ما أكثر عشاق قراءة التاريخ! الذين يُقلِّبون صفحاته دون ملل، ويستحضرون مَن بينها مِن شخوص، ويشاركونهم قصصهم وحكاياهم، فتراهم من مكانهم يسافرون من بلد إلى بلد، ومن زمن إلى زمن، وينتقلون بين القصور القديمة، ويمشون في الأسواق العتيقة، ويتعاطفون مع حضارة أو فرد، ويبغضون أمةً أو شخصًا، وتأسرهم فكرة هنا، أو تزعجهم أخرى هناك، ويتمنون لو أنهم يقابلون أحد أبطال تلك القصص، فهناك العديد من الأسئلة التي يودون طرحها عليه، أو لعلهم يودون الجلوس في حضرته فقط، ويتأملون هالةً رسموها حوله، وربما يودون أن يقابلوا شخصية فرعية، ويبحثوا لها عن بطولة في قصة أخرى، فلا يكفون عن جلب كتب المؤرخين، ومقارنتها، والبحث عن خيوط لحكاياها، ومحاولة إكمال صورةٍ لقصةٍ ما، ولكن كم من القصص اكتشفوا أن أبطالها ليسوا إلا مجرد أسماء مذكورة في كتاب هنا أو هناك، وأن المزيد من البحث عنهم لا يفضي إلى شيء؛ فهم لم ينالوا حظهم من التدوين، أو ربما نالوا حظهم، ولكن ليس بشيء من التفصيل الذي يشبِع فضولَ القارئ ويرضي المعاييرَ الأحدث للأكاديمية، فيضطر القارئ لافتراض محطات مهمة من حياتهم، لإكمال الفجوات في قصصهم، لينتج لدينا في النهاية شذرات مقتطعة من سياقها وموصولة كما يهوى القارئ، وبما يناسب تطلعاته وثقافته وطبيعة حياته، وهو ما يخلق مشاكل كبيرة في ماهية المادة التاريخية المتوفرة، وفي تفسيرها.

وبما أن حاضر اليوم هو مستقبل الغد، فلماذا لا نعفي الأجيال القادمة من مشاكل التاريخ المعاصرة التي نعانيها؟ وإذا كان أجدادنا المؤرخون قد حلوا لنا جزءًا من هذه المشاكل، وذلك بما نقلوه لنا من مادة تاريخية، فإن أحفادنا بحاجة إلى المزيد من المعلومات عن حاضرنا، وبحاجة إلى مؤسسات تحمل على عاتقها إنجاز كتب تدون وتحكي الحاضر بمختلف أبعاده؛ السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والأدبي، والجغرافي، والحضاري؛ وفي ظل تماهي العلوم المعاصرة، وعدم القدرة على فصلها الكامل، فإن التأريخ المراد ينبغي أن يخرج من إطاره السردي، ويتعدى كونه حكاية، وأن يعطي القارئ القدرة على استقراء معلومات ثقافية وأنثروبولوجية وغيرها، وأن يحتمل وجهات نظر مختلفة، وأن يخضع للعبة الصراع الدائر بين الأمم والجماعات والأفراد، وأن يشير إلى الأقليات ومواقفها بإنصاف، وأن يركز على الشخصيات الهامشية بوصفها جزءًا من الحكاية، وجزءًا من المجتمع، فلا نقرأ التاريخ بعيون البطل فقط، ثم نعممه بتحيز، ونتجاهل مواقف الشخصيات الثانوية؛ فهي إن كانت ثانوية في الحكاية، فإنها موجودة في المجتمع وجودًا أساسيًّا، وتعكس بعضًا من فكره وثقافته.

ولذلك ينبغي للمؤرخ أن يكون موسوعيًّا، وملمًّا بالعلوم الإنسانية بمختلف فروعها، فضلًا عن قدرته الاستثنائيه على التحلي بالصبر والمثابرة، فخوض غمار التأريخ مرهق، ولكنه في المقابل علم نافع مستمر، وقد عرفنا نفعه لما له من أثر في صناعة حاضر متوازن، وكونه مكونًا أساسيًّا من مكونات الثقافة المجتمعية والهوية المعاصرة، قال جل وعلا في سورة الأعراف: «فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ»، بل إن أممًا وشعوبًا تستخدمه لإثبات أحقيتها بمناطق ما من العالم؛ وقد عرفنا استمراره من رموزه التي عاشت إلى زماننا الحالي، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، ابن عساكر، والمسعودي، والطبري، والجوزي، والجزري، والأصفهاني، وابن هشام، والجبرتي، وشمس الدين الذهبي، الذين أوصلوا لنا تاريخ المسلمين القديم، بل عرفنا أيضًا مؤرخين نقلوا لنا تاريخ غيرنا من الأمم، مثل؛ يوسيفوس فلافيوس، الذي نقل تاريخ اليهود في الإمبراطورية الرومانية في القرون الأولى للميلاد، ومانيتون السمنودي الذي أرخ للأسر الفرعونية القديمة، ونقل لنا جوانبَ من حياة المصريين القدماء، وهيرودوتس الذي سجل لنا حروب قومه الإغريق مع أعدائهم الفرس في القرن الخامس قبل الميلاد.

ما أحوجنا لقراءة التاريخ! وما أحوجنا لمؤسسات تنقله لنا بحيادية ودون مبالغة ولا تحيز! وربما كانت المبالغة في نقل تاريخنا عاملًا مهمًّا في ظهور من رفضوا هذا التاريخ، ولكن رفضهم جاء متحيزًا ومبالغًا فيه أيضًا؛ فأساءوا للتاريخ، أو بخسوه حقه، أو ظهروا لنا بدعوات ساذجة لطمس الهوية العربية الإسلامية من مجتمعاتنا، وإحياء هويات اندثرت منذ قرون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد