إن «سوسيولوجيا التحالفات الدولية» قد تَكون اللغة المشتركة باعتباره جانبًا ضروريًا من جوانب التطور الاجتماعي الذي يأتي معه -خلال عملية التكيف للحاجات الاتصالية الجديدة- بمزيد من التفاضل ومزيد من التكامل. وقد اتضح في النهاية أن استخدام اللغة المشتركة أحد ملامحها الفاصلة. وهذ المقال يحاول أن يعالج مسألة الكيفية التي تتفاعل بها اللغة مع السوق؛ التي يعبر عنها من منظور فيلم «كتابة على الثلج» من حيث المستوى الماكروي (للبنية)، والانقسام داخل فلسطين كممارسة تكتيكية على المستوى الميكروي (للديناميات)؛ إذا ما اتبعنا تفكير المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي فوق كل البنية الاجتماعية السياسية التي قد تعبر عن المكبوت الهوياتي من خلال الإشارات وأصوات التعجب حيث الوظائف التعبيرية والدلالية غير منفصلة بعضها عن بعض بعد إذا أخذناها باعتبارها المقابل للمقايضة، على الرغم من أن هذا التشبيك المؤسسي أو التشبيه أيضًا تشبيه أخرق شيئا ما. فبينما يجب النظر للمقايضة باعتبارها إنجازًا لحضارة ذات مستوى أعلى، فإن الاتصال قبل اللغوي يمكن أن يرتبط فقط بمرحلة مبكرة من مراحل تطور النوع أو تطور الكائن الفرد.

فالمقايضة تشبه التبادل الاتصالي لمعنى أو أكثر تبادلًا مباشرًا؛ وعلى العموم الانقسامات في العالم العربي، إذا كان «التبادل الاتصالي للمعاني تبادلا مباشرًا»، فربما يعني الكلمات محدودة الدلالة بشكل كبير، أو ربما قد تكون التعبيرات التي تعتمد على السياق بدرجة كبيرة. وهو على أي حال يقابل بين هذا الشكل البسيط «للمقايضة اللغوية» كما يسميها روسي – لاندي (Rossi-Landi,1968-1974)؛ وفكرته الأساسية هي النظر للغة بوصفها نتاجًا للعمل الجمعي وثروة اجتماعية متراكمة، وهو يشبه تداول الألفاظ بتداول السلع في السوق.

هذا الأمر قد يقودنا إلى مغامرة مثيرة في «مدرسة مسائية» كما عبر عنها الفيلم الرائع «Night School» للبحث عن فرص تعليمية ومعادلة تعليمية لمجموعة من الطلبة (مثيري الشغب: حلقة مفرغة)؛ التي قد تعني أن وعي الجماعة بلغتها وموقعها وموقفها تجاهها لا يتحددان بالظروف الاقتصادية وحدها، فالمحركات الأيديولوجية -خاصة تلك المتصلة بالدين والهوية الإثنية والقومية- كثيرًا ما تقدم أسسًا للولاء اللغوي تكون قوية بما يكفي لمقاومة عوامل التطور الاقتصادي يكون عاملًا مهمًا، وكثيرًا ما يكون حاسمًا في إطار «المصيدة الانتقالية»، وهو يعمل عادة بوصفه مثيرًا لتقهقر اللغة الذي يحدث في الجماعات اللغوية التي كانت قادرة على حماية لغتها من الهجوم العنيف القادم من الحضارة الحديثة عن طريق إقامة سياج أيديولوجي حولها.

كما أن وجود لغتين متنافستين إحداهما مع الأخرى لا يقتضي دائمًا استسلام إحداهما للأخرى عن طريق حلولها محلها (التحول اللغوي) أو استيعابها. ومهما يكن فإن التحول في تقسيم الأدوار الوظيفية للغات المتنافسة يمكن أن يلاحظ في كل مكان تقريبا. وما دامت الجماعات اللغوية نادرًا ما توجد في عزلة كاملة، لكنها تميل لأن يكون لها أنواع مختلفة من الاتصال بعضها ببعض ومادام كثير من المجتمعات يستخدم لغات عدة استخدامًا نظاميًا، فإن اللغات أيضًا تتفاعل بعضها مع بعض. واللغات «لا يمكن أن يترك بعضها بعضًا وشأنها، فاللغة دائمًا تحاول أن تزيح الأخرى جغرافيا أو وظيفيًا».

وفي هذا السياق فإن هذه العبارة التي تجعل اللغات تبدو كأنها أدوات ذات قدرة على الفعل تقدم نفسها، لأن التغيرات في تقسيم مجالات الاتصال بالنسبة للغات يحدثها جزئيًا فقط التدخل الواهي / الواعي من جانب متحدثيها، وانتشار اللغة عملية غير موجهة جزئيًا تحدث كما لو كانت تحدث على نحو مقصود. وعندما لا يقوم انتشار اللغة على سياسة مقصودة بتخطيط قانوني وتخطيط مكانة يكون معقولا تمامًا أن نقول إن لغة معينة تكتسب متحدثين إضافيين كما يكتسب المتحدثون لغة إضافية. وهي بذلك بمثابة «كتابة على الثلج»؛ للبحث عن تحولات snowball effect اللغة مشتركة: كرة الثلج، للتفاهم حول مجمل القضايا التي تمس هموم المواطن العربي.

وهكذا قد نجد أن من أهم العوامل الاجتماعية التي تساهم في لغة (ما) هي الغلبة والهجرة الكثيفة والاستعمال والتحول الديني والتخطيط اللغوي الرسمي وكذلك النقل والتجارة، ونادرا ما تصبح هذه العوامل فعالة بشكل مستقل، فهي تتفاعل كثيرًا يظهر أحدها بعد الآخر. أما لغة التفاهم فتعتمد في الغالب على المشاعر والأحاسيس التي قد تتجاوز الحدود اللغوية والإثنية إلى توحيد اللغة على نحو حاسم عن طريق إخضاعها للكتابة.

والنجاح الحقيقي لانتشار اللغة مرهون باستعمالها وتعزيزها في كل المجالات المذكورة: الحكومة والقانون والاقتصاد والجيش والدين والتعليم، ولكن العوامل وراء انتشار لغة ما عادة ما تختلف في الوزن والتأثير في ظل التجانس اللغوي أو عدم ذلك مما قد يؤدي إلى الانقسام في الرؤى والأفكار حول تقييمنا لما يدور حولنا «ظاهرة الاقتصاد اللغوي» ومقارنة العلاقات الاجتماعية / اللغوية التي تظهر أن الأدوات القواعدية – مثل الزمن والحال – تستخدم على نحو اقتصادي تقريبا، وعلامة الحال في الألمانية -على سبيل المثال- التي تطبق على الاسم والأداة والنعت علامة غير اقتصادية بهذا المعنى؛ مما قد يجعل من سوسيولوجيا التحالفات الدولية أقرب إلى إعراب كلمة «حتى» في اللغة العربية!

أم إن التّابع (subaltern) لا لغةَ له، ليس لأنّه لا يمتلكُ لغةً في واقع الحال، وإنّما لأنّ المركز لا يعترف إلّا بلغة عولميّة، وإنْ لم يُترجم -بالمعنى الحرْفيّ والرّمزيّ- التّابع أوجاعه ومعاناته لهذه اللغة العولميّة لن يُعترف به. هكذا كانت لعبة الاعتراف دائمًا: عليكَ أن تستدخل ذاتيّتك في أفق عولميّ، وتبدي شروط طاعة أكثر، ليحصلَ الاعتراف الذي يصبّ في مصلحة المركز كأنّه يَنظر للتّابع ويهتمّ بأمره، في حين أنّه شرَطه بشروطه العولميّة التي سحقت معناه. الغريب أنّ الوسطاء الإمبرياليين من المحليين هم «مترجمون» أصلاء، بهذا المعنى الذي ذكرتُ، ويؤدّون مهمّة يظنّون أنّها تحرّريّة: يوثّقون بلغة عولميّة الضحايا التّابعين ذوي اللغة التابعيّة بلغة مركز عولميّ لينالوا الاعتراف. لا ضحايا إذن إلّا إذا عُولِموا تمامًا، على يد وسطاء إمبرياليين محليين.

وهكذا، يمكن القول أن «الكتابة على الثلج» في «مدرسة مسائية» ـشبه ما تكون بـ«سياسة حرب السلحفاة» من ناحية، ومن ناحية أخرى، أقرب ما تكون لسيكولوجية – سيوسولوجيا سباق «الأرنب والسلحفاة» بين التابع والوسيط!

للتأمل:

«نبني تماثيل من ثلج ثم نشتكي ذوبانها» مثل صيني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, سياسة, فكر, فن
عرض التعليقات
تحميل المزيد