لم أكن أتصور أن أتوقف عن الكتابة كل هذه الفترة من الزمن؛ فالأحداث حولنا أكبر من تصوراتنا وعقولنا، كان انكسارًا من نوع جديد فاق كل تحملنا، فوق كل طاقة بشرية.

(في صباح كل يوم تطلعك الجريدة على أحداث جديدة لا ترى فيها إلا اللون الأحمر).

(كان يجب أن تكتب كل مانشيتات الصحف باللون الأسود).

 (عندما تسير في الشارع ترى الوجوه كئيبة، تنتظر ما لا تعرفه. تطرح تساؤلات لا تجد إجابات، تسمع صراخًا مكبوتًا داخل الصدور، ويصعب اللسان أن يخرج  ما تحمله الصدور خوفًا من العواقب).

 (كل هذا الوطن العربي وكل قطر فيه، تسقط لا محالة ولو سهوًا في الموعظة الشافعية، حين قال: هاجِر تجد عوضا عمّن تفارقه.. لكن السؤال البديهي، يبقى دومًا محيرًا، إلى من ستهاجر؟ إلى كوكب آخر غير كوكب الأرض، أم إلى بلد يؤمن بالقيم الإنسانية داخله، وينكرها على بلدك العربي).

 (لم نكن نحتاج إلى بناء سور ولافتة، لكي نتأكد أننا داخل سجن كبير).

(هل يجوز أن نُبقى دومًا على تسفيه طُموحات الإنسان العربي في الانعتاق من وصاية المُتعصبين والجاهلين المتطرفين السياسيين الانتهازيين والأيديولوجيين القاصرين.. هل كل هذا العالم العربي أصبح عاجزًا منقسمًا منكفئًا على الذاتية الضيقة، والانزواء صوب الآني).

(لقد كان الألم شديد و الأحداث تتسارع من حولك لدرجة أنك فقدت الحزن على الحدث مدة طويلة، لا لشيء، ولكن لحدوث ما هو أصعب منه فتنسي ما حدث و تتذكر الجديد، وهكذا كما قال الأجداد: لا نبات بهم قديم).

و أمسكت القلم وسألت نفسي:

 

 ماذا أَكْتُب!

(ماذا أكتب وأنا أرى البندقية العربية في كل اتجاه، إلا الاتجاه الصحيح..) كما قال درويش.

 ماذا أكتب و الدم في كل بقعة عربية، وما بين الخليج والمحيط مجزرة عالمية، أو مختبرًا لتجريب كل أنواع الأسلحة، وتجريب كل مخططات الفشل الاجتماعية، وكل نظريات السياسية الميكيافيلية المقيتة، وزرع كل الأيديولوجيات القاتلة والمتعصبة، وشحن كل الطوائف والمذاهب ذات السمات المتطرفة، والتضييق على كل إنسان يدعو إلى الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة.

(ماذا أكتب والدم على الأٍرصفة والحيطان والشوارع، على كل شبر في الوطن العربي، دمعة مقهور، وفي كل حارة فقراء منسيون، وفي كل مدينة، أحياء مهمشة، وفتيات وشباب جانح).

(ماذا أكتب وبين كل حدود دولة وحدود أخرى، أسلاك شائكة، وحراس مسلحون، وداخل بعض الحدود، صراعات طائفية وفكرية وانفصالية، وقهر اجتماعي، غالبًا ما تنتهي بصراعات دموية سياسية.. كيف ينعم المواطن بالسكينة والطمأنينة؟).

(ماذا أكتب.. عندما تشعر بجفاء الوطن، وعندما تشعر بعلو الذات، وتفشي الأنانية من حولك، والتحول إلى مجتمع قبلي، الفرد في نفسه هو الدائرة الضيقة والواسعة لنفسه).

(ماذا أكتب.. والإنسان العربي أصبح مشبوهًا، وعمله رخيصًا).

ماذا أَكْتُب!

 والدم العربي أصبح مدادًا لأرخص الأقلام، وحبرًا مجانيًا، يملأ كل محابر العالم.. وكل أراضيه مستباحة لإفراغ أكبر صفقات الأسلحة المتهالكة منها والمتطورة، وبشره مرهون فقط داخل حدوده، لتجريب كل أنواع تلك الصفقات من الأسلحة، بدون أدنى اعتبار لعدد القتلى ولا لعمق الخسارات ولا لانشطار المآسي بين شعوبه.. ماذا أكتب؟ ماذا أكتب إذن؟

ماذا أكتب.. وأنا أرى القدس تتصدى بمفردها للتهويد وظلم المحتل وتركها طغاة العرب نهبًا وسلبًا لأحفاد القردة، وماذا بعد وأنا أرى المرأة الفلسطينية تتصدى بيدها لمكر الصهاينه وتتحمل بقلب صلب استشهاد أولادها واحدًا بعد الواحد، وهي المرأة الوحيدة التي تتحمل، آلام الولادة والشهادة لأطفالها.

 كيف يتحمل قلمي أن يكتب عن دمشق الشام وهي يتقاسمها كل مجرمين الأرض لكي يقتلوا شعبًا طيبًا، رافضين لحريته، وأهلها يتذابحون  بين المدن وداخل الشوارع، ويتنازعون الكلام باسم الشرعية على الشاشات الملوثة بدماء أهله، وأمواج ميكروفونات أعدائه.. يُنَادَوْنَ إلى تأثيث موائد اللئام.. ماذا تبقى للشعب السوري بعد أن أصبح أكبر الشعوب اللاجئة في القرن الواحد والعشرين!

كيف لصوتي أن ينطق وأنا أشاهد اليمن السعيد يحترق، وأصبح بلاد الحزن والموت، صنعاء وحضرموت أصبحت بلاد الفقر والدماء، وكل يوم تزيد الدماء والملك القابع فوق الجزيرة يزيد النار اشتعالًا، ومن قلب لندن تقذف الحرائق حتى أصبح مصدر الجمال والشعر العربي يعيش فوق فوهة المدفع وتشتت أهلها في بلاد الله.

أبكي تاريخًا أم حضارة، أبكي أمة أم أبكي عربًا جبناء أشعلوا نار الفتنة وتركوا عراقنا للدب الأمريكي القذر، كي يزيل حاكم من الوجود فأزال شعبًا كان بالأمس تنحني له الوجوه، إنها العراق بلاد الرشيد والمعتصم، بلاد الشعر والفقه والحديث.

 

وماذا تجدي الكتابة وقد دخل المنافقين إلى كل مكان وتعالت أصواتهم، وأصبح الحر خائفًا على نفسه وبيته، والتصفيات الجسدية تتم يوميًا لزهرة شباب الأمة، ومن خاف على مصيره بالأمس تمنى الرحيل اليوم، وأصبح الجميع لا ينتظر الغد خوفًا من أحداثه.

في زمن الموت لا تكتبوا شعرًا ولا نثرًا فقط قفوا صامتين وحركوا أيديكم بالعطاء، بالفعل، بالمبادرة بالوقوف في الصفوف الأمامية، ارفعوا الأقلام فوق رؤوسكم واهمسوا ونادوا: لا للحرب.. لا للموت.. لا للجوع ..لا للتهجير.. لا للقمع.. لا للوصاية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!