الكتابة والتدوين هما وجهان لعملة واحدة رغم اختلاف الوسائل فلا يمكننا الحديث عن التدوين دون الحديث عن الكتابة فالتدوين مُحتوًى في الكتابة وكلاهما منضويان تحت بوتقة الاتصال. تقول الكاتبة الأمريكية جوان ديديون أكتب حتى أعرف كيف أفكر.

من هنا يمكننا القول إن كل ما يطرح من أفكار تمثل صاحبها وتعكس للمتلقي عمق ثقافة الكاتب أو المدوّن وقدراته الفكرية، التدوين بين الأفراد هو كله فهم الآخرين، به يتم التفاعل لتسهيل فهم أفكار المدوّن وفك اللبس عن الكثير من القضايا بعيدًا عن التشنج وروح العداء المغلفة بالخلفيات المسبقة لأن أي تغيير يحدث عند المدوّن يحدث بالضرورة عند القارئ فطرفا الاتصال يعتمد كل منهما على الآخر وهذا هو المقياس الأساسي الذي يحدد ما إن كان الاتصال والتفاعل والتأثير يحدث فعلًا أو لا يحدث.

وعليه إذا أريد لعملية التدوين أن تؤتي أكلها فإن على المدوّن إذا أراد أن تكون فكرته فعّالة ومؤثرة في سلوك المتلقين أن يضمن صحة نقل رسالته وتفسيرها بشكل جيد عند الآخرين بدون تأويل أو تزييف. ويسهر على أن لا تكون لها أبعاد غير التي أريد أن تكون لها وبالتالي يضمن الوضوح لرسالته مهما كانت معقدة حيث تقول الروائية الفرنسية سيدوني كوليت لا تقود الكتابة إلّا إلى المزيد من الكتابة، من هنا تنشأ الثقة بين الأفراد ويزول سوء الفهم وتقرّب المسافات وتزول الحواجز المصطنعة فيحل التضامن والإيمان بالأفكار المطروحة محل الفرقة والخلاف وتقوى روح الفريق إذا جد الجدّ أمام المصاعب الطارئة والشواهد كثيرة بغية تحقيق الأهداف المنشودة.

إن التدوين في وقتنا الراهن ضرورة ملحة لا محيد عنها وتكون أوجب وألزم عند الشباب الواعي بقضية وطنه وأمته. فالتعبير عن الرأي أمر يميل إليه الإنسان ويتذوقه، فمن خلاله يشبع المدوّن شغفه في التفاعل مع غيره وعن طريقه يستطيع الإنسان أن يتحرر من عباءة فكره ليخاطب الآخرين ويتواصل معهم من خلال ما ينشره في فضاءات عدّة من منتديات ومواقع للتواصل الاجتماعي على غرار هذا الفضاء الحر ساسة بوست الذي أضحى قبلة للمتعطشين للرأي والرأي الآخر بعيدًا عن الاحتكار والمصادرة ومقص الرقيب حيث يكون الرقيب الأوحد هو المدوّن في حد ذاته من خلال ما يتحلى به من مبادئ وقيم وقناعات ومعايير يبني عليها ما يكتبه وينشره.

فالفكر النيّر لا يحتاج لأصفاد برّاقة تحميه من هواجس التطور بل هو الفكر الذي يعوّل عليه للتصدي لأي عارض وإنتاج البدائل ووضع الحلول. وهنا أنا أختلف مع الكاتب خالد بيومي فيما كتبه، عندما يتحول المشهد السياسي إلى مشهد إباحي يتوقف القلم عن الكتابة ويكتفي بالفرجة، بل على المدوّن أن يتحدى المستحيل ليكتب وينشر ولا يركن جانبًا خاصة عندما تتشتت أفكاره وتهرب منه الكلمات فبالتدوين والكتابة يدرك أنه على قيد الحياة، فالكاتب ينبعث من رحم الواقع الذي يعيشه ثم ينتفض ليحرر مجتمعه من بؤس الحياة فالكتابة السليمة الأصيلة هي الكتابة التي تكون مباشرة وصادقة وأمينة وموضوعية ومجردة عن الذاتية يقول أحد المتصوفة الصالحين الكبار.

العبرة لمن صدق لا لمن سبق. ولو كان فيسبوك والمنتديات الإلكترونية موجودة أيام سادتنا العارفين بالله والرعيل الأول من العلماء ما تركوه لِبَث علومهم ومعارفهم. ألم يستخدموا كل ما هو متاح في زمانهم من كتابة وترحال ووعظ من أجل توصيل فتوحاتهم الربانية وقيمهم الروحية إلى الخلائق المحجوبة حتى لا يَضلوا الطريق؟ فلكل زمان وجيل منابره الخاصة وخير ما أختتم به مقولة عميقة للدكتور محمد العيد التجاني التماسيني الجزائري شيخ الطريقة التجانية: «بسيّر زمانك سر».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد