط كالطّفل بحاجة إلى من يعلمه كل شيء خطوة بخطوة، فكان القانون الأول، وبالتأكيد مخالفة القوانين تستوجب العقاب «قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون». ولو لم يخطئ آدم لعاش في هذه الجنة حتى موته، ولكن زلة من ابنه أو حفيده ستعيدنا إلى نفس القاعدة.

وبما أنَّ الإنسان قد خُلق حرًا يملك الإرادة الكاملة فيما يريد ويختار، فضريبة الحرية تقوده إلى السَّداد والرشاد وإلى السقوط والضياع على حد سواء، ولو لم تذنب البشرية أبدًا لعاشت في مجتمع فاضل شبيه بالجنة حتى يومنا هذا، ولكن هذا لن يحصل أبدا. وإنسي بدون خطأ وزلل يُفقد هذه الرواية معناها ولا حاجة لخلقه منذ البداية، فالأمر ليس كما يُخيل للبعض أنَّنا ندفع ثمن خطيئة الأب، فلو لم يخطئها لأخطأها أولاده ولا علاقة للأمر بالشجرة ولا التفاحة. كلها معان مجازية لشرعنة القوانين، والقرار قد انبثق منذ البداية بأن يكون الإنسان حاكمًا ومهيمنًا على هذه الأرض، عليها حياته وفيها مماته ومنها سيخرج لكي يلاقي مصيره المحتوم.

 «مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ»

من هنا بدأت الحكاية

«وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِين».

أول سطر وأول عبارة تم خطها في ملحمة الوجود العظيمة، هنا وعند هذه اللحظة بدأت حكايتنا وقصتنا، بإمكانك تخيل هذا المشهد المهيب والمرعب، فأنت في حضرة الرب، الملائكة، آدم، الشيطان، فأمَّا آدم فمرحلة وسيطة بين الملائكية والشيطانية. فمن سجد وخضع لحق بالملائكة، ومن أبى واستكبر وكفر وأفسد في الأرض انضوى إلى حزب الشيطان وأعوانه، وما زالت الحشود تتجمع والرواية مستمرة وسوف تتعدد فصولها وهي تسير بخطى واضحة إلى حيث أراد مؤلفها، وكل آدمي لا بد أن يدفع ثمن أغلاطه، إما على مستوى الفرد نفسه أو الأسرة أو المجتمع أو الدولة ككل، والعاقبة النهائية ستكون عندما يقف الجميع أمام محكمة الإله، الحاكم المطلق المسيطر على الكون وما وراء الكون وما قبل الكون وما بعده، لفرز الأخيار من الأشرار، «فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِير».. فاختر لنفسك فريقًا من الفريقين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه فقط
عرض التعليقات

(0 تعليق)