في مسرحية تاجر البندقية لشكسبير قال أحد أبطالها: «إنما آخذ الدنيا يا جراشيانو كما ينبغي أن تؤخذ الدنيا باعتبارها مسرحًا يلعبُ عليه كل إنسان دوره، ودوري فيها دور رجل حزين، لكل منا أدواره المرتبطة بمشاعره التي تحركة كبيدق في منصة الحياة، وأكثر من يحتاجون هذه البيادق مهما اختلفت وامتزجت هم الشعراء والأدباء، فالمشاعر عندهم تصبح مخطوطات ونصوصًا.

أفضل النصوص هي التي تعبر عن مشاعر الآخرين، فتترك القارئ يتساءل: كيف يصف الكاتب مشاعري بهذه الدقة، كيف استطاع أن يعبر عني، وأكثر الكتاب وصفًا ودقة هم من استطاعو التعبير عن المشاعر بطريقة أدبيّة سليمة، والجديرون هم أصحاب الظروف الصعبة، فلا كاتب بلا قصة إنسانيّة مستشعرة، أو بلا حزن لامس أعماقه الدفينة، فهام كمحبرة ليكتب عن أوجاعه بطريقة القصّة أو الشعر والخاطرة، فجذب القُراء إليه وقربهم منه، بل إنّ بعض الكتاب يحتاجون لمشاعر الحزن ليحافظوا على نمط كتاباتهم.

أذكر لكم أمثلة من الأدباء العالميين، منهم سيد الأدب الروسي، فيودور ديستوفيسكي، سُئل مرة كيف يصبح المرء كاتبًا، وكانت إجابتهُ: أن يتعذب، أن يتعذب، أن يتعذب، وجوابه يأتي من نسبة لحياته التي لا تنتهي من الويلات والمعاناة، ديستوفيسكي عاش ظروفًا صعبة، تعرض للفقر القاهر، وفقد أبويه، وعاش بعض من حياته في مستشفى للأمراض النفسية عندما زاول والده مهنة الطب في المستشفى، فهو لم يملك بيتًا حقيقيًا في صغره، بل تفرق عن إخوته، ومع ذلك له مقولة قال فيها: اللهم لا تحرمني معاناتي، وقد وجد بالمعاناة والأحزان طريقًا للكتابة ومنفذًا ليرسخ بها روائعه التي نقرأها اليوم.

لربما هي لعنة أو هبة، لكنها قطعًا مرحلة مؤلمة للكتاب، ومع ذلك هم يكابدون الألم ويبدلونه بكلمات يستلذ بها القارئ ويطالبهم بالمزيد.

الروائي الشهير ليو توليستوي من عمالقة الأدباء، قضى نحبهُ ميتًا على سكة الحديد بعد أن تركته زوجته، وقد عاش آلاف الصراعات في حياته، وقد نبذ الفقر، وأراد التخلص منه لأنه امتلك مشاعر راقية ونبيلة، وكان مهتمًا بالآخرين، لهذا هرب من حياة الترف والبذخ، لكن أثر ذلك بشكل سيئ على صحته؛ فقضى نحبّه بالتهاب رئوي، هكذا هم الكتاب يغرقون في أوجاعهم ومآسيهم.

أيضًا أدباء الشرق الأوسط لهم نصيب من الإبداع والألم، كالأديبة مي زيادة، وهي كاتبة فلسطينية عريقة تمتاز بثقافة عالية تتقن تسع لغات، وامتلكت صالون أدبيًا، لكنها عاشت حياة لا تخلو المعاناة منها، تبدأ بموت أخيها الصغير، ومن ثم وقوعها في حب جبران خليل جبران، الفيلسوف والأديب اللبناني، ولم يبادلها ذات الحب الذي طمحت إليه، وكانت نكستها أيضًا بفقدانه، ثم فقدان أبويها، وبسبب نزاع أقربائها على التركة قام ابن عمها بزجها في مستشفى للمجانين لادعائه أنها كانت مختلة عقليًا، أرهقت هذه الكاتبة، وكانت تعاني من أقرب الأشخاص إليها، اتهمت بالجنون رغم رجاحة عقلها وثقافتها العالية.

كل ما في الأمر أنها كانت حزينة لفقدان حبها، وهو جبران، وفقدان أبيها وأمها، وتم استغلال حزنها لتوضع في مشفى المجانين إلى أن ثبت استقرار حالتها العقلية عن طريق أيضًا بعض الكتاب كأمين الريحاني والعقاد، وتم إصدار حكم من المحكمة برجاحة واتزان عقلها، لكنها عاشت وحيدة حزينة بعيدة عن الاختلاط الاجتماعي تعيش مع المقربين منها إلى أن توفي أيضًا أمين الريحاني، وعلى إثر الأخبار المتتالية من نكبات الحزن ضاقت الحياة بمي زيادة وتوفيت في عام 1941.

كذلك الأمر أيضًا بالنسبة لجبران، فهو لم يعش حياة مستقرة، وكان قلبه يتنازع بين حب ماري وحب مي زيادة، وعاش بعيدًا عن موطنه، ومات مغتربًا، لكن مع ذلك هؤلاء الكتاب أنتجوا لنا روائع من الأدب والفلسفة، منهم غسان كنفاني ومحمد الماغوط ونجيب محفوظ. 

المقارنة ليست لا تقتصر على أدباء العصر الحديث، بل على كل العصور، فلو اتجهنا للأدب اليوناني لهوميروس كاتب الإلياذة لرأينا أنه وصف بأنه كان أعمى وفقيرًا، كذلك الأمر مع كتاب الشعر الجاهلي كالمعلقات، مثل امرئ القيس الذي عاش مع الصعاليك، ومات ميتة فظيعة، أما عن شعراء الحب فحدث ولا حرج؛ فحتّى أبي فارس الحمداني الملقب بشاعر الشباب، وهو أحد أبزر الجنود والشعراء في عصره، قد كتب أجمل أشعار الحب إثر وقوعه في حب إحدى الروميات، أو ليس القائل:

أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ

بلى أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعةٌ ولكنَّ مثلي لا يذاعُ لهُ سرُّ

إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى وأذللتُ دمعًا منْ خلائقهُ الكبرُ

معللتي بالوصلِ، والموتُ دونهُ إذا مِتّ ظَمْآنًا فَلا نَزَل القَطْرُ

إنّ أعمق الحزن يعطي الإنسان الإلهام ليكتب، ليتضرع في كتاباته فيصيب لبَّ الإبداع؛ لأن الحزن من أقوى المشاعر التي تحرك الإحساس، فنحن أنصاف بشر إن لم نعان، إن لم نشعر ولم نتضرع ونتغلب على ضعفنا، الإنسان المكتمل من تكتمل فيه المشاعر ويحسن استخدامها والكتاب يحسنون التواصل مع مشاعرهم ليصيغونها للقراء بدموعهم.

المعاناة تنتج لنا أشخاصًا عظماء ليس فقط أدباء وشعراء، بل في كافة المجالات والأصعدة، فالألم إن لامس القلب قلبه رأسًا على عقب وغير كل ما فيه، كما أنّ أكثر الناس عناءً هم الأنبياء والمرسلين، فالرسول محمد – صلى الله عليه وسلم – شهد عام الحزن، وعيسى عليه السلام أضحيّة البشرية، أو باقي الأنبياء من نوح وإبراهيم ويونس، كلهم ذو معاناة، وأبرز الناجحين أو من علقت قصته بذهننا كانت المعاناة بطلها، فالمعاناة والأوجاع تنتج إما قصصًا عظيمة أو أدباء، فحتّى المشاعر قد تكون نقمة وليس نعمة.

فإن رأيتم كاتبًا فرفقًا به.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد