لم تعد الكتابة والنشر مشكلة مطروحة، فقد أصبحت متاحة للفئات المختلفة التي تتوفّر على قدرات بسيطة تمكّنها من التعبير عمّا ترى بأنها تتحكّم في كيفية تقديمه للقارئ، خصوصًا بعد تزايد عدد دور النشر التي توافق، في معظم الأحيان، على تبنّي أعمال الكتاب وطبعها، بغضّ النظر عن قيمتها الفكرية ومستواها الإبداعي، ومن النادر أن يرفض ناشر تبنّي عمل ما، حيث أصبح مقبولًا أن يتوفّر حدّ أدنى من المعقولية في الكتاب، ليكون ذلك كافٍ لتمريره إلى مرحلة التركيب، ثم دخوله مرحلة الطباعة، لينتهي به المطاف إلى رفوف المكتبات وبين أيدي القرّاء.

مؤلّفاتٌ كثيرة تصدر بشكل مستمرّ عن عدد معتبر من دور النشر، تطرح غالبًا أسئلة شائكة بخصوص قيمة الكتاب ومفهوم التأليف، وتدفع بعض المتتبّعين والمهتمين بقضايا الفكر إلى إطلاق أحكام، ربما تكون متسرّعة، حول المنظور الثقافي والقيم المعرفية التي أصبحت تحتكم إليها عمليات النشر، في زمن الشعبوية، ومنطق الاستهلاك والتسويق اللذين يخضعان لمعيار الرواج، بعيدًا عن فكرة النوعية في العمل والأهلية في الكاتب، خصوصًا في مجال الكتابة الأدبية، وبشكل أخصّ في مجال الرواية، وما يُنشر تحت صفة «نصوص أدبية» أو «مجموعة قصصية».

بين الكتابة الإنشائية كسلوك عابر محكومٍ بدوافع ظرفية قصيرة النظرة، والتأليف كتوصيف لفعل ثقافي ناضج وواعٍ ومحكومٍ برؤية فكرية وفنية، مسافة وبونٌ شاسعان، فإمكانات العصر التي فسحت المجال للكلمة والقلم، ودفعت نحو انخراط كل الطموحين ولو كانوا غير مؤهّلين لغويًا وفنيًا، فتحت المجال أيضًا للنشر والطباعة لهذه الفئة، ومكّنت الكثير ممن لهم قدرة بسيطة على رصف الكلمات والتعبير عن الدواخل النفسية والظواهر الخارجية من طَرْق أبوابها، فصدرت لهم أعمال، برائحة أغاني الراي والمسلسلات المدبلجة، حيث الفكرة السطحية، والآنية المبتذلة، والشعبوية الموحِلة.. وهي الأعمال التي تخاطب الجمهور العريض بلغته البسيطة وصوره الفنية التي يستعملها في تشكيل عوالم خياله في حياته اليومية، ومعظمها مكتوب بأسلوب ينزل إلى مستوى أسلوب عموم الفئات أو إلى أدنى من مستواه، ليقضي على فكرة الارتقاء بالذوق والفكر، ويقرّ مسايرة ما هو قائم منهما، بل الاستسلام للقيم المبتذلة التي تنتظر الترقية أو الإقصاء من النسق الفكري الاجتماعي، لكن حظّ بعض هذه الأعمال من الرواج قد يكون من حظ أغاني الراي سماعًا والمسلسلات المدبلجة مشاهدة، أي النجاح في الانتشار، رغم أن هذا النجاح قد لا يعمّر طويلًا.

كثيرًا ما تفضح صفحات هذه الطائفة من الكتّاب في مواقع التواصل الاجتماعي عجزهم الفضيع عن التحكّم في أهم مهارة لمحترف الكتابة، وهي اللغة، حيث تكشف الأخطاء النحوية والصرفية والإملائية، والصور البلاغية غير المتناسقة، والتشويش الجسيم في صياغة الجمل والعبارات، وأحيانًا السذاجة في نوعية الأفكار التي يتم طرحها، وهي التي لا تخرج في معظمها عن العلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة ومشكلاتها، في صورة مكرّرة ومستهلكة شكلًا ومضمونًا؛ مما يعكس ضعف المنظور الفكري الذي تستند إليه أعمالها.

مؤلّفات طائفة معتبرة من المبدعين تتجاوز هذا النوع من الكتابات إلى مستوى يجعل للأدب معنى وقيمة، حيث يستند المؤلف إلى رؤية فكرية مدروسة وواضحة، يُهيكل على أساسها عمله، إلى جانب الاستناد إلى رؤية فنية يتم إخراج العمل في حلّتها، تكون متعدّدة الأبعاد وتشمل زوايا مختلفة؛ من طريقة تقديم العمل لغة وأسلوبًا إلى هندسته وفق برنامج مقصود، ويحكم هذه الأسس جميعا مرجعية حضارية ورؤية استشرافية تمنح للعمل في المستقبل فرصة التصنيف ضمن ما يؤرّخ لمرحلته وللمراحل التي أخضعها له، ولا تهمله باعتباره محاولة أدبية هامشية ضمن مسار تاريخي يضجّ بالعناوين العظيمة والأسماء الثقيلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد