ذات صباح مُنعِش تستيقظ “حياة” زوجة محمود درويش من النوم، تعتدل فوق فراشها الوثير ويدها تمتدُّ بحركة تلقائية ناحية الجانب الآخر من الفراش تبحث عن الوردة الحمراء التي اعتاد زوجها أن يبدأ يومه بتركها لها قبيل مُغادَرته. تتصلّب أصابعها حين تمسَّ تجاعيد المَرتبة وتجدها خاوية كصحراء قاسية فتعلم أن أمرًا جَللًا قد حدث.

 

في عام 1983 قابَل محمود درويش “حياة” لأول مرة في حفلِ عشاء مُشترَك مع بعض الأصدقاء ورغم أنهما لم ينِطقا بكلمة خلال هذا اللقاء إلا أنها تمكنت منه لدرجة دفعته ليعزم ذات الأصدقاء بعدها مُشددًا عليهم أن يأتوا بجميع معارفهم علّه يراها ثانية ويظفر منها بما لم يُحققه له لقاؤه الأول، خمس عُزومات مُتتالية في منزله، حَضَرَها الجميع ولكنها لم تأتِ!

 

بعدها تُمكّنه المُصادَفة مِنها بلقاءٍ قَدَري بَحتْ، لا يترك “حياة” بعده إلا وهي “حياته”، وزوجته. وبالرغم من أنها كانت المرة الثانية للشاعِر المُخضرَم في الزواج إلا أن اقترانه وشَغفه بحياة فاقَ جميع تصورات المُحيطين به بمَن فيهم هو نفسه، لدرجة أنه تخلى عن فلسطين – موضوعه الأثير- وكتب فيها قصيدته الشهيرة “يَحطُّ الحمام” وهي القصيدة التي رفض أن يسمح لمَارسيل خليفة بغنائها رغم مُحاولاته المُتكررة إلا أنه اختار حَجْبها لسببٍ منطقي للغاية من وجهة نظره – ونظري – وهو كونها “ملكية خاصة” لا تخصُّه ليسمح أو لا يسمح.

قرَّر محمود درويش أن يُطلّق “حياة” لأنه اكتشف أنها من فرط عَظَمَتها وجمالها وجلاء شخصها ستقوده يومًا لأن يُحبّها أكثر من شِعره، ولأنه – كأي كاتب طبيعي مَجنون – لم يكن لديه ما هو أثمن من فنّه فاختار أخفَّ الضررين عليه وطلّقها بدلًا من أن يكون مَصيره كمصير الكاتب المسرحي “آرثر ميلر” زوج مارلين مونرو الذي لم يكتب حرفًا طيلة عام هي مدة زواجهما ولم تنفك عُقدة قلمه إلا بانفصالهما.
* * *

 

في الواقع لا أرى مُبررًا مَنطقيًا واحدًا يدفع فتاة (عاقلة) لأن تُوافق على الارتباط بشخص تعلَّق واقعه بخياله وارتبط شطط عقله بقلمه، يَدفِن من حاضره كي لا يُدفَن حاضر الآخرين، عاش وسيعيش حياته يسكب روحه في ورق يُصدّره كُتبًا تُباع فوق الأرفف فيفقد نفسَه بالتدريج شيئًا فشيئًا.

 

فالواقع يؤكد أن قرار الكاتب – أي كاتب – بالزواج هو تضحية بالغة تُناظر حجم تضحية سيدنا إبراهيم بولده سيدنا إسماعيل. فلا شيء يُرعبه أكثر من حياة اجتماعية وأعباء امرأة حسناء باسلة ومَصاريف شهرية وكسوة عيال وأسعار ربطة محشي وكيلو ملوخية لا تتوقف عن الارتفاع تأخذه عن هدف حياته الأول والأخير.

 

صحيح أن الفرحة المتوقعة من إحداهن إذا خطَّ أحدهم شيئًا أدبيًا ناعمًا في حقها ستدفعها للموافقة على الاقتران به بلا تردد إلا أنها عليها أن تُدرك أولًا بضعة أشياء بسيطة:

لا تنزعجي أبدًا إذا دخلتِ غُرفته لأول مرة واستكشفتِ التابوت الخانِق الذي يعيش فيه؛ لا يدخله شعاع شمس ولا نسمة هواء ولا جنس بشر، جدرانه مُختفية خلف أعمدة الكتب التي تناثرت في كل ركن كمطر سحَابة كريمة، أما مشهد احتشاد عشرات الكُتب المفتوحة على مصراعيها فوق الفراش لدرجة لا تَسمح لأي زائر ولو بالجلوس فوقه فهو مَشهد يجب الاعتياد عليه لأنه سيتكرّر كثيرًا كلّما أراد “فنانك” أن يكتب مَقالًا من صفحتين!

 

لا تنزعجي أبدًا من ضعف نظره المُهدَر على يدي كافكا وعلاء الأسواني وهاروكي موكاي ونصر أبو زيد، واحتياجه شبه الدائم لمنظاره كي يُفرّق بينكِ وبين الثلاجة.

لا تنزعجي أبدًا إن دخلتِ عليه غُرفته التابوتية ولم يلحظ وجودك البتة لأنه مُنهمِك حتى الثمالة في كتابة روايته الجديدة، وإن تنحنحتِ وجَلجلَ سُعالك في المكان ثم ألقيتِ عليه السّلام بعدها، فلا تتفاجئي إذا ردّ عليك دون أن يلتفت قائلًا باقتضاب: “وعليكم السلام، يا فوزية”!، بديهي طبعًا أن المَذكورة، شاغِلة البال، فوزية لن تكون أنتِ على الإطلاق وإنما هي بطلة روايته الجديدة.

 

لا تنزعجي إن كنتما في خِضَم لحظة عاطفية أخّاذة، وفجأة انتزع نفسه منكِ وهرع إلى دفتره كي يخطَّ فيه وحيًا هلَّ عليه وخافَ أن يُضيّعه النسيان فكَتَبَه وعاد إليكِ مُتسائلًا في براءة “احنا كنّا بنقول إيه؟”.

 

على نفسك أن تكون في أرحب حالاتها حين يَمنحك وصلة مدح (نادرة) يؤكد خلالها أنّك أجمل من رواية “الحرب والسلام” وأعمق من “عزازيل” وأكثر واقعية من “البؤساء”. فيكِ شموخ ديستوفيسكي وإصرار هيمنجواي وطيبة أحمد خالد توفيق وجلاء سريرة يوسف زيدان وعُمق المَنسي قنديل وأمومة رضوى عاشور.

 

كما أن عليك الاعتياد منذ البداية على أنه لن يتذكر أبدًا عيد ميلادك ولا ذكرى أول لقاءٍ لكما وذلك لسببين: أولهما أن مُعظم الكتّاب مُصابون بزهايمر من نوع عجيب يدفعه لتذكر أن ضحكتك يومها كانت أكثر إشراقًا من شمس المحيط وأن ضي أسنانك كان أعظم من لمبة مَنَارة مُنارة ولكنه يمنعه من أن يتذكر ماذا كنتِ ترتدين حينها وما هو لون ثيابك وكيف كانت طريقة كلامِك وطرحة شعرك. ثانيهما وأهمهما: أن عيد ميلاد فوزية لا يُنازعه في ذاكرته شيء.

 

بمناسبة أعياد الميلاد، لا تُهاديه أبدًا في مناسباته هدايا غير منطقية كساعة يد وزجاجة عِطر أرج أو حتى ثيابًا أنيقة وإنما عليكِ أن تتركي للعقل والحكمة مَكانًا في قرارك وتشتري له الجزء الأخير من ثلاثية أحلام مستغانمي أو المجلد السابع من موسوعة قصة الحضارة أو حتى قَلَمًا جديدًا عِوضًا عن الأخير الذي كَسره بالأمس أثناء ثورة غضب لتعثُّره في تأليف الفصل الأخير لروايته، فمزاجيته العجيبة المُتقلّبة كموج البحر والتي تصنع احترافه وتفوقه ستودي بكِ – في أفضل الأحوال – إلى الخانكة بعد أيامٍ قلائل من العِشرة، تارة يصعد فيها بكِ إلى عَنان السماء السابعة وتارة أخرى يهبط بكِ فيها إلى مجاري الجحيم.

علاقة الكاتب الجيدة بالمال غالبًا ما تكون علاقة عكسية كلّما أبدع وتجلّى كلّما أفلس كقعر حلّة، فإن أوقعك حظّك غير الجيد في الجيد مِنهم عليكِ أن تتخلّي تمامًا ونهائيًا عن حُلم الأمان المالي، أما عن أمانك العاطفي فعقلك سيذهب بكِ إلى الخانكة أيضًا – سبب إضافي – كلما قرأتِ عباراته العاطفية الناعمة في أعماله الأدبية، طوال الوقت ستطرحين على نفسك أسئلة بلا إجابة عما إذا كان يقصدكِ بها حقًا أم أنها مجرد حالة “وجد” بارعٌ هو في تقمُّصها أو ربما هي مُلهِمة جديدة تقف على عتبة بابه.

 

أخيرًا إن لم يُقنعكِ كل كلامي هذا وقرّرتِ المُضي قُدمًا في (تهورك) واندفاعِك، عليكِ أن تعلمي أنكِ ستواجهين مُنافَسة بالغة الشراسة في معركة مَحسومة مُسبقًا مع “ضرة” شمطاء؛ الكتابة التي لن تتركه لكِ وحيدًا أبدًا وإن أشعلتِ أصابعك العشرين لأجله، عليكِ أن تكوني شديدة الحذر في صياغة ووزن علاقتك معها ومعه فلا تكوني آخر الصف ويحبها أكثر منك فتُصبحين ديكورًا في حياتهما ولا تكونين في أول الصف ويحبك أكثر منها فيخسرها ويخسر نفسه فتستيقظين ذات صباحٍ مُنعِش وتكتشفي أن فِراشك حُرِم من وردته الحمراء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد