يعاني الاقتصاد المصري من العديد من المشكلات التي تحولت إلى أزمات بفعل التجاهل والمعالجات الخاطئة منذ عقود، وما زالت هذه الأزمات بعيدة عن المواجهة الحقيقية التي تستهدف الجذور لا القشور.

وعلى الرغم من خطورة هذه المشكلات، مثل ارتفاع معدلات البطالة وتعطل الملايين، ولهيب نيران التضخم الذي يلتهم الدخول فلا تكفي لسد الحاجات الأساسية، وتأثيرها على جميع المصريين تبقى مشكلة ـ أو أزمةـ الدين العام الوجع الأخطر والأكثر إيلامًا للاقتصاد المصري، فوفقًا لبيانات وزارة المالية بلغ إجمالي الدين العام المحلي والأجنبي في يونيو 2014 ما يقرب من 2 تريليون جنيه مصري (1936 مليار جنيه) إلا أن المشكلة لا تكمن في ضخامة الرقم بقدر ما تكمن في معالجة الحكومة لهذه الأزمة، والتي لا تتناسب مع خطورتها.

 

وللتعرف على حجم هذا “الوجع” يكفي أن نعلم أن استمرار معدلات نمو الإنفاق الحكومي والإيرادات الحكومية على النحو الذي سارت عليه في السنوات الخمسة الماضية سيرفع من حجم عجز الموازنة بعد ثلاث سنوات فقط (يونيو 2018) إلى 557 مليار جنيه، أو ما يعادل 41% من إجمالي الإنفاق الحكومي وما يزيد عن ثلثي الإيرادات الحكومية (71%)، وسيبلغ الدين العام حينئذ 3.6 تريليون جنيه مصري أي سيزيد بما يتجاوز 75%، وإذا ما استمرت نسبة خدمة الدين العام كما هي الآن فإن قيمتها ستبلغ 726 مليار جنيه، وهو ما يعني أن خدمة الدين (الأقساط المستحقة والفوائد) ستلتهم الإيرادات الحكومية تقريبًا (793 مليار جنيه) وتزيد عن نصف إجمالي الإنفاق الحكومي.

الأرقام مخيفة من المنظور الاقتصادي والاجتماعي، وعلى عكس ما يظن الكثيرون فإن الآثار الكارثية لهذه الأزمة لن تتحملها الأجيال القادمة فقط، بل سنواجهها جميعًا، فإذا ما استمرت الأمور على ما هي عليه فمعنى هذا أن تلتهم أعباء خدمة الدين ما يزيد عن 90% من الإيرادات الحكومية، أي أنه لن يبقى شيء للإنفاق على التعليم والصحة والطرق و…

وبجانب العجز المستمر والمتزايد في الموازنة العامة فإن هذا النمو المخيف في حجم الدين يرجع إلى العديد من الأسباب، أهمها “سوء إدارة الدين العام”، فهناك إصرار غير مبرر وغير مفهوم من قبل وزارة المالية على تمويل عجز الموازنة من خلال إصدار أذون الخزانة ذات أسعار الفائدة المرتفعة وعدم اللجوء إلى السندات أو الصكوك ذات أسعار الفائدة المنخفضة نسبيًّا، فانخفاض سعر الفائدة بـ1% فقط يوفر على الموازنة ما يقرب من 20 مليار جنيه! (هذا هو رأي الباحثين في وزارة المالية ولكن يبدو أن وزراءنا لا ينصتون لأحد حتى مستشاريهم). وهناك أيضًا عدم التنسيق الكافي بين السياسة النقدية وبين السياسة المالية، فارتفاع معدلات التضخم يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة؛ مما يؤدي بدوره إلى زيادة أعباء خدمة الدين.

إلا أن السبب الرئيس لتفاقم مشكلة الدين هو عجز الموازنة. والقول بأن عجز الموازنة هو سبب تفاقم مشكلة الدين هو بمثابة تعريف “الماء” بعد عناء بـ”الماء”، فالسؤال الصحيح هو لماذا يستمر ويتزايد عجز الموازنة على هذا النحو؟

وبدون الدخول في تفاصيل فنية فإن عجز الموازنة العامة المصرية هو عجز “هيكلي” أي يرجع بصورة أساسية إلى وجود خلل في هيكل كل من الإيرادات والنفقات العامة، ولذا فإن الاعتقاد بأن تخفيض دعم المواد البترولية على محدودي الدخل أو رفع أسعار الكهرباء – وفقًا لوصايا الكتاب المقدس لصندوق النقد الدولي وتلاميذه في الحكومة- هو أمر يثير العجب رغم ضرورة ترشيد الدعم وإيصاله لمستحقيه. فدعم السلع التموينية الذي تبكّت الحكومات الشعب المصري عليه منذ عقود يبلغ 35.5 مليار جنيه، أي ما يمثل 15% من إجمالي الدعم والذي يبلغ 228.6 مليار جنيه أو ما يمثل 5% من إجمالي الإنفاق الحكومي.

ودعم الكهرباء ونقل الركاب معًا التي تهدد الحكومة بإلغائه من آن إلى آخر يبلغ 14.7 مليار جنيه أي ما يمثل 6% من إجمالي الدعم أو 2% من الإنفاق الحكومي في حين يبلغ دعم المواد البترولية الذي يذهب معظمه للمصانع كثيفة الاستخدام للطاقة 126 مليار جنيه!

والأجور والمرتبات التي بلغت 178.6 مليار جنيه لا تتجاوز نسبة المرتبات الأساسية 20% منها، والنسبة الباقية تمثل بدلات ومكافآت وعلاوات يُحدد الكثير منها وفقًا لمعايير مطاطة تجعل مرتب خريج نفس العام ونفس التخصص في إحدى الجهات المرضي عنها يتجاوز عشرة أضعاف مرتب زميله في جهة مغضوب عليها!

ولذا فإن سياسة “التدليل” التي تتبعها الحكومة في تطبيق الحد الأقصى للدخل للعاملين في الجهاز الإداري للدولة والتي تم استثناء جميع الجهات التي صدر القانون من أجلها(!) هي هزل في موضع الجد.

الأمثلة كثيرة عن الاختلالات التي لا تجرؤ على السكوت عنها حكومات لا تواجه أي ضغوط مالية أو أزمة خانقة مثل التي نواجهها، فعلى سبيل المثال لدينا ما يقارب 35 سفارة أو بعثة ديبلوماسية في أمريكا اللاتينية من ضمنها دول لا يتعدى عدد المصريين فيها عدد العاملين في السفارة، ناهيك عن تواضع أو عدم وجود علاقات اقتصادية أو سياسية ذات مغزى!

ولدينا كيان حكومي لـ”الإصلاح الزراعي” على الرغم من انتهاء عملية الإصلاح الزراعي منذ ستينيات القرن الماضي، ونحن بلد التسعين مليون يدير شئوننا ما يزيد عن 36 وزارة، في حين يدير شئون ما يزيد عن 1200 مليون في الصين عدد من الوزارات لا يتجاوز 20 وزارة!!

هذا غيض من فيض!

ولكن ماذا عن الإيرادات الحكومية؟ ربما يحوي جانب الإيرادات الحكومية من “العجائب” ما يفوق “عجائب” جانب الإنفاق. بداية هناك انخفاض في الوزن النسبي للضرائب التي يفترض أنها المصدر الرئيس للإيرادات حيث لا تتجاوز 57% من إجمالي الإيرادات الحكومية، ويرجع هذا الاختلال الرئيس إلى العديد من الأسباب أبرزها أن الحكومات المتعاقبة تتفنن في تدليل “رجال الأعمال” وفرض المزيد من الأعباء على الفئات الأخرى من الشعب ذات الدخول المحدودة، فمعظم الضرائب يأتي من الضرائب على مرتبات الموظفين والضرائب على المبيعات والضرائب على التجارة الخارجية، في حين يبلغ إجمالي ما تحصله الدولة من شركات القطاع الخاص 25.1 مليار جنيه!!! أي ما يقل عن 10% من الحصيلة الضريبية وما يقارب 5% من إجمالي الإيرادات الحكومية! بل إن ما تحصله الدولة من هيئة البترول والشريك الأجنبي من ضرائب يقارب ضعف ما تحصله من هذه الشركات (46.1 مليار جنيه). ويبدو أن هذا “التدليل” غير كافٍ، وهو ما يدفع الحكومة إلى تخفيض معدل الضرائب على أرباح الشركات. حدث هذا قبل ثورة يناير وينادي به البعض الآن.

والعجائب كثيرة في إيرادات الدولة، فعوائد الدولة من استثماراتها في شركات قطاع الأعمال العام، والتي تتجاوز الـ500 مليار جنيه على الأقل لا تتجاوز 4.3 مليار جنيه، أي أن معدل العائد على هذه الاستثمارات لا يصل حتى إلى 1%، وربما الرقم الذي يرشح لأن يدخل موسوعة “جينيس” هو أن إيرادات المناجم في “جمهورية مصر العربية” تبلغ 108.3 مليون جنيه (الرقم بالمليون، عيناك لم تخطئ عزيزي القارئ)، فعمليات استغلال المناجم يحكمها قوانين وضعت عام 1956، وحكوماتنا ترى أنه ليس هناك ما يدعو للعجلة في تغيير هذه القوانين للحصول على حقوق الدولة المهدرة (جميع الأرقام السابقة من الحساب الختامي لموازنة 2013/2014 من موقع وزارة المالية).

ولذا فإن محاولة مواجهة مشكلة العجز في الموازنة العامة بتخفيض بعض بنود الدعم هو بمثابة إعطاء مسكن للصداع لمريض يعاني من مرض خبيث، بل هو بمثابة سخرية من حاضر المواطنين قبل مستقبلهم.

إن السيطرة على العجز في الموازنة العامة لن يتم من خلال إجراء هنا أو إجراء هناك، فقد تخطينا مرحلة “الترقيع” من سنوات طويلة، وإنما تتطلب العمل على تحسين “فعالية” و”كفاءة” الإنفاق العام ومحاربة الفساد.

وأن يتم توجيه الإنفاق العام بما يتفق مع احتياجات ورغبات أفراد المجتمع “فعالية الإنفاق” لأن توجيه الإنفاق لمجالات ليس لها أولوية يعني مزيدًا من الضغوط المستقبلية على الموازنة في المستقبل، وأن يتم العمل على رفع كفاءة الإنفاق الحكومي للحصول على أقصى منفعة ممكنة من النقود، فقد أشارت إحدى دراسات البنك الدولي أن زيادة كفاءة الموازنة العامة بـ1% فقط عام 2009 كفيل بتوفير موارد تكفي لبناء 40000 مدرسة، أو شق طريق يبلغ طوله 4500 كيلو متر.

فهناك ضرورة ملحة لبرنامج فوري شامل لإصلاح نظام إدارة المالية العامة يستند إلى:

– إعادة النظر في التشريعات والقوانين التي تنظم إدارة المال العام بداية من قانون الموازنة العامة حتى قوانين المناقصات وغيرها.

– التخطيط الاستراتيجي للإنفاق الحكومي خلال مدى زمني يتجاوز العام المالي لزيادة فعالية الإنفاق العام.

– التخلص من نظام الموازنة العتيق الذي لا يهتم إلا بأن الإنفاق يتم وفقًا للإجراءات واللوائح ولا يهتم بما أُنجز من هذا الإنفاق، وذلك من خلال التحول من “موازنة البنود” إلى موازنة “البرامج والأداء”.

– تطوير النظام الضريبي لتحقيق المزيد من العدالة والكفاءة.

– رفع كفاءة نظام الإدارة الضريبية لتحصيل الضرائب التي يتعين تحصيلها إذ لا يعقل أن يواجه الاقتصاد هذه الأزمة في حين تبلغ قيمة عمليات التهرب الضريبي والمتأخرات الضريبية عشرات المليارات من الجنيهات.

– إنشاء نظام كفء لإدارة الاستثمارات العامة حتى يتم التأكد من الجدوى الاقتصادية والاجتماعية لمشروعات البنية التحتية، وأن يتم اختيار المشروعات ذات الأهمية للمجتمع، وليس المشروعات التي تعنّ لهذا المسئول أو ذاك ذات الأهداف الإعلامية وبغض النظر عن جدواها.

– إصلاح منظومة عمل الهيئات الاقتصادية وشركات قطاع الأعمال العام، فلدينا مئات المليارات المهدرة ونستجدي المستثمرين الأجانب، وقد كان من الأجدى إنشاء صندوق لتطوير شركات القطاع العام – بدلًا من تمويل مشروعات مشكوك في جدواها- وإدارتها من قبل كفاءات إدارية وفقًا لعقود محددة الأهداف.

– تطوير إدارة الدين العام والاعتماد على مصادر التمويل طويلة الأجل منخفضة التكاليف.

– برنامج تدريبي شامل للعاملين في مجال إدارة المالية العامة حتى يمكن تطبيق عمليات الإصلاح.

إن إصلاح إدارة المال العام بلا مبالغة يمثل الركن الركين في تحقيق أي نهضة، وقد كان الوالي محمد علي واعيًا لهذه الحقيقة منذ قرنين من الزمان، فبدأ تجربته التنموية – بما لها وما عليها – بإصلاح إدارة المال العام، إذ أدرك أنه لا يمكن تحقيق تطور حقيقي في مجالات التعليم أو الصناعة وغيرها دون ضبط إدارة المال العام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد