بالرغم من أن الكل يفعل ذلك طيلة الوقت وفي كل مناسبة، شخصيًا أجد أن الكتابة عن الولايات المتحدة الأمريكية أمر شديد الصعوبة، خاصة بعد تجربتي المباشرة مع المكان، بالرغم من مرور ما يزيد عن الست سنوات منذ رحلتي الأولى أشعر بالتردد الشديد في نشر مشاهداتي وخبراتي الشخصية في المساحات العامة خوفًا من أن أقع فيما يقع فيه غالب ما أطلع عليه بالعربية، وأيضا لأنني مازلت أتعلم الكثير في كل يوم أقضيه هنا.

قد تبدو الكتابة سهلة بسبب لأن هذا البلد يفرض نفسه على الساحة السياسية منذ عقود كقوة عظمى ذات تأثير متفرد، وفي الساحة الاجتماعية بعاداته وتقاليده التي تتسابق كل شعوب العالم على استنساخها، وبالرغم من طغيان الفكرة الأمريكية بقوة على الوجدان الجمعي لشعوب العالم بأكمله وشعوب العالم العربي على وجه خاص، إلا أن الكتابة بدقة وبهدف نقل وتوصيف صورة واقعية شاملة قدر الإمكان عن ظروف هذا المكان داخليًا في الوقت الحالي مع مراعاة تاريخه القصير نسبيًا المتشابك أمر عسير جدًا لأسباب عديدة.

لاحظت أن الطرح الدقيق بالعربية عن واقع الولايات المتحدة شديد الندرة، ما يشيع وما يعرفه الجميع هو الطرح اللامع الجذاب والنمطي،الطرح الذي يحمل أفكارًا مسبقة تناسب المتلقي أو الباحث عن المعلومة سواءًا كانت سلبية أو إيجابية، كذلك يشيع من الأفكار النمطية ما يتم تصديره عن هذا المكان باستمرار بغرض خلق عدو خارجي يتلقى الضربات منا على الدوام، أو بغرض تأكيد الشعور المستمر بالنقص تجاه آخر أفضل وأرقى وأغنى منا بطبيعة الحال.

نجد أنه في المجمل يتسم معظم ما ينقل وينشر عن الولايات المتحدة بالمبالغة الشديدة والتعميم، أو هو أحيانًا نقل حرفي للرواية الرسمية الأمريكية، توجد إذًا عدة سمات أساسية لهذا الطرح وهي: المبالغة في استحسان مستوى المعيشة الأمريكي والتقدم العلمي على ناحية، والمبالغة في وصف انحلال و مجون أو رقي أخلاق و تمدن وتحضر هذا الآخر الذي لا نعرفه ولا نحتك به.

لذلك قلما تجد تقارير مفصلة بالعربية عن الفساد أو البطالة أو انهيار الرعاية الصحية في المجتمع الأمريكي، أو أزمة خصخصة السجون، أو العنصرية المؤسساتية، أو الفجوة الساحقة في الثروات بين الأمريكان بناءًا على خلفيتهم العرقية، وإن وجدت مثل هذه المعلومات في الفضاء العربي، فنادرًا ما تطرح في سياق موضوعي بغرض التعلم والملاحظة، ولكن في كثير من الأحيان بغرض التشفي في المجتمع الأمريكي المنحل، ومحاولة إثبات أننا بالطبع أفضل وأشرف من كل هؤلاء الأثرياء الماجنين الفساق.

يستمد الكثير من الناطقين بالعربية ممن يعيشون خارج الولايات المتحدة معلوماتهم عن البلد من خلال الأفلام و البرامج الأمريكية ومواقع الإنترنت، أو المؤسسات المنتجة للمحتوى التي لها علاقة بالبلد عن قريب أو بعيد، أو بعض ما يسمعونه من خبرات العرب المهاجرين، بالإضافة إلى استنتاجات و جهود فردية. قد تنجح أو تفشل كل هذه المصادر على تنوعها في إعطاء صورة تقريبية عن المكان، وهذا هو ما فعلته قبل زيارتي الأولى لسنوات طويلة، واعتقدت في فترة ما أن معلوماتي هذه كانت كافية.

وصلت لقناعتي بعدم كفاية هذه المصادر بعد مرور أكثر من 6 سنوات على الرحلة الأولى قضيتهم بين بلدي الأم والولايات المتحدة، وبعد زيارتي لما يزيد عن العشرين ولاية ويقرب من نصف الولايات المتحدة، وإقامتي الطويلة في عدد لا بأس به من ولايات الساحلين الشرقي والغربي والجنوب والغرب الأمريكي في منتصف البلد، وبعد أن خبرت الولايات المتحدة تارة كسائحة وتارة أخرى كموظفة ومهاجرة.

أول هذه الأسباب البديهية في رأيي هو شدة اتساع الرقعة الجغرافية للولايات المتحدة الأمريكية التي تبلغ مساحتها 9 أضعاف مساحة مصر ويزيد عدد سكانها عن 325 مليون نسمة من جميع الأجناس والعرقيات والعقائد واللغات التي قد تخطر أو لا تخطر لك على بال، وبالتالي صعوبة الإلمام بذلك إذا كنت فردًا وحيدًا يحاول أن ينقل صورة المكان الذي يعيش فيه في أعمارنا القصيرة ومحدوديتنا اللغوية والفكرية.

يؤدي هذا الاتساع الجغرافي إلى تنوع شديد في التجربة الأمريكية نفسها، سواءًا كنت زائرًا للعلاج أو الدراسة أو السياحة، أو كنت مقيمًا إقامة دائمة بصورة قانونية أو غير قانونية،أو كنت مهاجرًا تم تجنيسه منذ سنة أو ثلاثين، أو كنت مواطنًا أمريكي النشأة من الجيل الأول أو الثاني أو الثالث من عائلة من المهاجرين، أو كنت لاجئًا حديث الوصول من دولة إفريقية أو أسيوية أو لاتينية. لكل فرد هنا قصة مختلفة تمامًا، ولكل قصة ميلاد أو مجيء أبعاد مختلفة تنعكس على تجربتك النهائية، والتي في النهاية لا يمكن استخدامها منفردة لقياس الواقع والتاريخ الأمريكي بصورة شاملة ودقيقة تفيد المطلع عليها.

على سبيل المثال تختلف ثقافة السكان على الساحلين الغربي والشرقي اختلافًا شديدًا عن ثقافة وأسلوب معيشة سكان ولايات الجنوب، كما تختلف الحياة في المدن الكبيرة قليلة العدد في الولايات المتحدة مقارنة بالضواحي والمدن والبلدات الصغيرة والتي يعيش فيها أغلب سكان البلد.

كذلك يعيش الأمريكي ذو الأصول الأوروبية فاتح البشرة أو من يمكن أن يتم تصنيفهم تحت نفس الخلفية من الأسيويين واللاتينيين، وأحيانًا العرب كـ( White passing) – أو شخص يمكن اعتباره أبيض – تجربة شديدة الاختلاف عن تلك التي يعيشها الأمريكي ذو الأصول الأفريقية أسود البشرة والأفريقي المهاجر واللاتيني وبالطبع من تبقى من السكان الأصليين للقارتين الأمريكيتين.

يعرف الكثيرون في عالمنا العربي خطاب مارتين لوثر كينج الحالم المسالم شديد الشهرة قصدًا (I have a dream) (لدي حلم)، لكن الكثير من خطاباته القوية شديدة الأهمية، مثل خطاب (The other America) (أمريكا الأخرى) التي تطرقت إلى موضوعات تمس اختلاف التجربة الأمريكية تمامًا إذا كنت أمريكيا أسود ذا أصول إفريقية عن تلك التي يعيشها الأمريكي الأبيض تكاد تكون مجهولة للجميع من غير المتخصصين في علم الاجتماع أو تاريخ حركات النضال الأسود في الولايات المتحدة.

كان لابد من هذه المقدمة الطويلة نظرًا لأنني قررت الكتابة بدوري، وددت الإشارة إلى الشريحة التي أنتمي إليها، والتي تملك بعض المصداقية تلقائيًا عند المتلقي نظرًا لأن خبرتها مع البلد مباشرة، وتعتبر شهادة عيان، إلا أن هذا النوع من الشهادات يعتبر أشد خطورة. إذا أردت أن تجادلني في ما أشاركه من معلومات بمنتهى الثقة سأقول لك بمنتهى البساطة: أنا هنا في الولايات المتحدة، وأنت لست هنا، بالطبع أعرف أكثر منك! لكن هذا ليس صحيحًا معظم الوقت.

لنقل أن أحمد محمد مهاجر من مصر يعيش في الولايات المتحدة منذ عشرين عامًا، بالتحديد في الحي العربي في إحدى ولايات الساحل الشرقي شديدة التنوع العرقي واللغوي (على عكس غالب ولايات الجنوب) والتي تأوي تجمعات المصريين المحدودة في البلد، يعمل أحمد طيلة اليوم مع مجموعة من المصريين في مطعم أو مقهى أو محطة غاز، يقضي معهم الإجازات والأعياد، يصلي في المسجد العربي ويجلس في المساء ليشاهد القنوات الفضائية العربية أو يتابع الأخبار على شبكات التواصل الاجتماعي بالعربية، وبالرغم من كل هذا الوقت الذي قضاه في البلد، إلا أنه يتكلم الإنجليزية بصعوبة بالغة؛ لأنه لم يضطر إلى تعلمها، قد يحتك بغير العرب والأمريكان في بعض الظروف، ولكن هذا الاحتكاك لا يحدث بصورة عميقة أو على مستوى شخصي، فهو لا يتطوع في أنشطة مجتمعية أمريكية أو يحضر الصلاة في مساجد أمريكية أو يتابع الأخبار المحلية بالإنجليزية، وليس لديه ما يمكن أن يسميهم أصدقاء من غير العرب. باختصار لم يترك أحمد مصر أبدًا في وجدانه على الأقل، وقام أحمد ورفاقه بخلق مصر صغيرة في معزل عن الأرض الشاسعة المخيفة التي بشكل أو بآخر دفعتهم إلى ذلك المصير.

يوجد مئات الآلاف من نموذج أحمد هذا في مئات من الجيتوهات الإثنية المنعزلة لغويًا وثقافيًا في الولايات المتحدة؛ لأن اتساع البلد واختلاف الثقافة الأمريكية الشديد عما اعتاده هؤلاء المهاجرين يسمح بذلك، سوف تجد أن نمط حياة خوسيه عامل البناء المكسيكي، وإيفان الطباخ الروسي، وتشان صاحب شركة الشحن الصيني لا يختلف كثيرًا عن حياة أحمد المصري العربي، وللعجب الشديد ستجد أيضًا أنهم لا يعرفون شيئًا عن عوالمهم شديدة التشابه شديدة القرب أو الكثير عن أي آخر لا يتكلم لغتهم ولا يشبههم.

هناك أيضًا مهندس الحاسوب الشاب الذي جاء توًا من الهند أو اليابان أو المغرب ليعمل في إحدى شركات وادي السيليكون المرموقة في كاليفورنيا، أو طالب الهندسة أو العلوم ليدرس في إحدى جامعاتها الشهيرة بمنحة كاملة، تلك الولاية شديدة الليبرالية والانفتاح، حيث مقرات هوليوود وكبريات الشركات التقنية والمواقع الإلكترونية الشهيرة، والتي إذا تم اعتبارها دولة مستقلة، فإنها تملك سادس أكبر اقتصاد في العالم مقارنة بأكبر خمس اقتصادات. سوف يعيش هذا الشاب في حي راق جدًا أو في حرم الجامعة العريقة ويختلط بزملاء الشركة أو الدراسة من الأجانب أو الأمريكان البيض من الطبقة المتوسطة العليا، سوف يحصل على رعاية صحية كاملة ويقضي عطلاته في الرحلات الترفيهية، لكنه لن يضطر إلى التعامل مع كثير من التعقيدات الحياتية التي يعيشها شاب أمريكي أسود أو لاتيني ولد ونشأ في الولايات المتحدة الأمريكية، أو ملايين الأمريكان الذين يعيشون تحت خط الفقر ويتلقون معونات حكومية، وقد لا يعلم أنها واقع بالأساس.

في سياق صناعة الأفكار والبحث الاجتماعي في المساحات الأكاديمية الأمريكية، سوف يزداد الأمر تعقيدًا إذا علمت أنه على سبيل المثال لم يتم السماح بأقسام الدراسات المتعلقة بالسكان الأصليين من تاريخ وثقافة ولغة وأنثروبولوجيا رسميًا إلا في سبعينيات القرن الماضي وبعد جهود مضنية من روادهم، وإذا شهد الواقع الأكاديمي الأمريكي نفسه بالتفاوت الحاد بين أعداد الأكاديميين المؤثرين من ذوي الأصول الأوروبية في مقابل غيرهم، في النهاية سوف تجد أن السرديات والأفكار الناتجة تمثل عدد محدود من وجهات النظر ليست كافية لللتعبير عن الصورة الواقعية التي ينشدها هؤلاء الذين يبحثون عن الحقيقة كاملة، وليس فقط النسخة البيضاء الأوروبية منها. يمكن قياس هذا على الإنتاج الإعلامي والفلكلوري الأمريكي الذي يتم استهلاكه محليًا وتصديره عالميًا.

بالنظر إلى هذه الأمثلة التي طرحتها يمكننا إذًا أن نصل إلى أنه لا يمكنك الحكم على الواقع والتاريخ الأمريكي بدقة، إلا إذا أخذت خطوة إلى الوراء بعيدًا عن تجربتك أنت، وتحيزاتك المسبقة ونظرت إلى تجارب الآخرين على تنوعها وتعقيدها، لا يمكن إطلاق الأحكام أو التصورات الأقرب للحقيقة عن الولايات المتحدة الأمريكية دون اعتبار تجربة الآخر المقهور والآخر المهمش. لا يمكن أن نجزم بأن قصة العم سام الأبيض القديم أو المعاصر هي القصة الصحيحة، دون أن نحاول التعرف على قصة الثور الجالس من الشعوب الأصلية وأحفاده الذين يعيشون في المحميات حتى اليوم، وقصص المحاربين القدماء العائدين من فيتنام والعراق، وقصص الرجال السود القابعين في السجون الخاصة، وقصص أطفالهم في المدارس الحكومية المتهالكة، وقصص أحفاد اليابانيين الذين نجوا من معسكرات الحرب، وقصص فقراء البيض في ولايات الجنوب الذين قرروا تأييد الحزب الجمهوري طمعًا في حظ أوفر لكي تصبح أمريكا عظيمة مرة أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد