لم تتوقف مآذن المساجد عن دعوة الناس وحثّهم على الذهاب للحدود الفاصلة بين غزة والأراضي التي يسيطر عليها الأحتلال، دعوات جماعية للموت والهلاك أطلقتها القيادات في غزة دون أن تُبالي بما سيحصل فيما بعد، وكأن النتيجة لا تعنيهم في شيء!

أراضٍ فارغة لا شجر فيها ولا حجر؛ ليحمي صدور الشباب الذي يلبون النداء فيواجهون بالحجارة، أو الزجاجات الحارقة، أو إطارات السيارات بنادق الجنود التي لا تنفك مرفوعة عليهم طوال الوقت، فيأبى الشباب إلا أن يظلّ صامدًا إلى أن يقع جريحًا أو يرتقي شهيدًا.

هذه الدعوات المتتالية التي تتكرر كل جمعة كلّفت غزة الكثير، الكثير من الشهداء والجرحى الذي ما عادت تتسع لهم المستشفيات والمراكز الصحية، المشهد نفسه يتكرر كل أسبوع، والجنود نفسهم يترصدون حركات الشباب ببنادقهم وقنابل الغاز، ولا شيء يتغير سوى أسماء الجرحى، وعددهم، ومكان الأصابة لدى كلّ منهم؛ لتعيد المأساة نفسها مرةً أخرى!

هذا الحصار الخانق الذي فُرض على غزة وأهلها أثر بشكل مباشر على الخدمات الطبية والصحية، فنقص الأدوية واللوازم الطبية أدى بطريقة ما للإهمال الطبي، الذي كان له دور كبير في الانعكاس على حالة الجرحى الذي لم يستوفوا حقهم في العلاج كما يجب، ولم يلاقوا الاهتمام المطلوب.

ولم يقتصر الأمر على الأدوية والخدمة الطبية فحسب؛ إذ توقفت التحويلات العلاجية لخارج غزة منذ فترة؛ مما زاد الوضع سوءًا، وأدى إلى تراجع الحالة الصحية للجرحى، وزيادة حالتهم المرضية تدهورًا يومًا بعد يوم.

حسام مصلح إسماعيل أبو غالي رجل في السابعة والثلاثين من عمره كان أحد الجرحى الذين أصيبوا منذ ثلاثة أسابيع على إثر تلبيته للنداء؛ ليسقط جريحًا بعد تعرضه لإصابتين مباشرتين أحداهما رصاصة استقرت داخل يده اليمنى، أما الإصابة الثانية فقد كانت طلقًا متفجرًا أصاب قدمه اليمنى؛ مما أدى إلى إتلاف الأوتار والأوردة والشرايين والعظام لديه؛ ليرقد في المستشفى الأوروبي منذ ثلاثة أسابيع دون أن يلاقي العناية الكافية لحالته التي تزداد سوءًا وتراجعًا يومًا بعد يوم، فالرصاصة ما زالت في يده، وقدمه بدأت تتآكل نتيجة لعدم إجراء العملية الجراحية التي يحتاجها.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن، أين القيادات التي دعت الناس للموت من كل ما يحصل؟! أين هي من أمهات الشهداء وأبنائهم؟! أنت هي من الجرحى الذي يعانون ليل نهار؟! أين هي من الذي يقعون بسبب الإهمال الذي تلاقى به إصاباتهم؟!

هذه القيادات التي دعت الناس للموت الجماعي هي المطالب الأول بإيجاد منفذ لهؤلاء الجرحى، وهي والمسؤول الأول عن كل ما يحدث، فكل جريح يتعرض للأذى قد يكون أبًا أو أخًا أو مُعيلًا لأسرة هذا على الصعيد الجماعي، أما على الصعيد الفرديّ فإن الجريح قد يتعرض لإعاقة أو عطل أو بتر في أحد أعضائه نتيحة الأصابة مما سيجعله معرضًا للموت في أي وقت أو مقعدًا بقية حياته، وهذا ما سيحصل مع حسام أبو غالي إن لم يتم علاج في أقرب وقت ممكن.

ترى إلى متى ستبقى حالة حسام أبو غالي بهذا السوء؟! وهل سينتظرون إلى أن تتعفن قدمه ليقوموا بعد ذلك ببترها ويحصل معه كما حصل مع غيره؟!

هل ماتت الإنسانية وانعدمت الرحمة من القلوب حتى يصل هذا الرجل إلى هذه الحال أم أن روحه رخيصة لذلك سيظل يعاني ويتألم إلى أن يموت ويُنسى؟!

القيادات زجّت بالناس في هذا المأزق دون أن تحسب للعواقب أو تراعي الظروف والأزمة التي تمرّ بها البلد؛ لذا فإنها مطالبة في هذ الفترة بفضّ هذه المهزلة وإنهائها على وجه السرعة، حتى ينال الجرحى حقهم في العلاج، ويسافر منهم من يحتاج لإتمام علاجه في الخارج، فالنقص الذي تعاني منه المستشفيات سيؤدي بهذه الطريقة إلى أزهاق الكثير من الأرواح، وإلحاق الأذى بها، وما حسام أبو غالي إلا مثلٌ صغير على ما يحدث في غزة، فإلى متى سيظل حسام يعاني بهذا الشكل دون أن يتلقى علاجه ويجد من يشرف عليه؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد