“في بودابست، في عطلة صيف 1989، كنت أجلس في شرفة شقتنا في بودابست أجلس في استرخاء، أمدد ساقيّ وأفكر في واقعة مضى عليها عامان، فقدنا لصديقنا ناجي العلي.

أستعيد تفاصيل الواقعة. أتيت بدفتر جديد وقلم رصاص. فتحت الدفتر. كتبت “آمنة تخشى البحر، ولكنها تكذب على قلبها”.

هذا ما كتبت رضوى عاشور في كتابها “أثقل من رضوى” عن كتابتها لرواية “سراج”. كانت هذه الافتتاحية.

ذكرى مؤثرة داعبت خيالها، كررت الرؤية والحلم وامتزجت بالشعور، ثم خطت رواية جديدة مختلفة كلية عن الواقعة ولكنها تحمل في طياتها روح الحدث. البذرة التي تتعلق بمركز الثمرة وتعطيها سر الحلاوة.

وهذا هو الكاتب؛ يعيش حياة مختلفة عن باقي السائرين. حياة متوترة، تتوغل داخل معاني المواقف متجاهلة غلافها الظاهري.

تتركز مشكلة أي كاتب في حياته، أنها تصبح آلاف الحيوات. لا يمر بموقف دون أن يسبره، أن يتوغل داخل روح الفاعل والمفعول.

في روايتها الجميلة المختلفة “رواية لم تكتمل” تعلمنا فرجينيا وولف الكثير عن ألم الكاتب وطريقه نظمه وانفصامه عن المكان والزمان ومحاولة الالتفاف حول روح البشر وقنصها وتطويعها حسب المفردات الواضحة لعين الكاتب لتكوين شخصية حياتية.

 

تجلس فرجينيا في قطارها تتلاقى عيناها بأرواح المسافرين، تكتب قصة كل روح تقاربها في الجلسة، أو تتباعد حتى ، تُذيب قصصهم في بعض، وتمسحها وتبدأها من جديد. تُلاقيهم ببعض أو تستعيد حياتهم المُتخيلة وتُركبُها كما تناسب الملامح والصفات الواضحة لقراءتها لأرواحهم الهائمة والمنتظرة للقراءة بلهفة.

هذا هو الكاتب حقًا؛ لا يرى طفلًا يسير في الشارع مبتسمًا إلا وصنع في خياله قصة لطيفة.

لا يشاهد ورقة شجر تتساقط متلهفة نحو الأرض، إلا ورسم في مخيلته بيت شعر، أو قصة عن حياة تنتهي. لا يدخل في مشادة إلا ويرحل بخياله وروحه عن الحدث ويسترجع بدايات الموقف وكيف يمكن أن يصيغه بصورة أدبية!

لا يرى حادثًا، إلا وقف ينظر لحركة المجتمعين وتصرفات كل منهم على حدة. يرسم بعينيه صورة أدبية لذلك الساقط أرضًا في دمائه، ويكتب عن ذلك الواقف بلا حركة. ويجعل من بطل الموقف أضحوكة متحركة، أو يجعله ذا تاريخ حزين أو مُشرف حسبما يتراءى له. ويكتب عن ذلك الواقف مترددا عن الحركة. وربما أدخل نفسه المُشاهدة بلا يد مساعدة في الموقف وسخر منها أو رفعها إلى مصاف آلهة المشهد!

من أوائل مقالات فرجينيا وولف كان مقال حاد عن صعوبة الكتابة وكيف يفشل الكاتب. تحدثت فيه عن كيف تؤثر ضغوط الحياة على وقت الكاتب المفروض للكتابة وتُقلص من مهارة الكاتب، وكيف أن الحياة ومشاكلها ومتطلباتها لا تراعي أهمية أفكار الكاتب وصولاته وجولاته مع الورق والقلم!

لو عنّ لي محادثتها – فرجينيا – لأخبرتها، أن في عقل الكاتب وروحه ما هو كاف للقضاء عليه وأن مصاعب الحياة ومشاغله ربما تكون وقت راحة الكاتب الذي يعينه على استمراره بعد تصفية ذهنه مما يُلم به!

أن روح الكاتب المُؤرَقة والمُؤرِقة كفيلة بتفكيك عالمه وإضعاف علاقاته الشخصية. أن الجلوس وحيدًا والانفصال عن البشر ليكتب قصيدته الجديدة مؤلم، وأن بيت الشعر الذي يكتبه للحبيبة يتطلب الابتعاد عن الحبيبة أولًا، وكأن بيت الشعر، لمصالحتها!

حين انفصل محمود درويش عن زوجته، قال: “ما أحتاجه استقرار أكثر. أغير رأيي، أمكنتي، أساليب كتابتي، الشعر محور حياتي. ما يساعد شعري أفعله، وما يضره أتجنبه”!

أن القصة التي تستنزفه للكتابة تطرق على رأسه بعشر نهايات ومئات البدايات. أن كلمة النقد، توجعه وتُريه فاجعة ما فعل وسقط في أتونه!

أما الرواية فتستولي على كيانه وتضعضع نسيج علاقاته الإنسانية فيترجم كل شخصية حوله إلى شخصية محتملة وإضافة إلى أحد أبطاله. يتحادث مع شخصياته الثانوية قبل الرئيسية ويستكمل أحلامهم في معاملاته مع الأصدقاء والأقارب وزملاء العمل، أما أولاده فيُجرب فيهم مشاعر إضافية تلزم الحواديت والسرد!

في إحدى روائع نجيب محفوظ “المرايا” حار الناشر في تصنيفها! وصارح محفوظ بأنه لو كتبها غيره ما خاطر بنشر مثل ذلك العمل!

وأنها لا تندرج تحت أي بند أو تصنيف للأعمال الأدبية.

مثل ذلك العمل الأدبي في رأيي هو الملف الذي كان يتعامل معه نجيب في الشخصيات. أغلب الكتاب المحترفين لديهم مثل هذا الملف. يستوحون الشخصيات المحيطة بهم ويؤرشفونهم. يفككون الأصدقاء إلى كلمات ومعان ولغة وأفكار متراكبة ومعقدة وبسيطة، ويصنعون لكل واحد منهم ملفًا يحوي روحه كما رأوها، يحوي أخطاءه وانفعالاته وسكراته وشذراته. وكان هذا ما فعله محفوظ في مراياه.

حتى اسم الكتاب يحمل أبعادًا عن انعكاسات الشخصيات. كم صديق تضايق من محفوظ لشعوره بأن الأديب قد خاض فيه ومرر قلمه على نفسه وتنفساته، أحلامه وآماله!

وكم صديق سعُد بتوغل محفوظ داخل ذاك الجسد ورؤيته للعمق الذاتي والإنساني وسرده على الورق ليصبح شخصية أخرى تتحرق للتواجد الفعال على الورق!

..

حتى نهاية الكاتب لو قُدِّر له أن يكتبها لكتبها بطريقة مختلفة. طريقة تظل مؤججة للخيال كلما تم تذكرها.

في أواخر حياة هيمنغواي، أصيب بمرض عقلي. كان يرى أناسًا ويحادثهم ويبحث عن تواجدهم كما كتب في قصة قصيرة تصف الحالة بشكل مؤرق حقًا. لم يحتمل ما جرى له. لم يحتمل كاتب العجوز والبحر والذي أقام “سانتياجو” بطل الرواية العجوز ليحارب الطبيعة كلها بعنفوان بحرها وشراسة قروشها ويتم انتصاره الرمزي في النهاية واستعداده لبذل نفسه مرة أخرى. لم يحتمل الكاتب الحقيقي انتصار الطبيعة على عقله.

وحمل بندقيته وعبّأها وأطلقها على فمه، لينهي حياة أول أمريكي أُصيب في الحرب العالمية الثانية وأشهر من كتب عن قصص الحب في أوقات الحروب!

ولا ننسى فرجينيا التي أنهت حياتها بشكل شديد الخيال؛ كمسرحية كلاسيكية جميلة وشاعرية، حين لم تستطع أن تقاوم مرضها النفسي الذي أصابها في النهاية. فكتبت رسالة رقيقة وراءها وأثقلت جيوبها بالحجارة وسارت بقدميها وجيوبها الثقيلة حتى أعماق النهر لتموت وتحافظ عليها الحجارة مخنوقة الأنفاس دون استطاعة للسباحة حتى الموت غرقًا!

حُب الكاتب للبدايات والنهايات لا يضاهيه إلا ألمه في تعليلهما وشرح ما بينهما وإعادة بنائهما حتى يرضى. وذهوله عن أموره الخاصة والعامة وربطهما بواقع تجربته الكتابية برغم ما وراءه من المسئوليات الحياتية؛ لا يُذهبه ويُسري عنه غير كلمات ثناء في نهاية نشر العمل وإذكاء للروح التي نزفت حبرًا على ورق، وجعلت مشاعر مضطربة لا تجد مُتلقيًا للبوح بها. جعلت منها روحًا وريحانًا يسري على قلب من يقرأ، وأبعدتها عن كونها حجرًا محجورًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد