في مجتمعات تتسع فيها رقعة الاستبداد بمختلف صوره ودرجاته، تصبح الكتابة على الجدران أو الرسم عليها وسيلة اتصال ذكية توظف المتاح من الأدوات بأقل كلفة وجهد، وإن كانت في شكلها العام مظهر تخلف وتأخر اجتماعي. وتعدد أساليب التعبير عن الأفكار والمواقف (جداريًا) بحسب الشخص والدوافع ودرجة انسداد الفضاء الاتصالي في المجتمع.

الجدران وأدوات أخرى

في المدارس والجامعات يستخدم الطلاب والعمال عدة أساليب وأدوات للتعبير عن رفضهم لقرار ما، أو امتعاضهم من سياسات إدارية معينة، أو لتقديم رؤى حول موضوع يهم المؤسسة. ويعبر الطلاب خصوصًا عن مواقفهم بالكتابة على لوحة الفصل الدراسي وجدرانه وأثاثاته، إضافة إلى التعبير عن نفس الأغراض السابقة على الكتاب المدرسي أحيانًا.

الإنسان مدين للكتابة

بعد نشر مقالي السابق: المدونون مدينون للكتابة. خطر لي أن مجموعة مديني الكتابة تغطي مساحة أكبر، وليست مقتصرة على المدونين وهواة الكتابة فقط. ولعل البوست الجدراني ـ إن صحت التسمية ـ مدين للكتّاب والنشطاء بفضل كبير قد يناهز ما تقدمه الوسائط الاجتماعية وفيسيولوجيا التواصل.

وتزداد حاجة الإنسان لوسائط جديدة للتعبير والكتابة بتزايد مستوى الاستبداد والكبت بمختلف ضروبه وأنواعه. قبل الهواتف كان المراهقون أكثر الفئات الاجتماعية استخدامًا للبوستات الجدارية للتعبير عن مشاعرهم وبث أشجانهم. يلي المراهقين في استخدام الحوائط للتعبير- إعلاميو الأحزاب السياسية المضطهدة والمحظورة؛ للتواصل مع الجمهور والتعبير عن مواقف الحزب وأفكاره.

تشفير الرسائل الجدارية

كانت الكتابة الجدرانية وسيلة تعبير وتواصل بين الكاتب والمتلقي، وإن كانت بلا توقيع أو تاريخ نشر كما هو الحال في تغريداتنا على الجدر الإلكترونية. في التواصل العاطفي عبر جدران الحي، يطلع المتلقون على جملة الرسائل المكتوبة، ويتعرف كل منهم على ما يخصه من رسائل اعتمادًا على نوع الخط وحجمه وموضعه في الجدار.

الاستبداد خصيم التطور

في بلداننا العربية ما زالت الجدارن تلعب نفس الدور، وتسهم بقدر كبير في فك أسوار القهر وتكميم الأفواه، وتنوب عن كل المتاح من الوسائط قديمها وجديدها من إذاعات وقنوات تلفزيونية وفضائيات وإنترنت واتصالات.

وبالرغم مما توفره الأدوات الاتصالية المتاحة من فرص التواصل وتبادل المعرفة والتجارب، إلا أن واقعنا يحكي ضد ذلك، حيث يرى المستبد السياسي أو الاجتماعي أن ما يهدده اليوم لم يعد الإنسان أو الشعب، وإنما هاتف نقال ولوحة مفاتيح وخدمة اتصال جيدة.

في بداية ظهور مواقع التواصل تنبأ بعض المتابعين بحدوث تغييرات جذرية في طبيعة العلاقات بين مفردات المجتمعات العربية، وهذا ما حدث بالفعل في موجات ما اشتهر بالربيع العربي، وإن كانت هناك عوامل أخرى أدت إلى حدوث ما جرى وما يجري حاليًا.

ملجأ من واقع سيئ

كثيرًا ما توصف الكتابة بأنها وسيلة للتعبير عن الإحباط واليأس، ومحاولة للاحتماء بعالم الورق، وقد يكون ذلك صحيحًا في بلداننا على وجه التحديد. في هذا الخط يقول عضو في مجموعة مدوني الجزيرة: نلجا للكتابة حين تتكسر الأحلام على كواهلنا.. نقاوم بها وخزات اليأس.. نناجي الواقع الموبوء من خلال أمساك قلم يخط ايقاعا.. لتتراقص الآمال بين جوانحنا.. الكتابة نوع من التفريغ.. تخلصٌ من الكبت.. جزء من التمويه عن تلك الأيام التي سرقتنا، وعن ذلك المستقبل الذي يجهز لنا شباكه، ويستدرك ببعض الجمل المتفائلة نوعًا ما: الكتابة قد تكون قدرًا محتومًا لأولئك الصاعدين على مسرح الإبداع.. من يتناغمون مع التألق.. من يعيشون أجواء عشق مع المعرفة.. أو حياة علياء على أسطح الأفكار.

كتابة ما بعد الاستبداد

إن كان لنا أن نتصور واقع ما بعد الاستبداد فيما يتعلق بالتعبير والكتابة، فسنرى كل المنتجات الاتصالية في خدمة الإنسان، توفر له الوقت والجهد، وتسهم في تقدمه وتطوره بتبادل المعرفة والفكرة والموقف والمشاعر مع محيطه القريب والبعيد، حينها سنكتب باطمئنان دون خوف أو قهر، لتصبح كتاباتنا همزة وصل بين الأشخاص والمعارف والأنفاس.. أما قبل ذلك، فليس لكثير منا إلا الجدران.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد