لا مناص من الاعتراف أن رئيس السلطة محمود عباس قد تعلم فلسفة وأصول التفاوض من إسرائيل القائمة على (نعم) على الورق، و (لا) في الميدان، فالمتأمل في مسيرة التفاوض بين السلطة وإسرائيل يلحظ أن إسرائيل كانت تشترط على السلطة خطوات معينة من أجل منحها حقوق وامتيازات، وما أن توافق السلطة وتوقع على الاتفاق وتبدأ رحلة التنفيذ وانتظار خطوات مماثلة من الجانب الإسرائيلي حتى تُخرج إسرائيل من جعبتها شروطًا جديدة تطالب السلطة بتنفيذها، ولأن السلطة ضعيفة، فلا تملك إلا الموافقة على الجديد الكثير مقابل أن تأخذ القديم القليل.

ما تعلمته السلطة خلال عقود التفاوض تحاول إسقاطه على غزة، فكلما تم توقيع اتفاق حول انهاء الانقسام وتبدأ غزة بتنفيذ ما عليها، حتى يشترط عباس شروطًا جديدة لم يتم التطرق لها أثناء جلسات الحوار، فقد كانت حجة عباس بأنه لا تصالح مع حماس، طالما لم تحل اللجنة الإدارية، فقامت حماس بخطوة ذكية باختيار زمان ومكان حل اللجنة في مصر وقبل ذهاب عباس للأمم المتحدة كي تدعم خطوات محمود عباس، وهذا ما أكده أكثر من مسؤول من حماس.

بعد توقيع اتفاق المصالحة بدت التصريحات التوتيرية من أعلى رأس في الهرم وردد الباقون نفس الاسطوانة، حيث صرح أحدهم، حتى تنجح المصالحة على حماس الالتزام بوحدانية السلاح بأيدي الأجهزة الأمنية الشرعية للسلطة فقط، والالتزام ببرنامج منظمة التحرير، وإغلاق جميع الأنفاق وإخبار أجهزة أمن الحكومة على السرية منها.

ثم جاءت الحكومة وعقدت جلستها بغزة ولم تعلن عن رفع العقوبات، وجاء موعد تسلم السلطة للمعابر فقامت السلطة بطرد الموظفين منها، بالرغم من أن الاتفاق يقضي ببقائهم حتى حين، لكن نظمي مهنا قال (لدينا تعليمات نستلم نظيف) حتى أن هذا السلوك أزعج الدكتور موسى أبو مرزوق الرجل الثاني في حماس والمعروف بهدوئه.

بعد استلام المعابر بأيام خرج نظمي مهنا بتصريح مفاده أننا نأمل أن يُفتح معبر رفح في الموعد المحدد، من كلمة (نأمل) بدأت اشتم رائحة المراوغة التي أكدها فيما بعد رئيس الوزراء رامي حين نشر على حسابه على فيسبوك يقول (بأن فتح المعابر يحتاج لسيطرة الحكومة على الأمن في غزة)، هذا التصريح لقي غضبًا شديدًا شعبيًا ورسميًا، وهنا أسأل رئيس الوزراء: هل كان ما تطلبه ضمن اتفاقيات المصالحة؟ فإن كان الجواب (نعم) فلماذا لم تقله قبل ذلك؟ وإن كان الجواب (لا)، فهل نفهم أن هذه الاشتراطات المستحدثة تدل على عدم جدية السلطة بالمصالحة؟

تصريح آخر أغضب الشارع الفلسطيني لمدير الشرطة حازم عطا الله أكد أن الشرطة في غزة يجب أن تكون كما شرطة الضفة، ولن يتعامل مع شرطة غزة الحالية ويتساءل (كيف يمكنني أن أكون مسؤولًا للشرطة بغزة والقسام يحمل سلاحه؟) فجاءه جاءه الرد من أحد نشطاء فيسبوك (اعتبرهم يهود ونسق معهم زي الضفة).

وهنا اسأل مدير الشرطة الفلسطينية اللواء حازم عطا الله؟ ألم تخبرك القيادة السياسية بأن موضوع الأمن بغزة يبقى كما هو لمدة عام يتم خلاله إيجاد آلية لتوحيد الأجهزة الأمنية؟ يبدو لي أن الصحافي الصهيوني الذي أجرى معك اللقاء نجح في استنطاقك بما يخدمه ويضرك، ثم ألا تعلم أن أكثر الناس تحفظًا على حماس كنموذج حكم، يرفضون المساس سلاح المقاومة.

ختامًا يبدو لي أننا أمام عملية قريبة من المطارحة والمصارعة وبعيدة عن المصالحة، وملامح الفلسفة الإسرائيلية التفاوضية تظهر فيها وبوضوح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد