بالنسبة للروائي المبتدئ، فأثناء كتابته لروايته لا يشغل نفسه بمسألة الطباعة، فكل همه يكون محصورًا في عناصر الرواية من شخوص وأحياز زمانية ومكانية ولغة وخيال. أما بعد فراغه، فسيجد أن طباعة الرواية ليست بالأمر اليسير، وأن هناك إشكالات حقيقية في هذا الجانب لم تكن في حسبانه.

بالتأكيد، مستوى الرواية في المقام الأول هو ما يحدد صلاحيتها للنشر ومدى إقبال القراء عليها، وبفرض تجاوز الكاتب للحد الإبداعي المتعارف عليه، ما تزال إشكالات الطباعة حتمية بالنسبة له، لأنها متعلقة بدور النشر العربية التي تحصِّل فوائد المنجزات الإبداعية ولا تلقي للمبدعين إلا الفتات، إذ صارت هنالك مقارنة رائجة في وسط الكتاب بين كتاب الغرب الذين يكفيهم دخلهم من الكتابة لتوفير حياة كريمة، وبين الكتاب العرب الذين ينفقون على طباعة أعمالهم، مع احتمال كبير ألا يستردوا نصف ما دفعوه لدور الطباعة والنشر والتوزيع.

بفرض أن الكاتب اجتاز من ناحية إبداعية مسألة صلاحية منجزه للنشر والقبول، فعليه الاختيار بين ثلاثة أنواع من دور النشر لعرض عمله عليها، كما قسّمها الأستاذ محمد محمود السيد في مقال له عن دور النشر المصرية بعنوان: «دور النشر بين الجدية والعبث».

المجموعة الأولى دور كبرى «تمتلك خزانة متسعة، وشُهرتها عريضة، ولا ينشر بها إلا المشاهير بإطلاق، فإذا أراد أحدهم أن ينشر بها فلا بدّ أن يدفع مبلغًا كبيرًا، وهذه لا شيء فيها إذ اسم المؤسسة كفيلٌ بزحف اسم المؤلف لأبعد المناطق».

والمجموعة الثانية تضم :«كلّ دار أو مؤسسة تستطيع أن تخـرج إلَى أكثر من ستة معارض دولية وتشارك بأكثر من معرض داخليّ».

والمجموعة الثالثة هي: «كلّ دار نشر حديثةٍ، ليس بإمكانها أن تخـرج إلَى المعارض الدوليّة وليس لها من نشاط ملحوظٍ بالمعارض الداخلية ولا تتعامل مع مراكز توزيع تحترم منتجاتها، فإنّ مراكز التوزيع الكبيرة تحتـرم في الأساس أفراد المجموعة الثانية، وتنظر للمجموعة الثالثة نظرة احتقارية، كما أنّ مطبوعات هذه المجموعة الأخيرة أقلّ جودة، أي أنها في الغالب لا تليق بالعرض بالمراكز الهامّة النشطة».

ومع صعوبات النشر وتكلفته العالية بالنسبة للكاتب، إضافة لاحتيال كثير من دور النشر على الكتاب في مقدار العائد من المبيعات، وإهمالها في النشر والتوزيع، برزت ظاهرة الترويج لطباعة عدد محدود من النسخ في هيئة باقات تضم عروضًا لطباعة خمسين، ومائة، ومائتي نسخة؛ فصار هم الكتاب هو الحصول على لقب كاتب، والمشاركة في المعارض، وصور الـ«سيلفي» لاستعراض الموهبة، أكثر من رغبتهم في انتشار حقيقي.

ومن المدهش أن كتاب الخمسين نسخة يجدون أنفسهم مضطرين للاعتذار عن عدم جاهزية كتبهم عند سؤالهم عن المكتبات التي يمكن شراؤها منها، أو يكون الرد بأن الطبعة قد نفدت من السوق، وذلك بعد «سيلفي» الحفل بمعرض الكتاب بزمن قليل!

يلقي الأستاذ محمد عمر، صاحب دار «حواديت»، باللوم على الكتاب الذين يقبلون على مثل هذه العروض، بتصريحه أن من يلجؤون إليها هم من فاقدي المواهب الذين تُرفض أعمالها لتدنيها عن المستوى المطلوب للترويج.

هذا لا يعني أن مشاكل النشر لم تواجه الأسماء الروائية الكبيرة أيضًا في البدايات، ففي ندوة بعنوان «الأدب العربي بعيدًا عن مراكز النشر»، عُقدت ضمن فعاليات مهرجان القاهرة الأدبي الأول، تحدث الروائي السوداني حمور زيادة عن تجاربه الأولى في الطباعة، مشيرًا إلى تأثير الجغرافيا على النشر والتوزيع بالنسبة للكاتب، بقوله: «قد لا يشعر الكاتب في مصر أو لبنان بمسألة الهامش والمركز، لأنه لا يشعر بالتهميش أو لا يجد صعوبات في النشر والتوزيع، وعلينا أن نعترف أنه بالفعل هنالك مركزية في دور النشر، وهو أمر واقع».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد