في كل جلسة تجد أحدهم يستحوذ على اهتمام الجميع، من خلال قصة يرويها حول حدث معين، وبغض النظر عن أهمية هذا الشخص، وأهمية الحدث، ومن هم المستمعون إليها، فإنه يستطيع من خلال مجموعة من الصفات والمواهب أن يجعل الجميع يتفاعلون معه بإيجابية؛ بل يشعرون بأنهم قد مروا بموقف مشابه، هذا الشخص هو مشروع لكاتب سيناريو ناجح، إذا أستطاع تنمية هذه المواهب.

عندما يلتقي الزملاء في العمل يبدأ أحدهم بالكلام عن تجربته بصعود الباص الخاطئ، وهو في طريقه إلى العمل، وبقليل من عبارات التشويق العفوية تتحول هذه الحادثة البسيطة إلى قصة رائعة، يستحوذ بها على اهتمام الجميع، يجتذبهم بسحر حديثه، مستمتعون بكل تفصيلة وهم يشربون الشاي، يوصلهم بهذا الحديث إلى ما يريد من إحساس، حزنًا أو فرحًا أو دهشة، يجعل كل واحد منهم يعتقد بأنه جزء من هذه القصة، ولا تنتهي قصته إلا عندما يبدأ النقاش حول تفاصيل تلك «المغامرة الرائعة».

ثم ينتقل الحديث إلى الزميل الذي يجاوره، والذي بدأ يحكي الفاجعة التي حلت به عندما ماتت أمه الأسبوع الماضي، رغم قوة الحدث الذي لا يمكن وصفه إلا بمصيبة حقيقية بكل المقاييس، فإن طريقته السيئة في رواية القصة، والكليشيهات المملة التي يستخدمها على شاكلة «كانت أمي أطيب أم في الدنيا»، «شعرت بالشوق لها من أول ليلة»، وغيرها من الجمل التي تجعل الجميع يحاول أن يغير الموضوع أو يغادر المكان هربًا من حكايته المزعجة.

هذه المقارنة الواقعية البسيطة تنطبق على عالم صناعة الأفلام، فعندما يكون هناك خياران: مادة تافهة محكية بذكاء، ومادة رائعة محكية حكيًا رديئًا، سيختار الناس المادة التافهة والمحكية بذكاء، إن أساتذة كتابة القصة يعرفون كيف يعتصرون الحياة من أتفه الأشياء، بينما الكتاب الضعفاء يجعلون الجيد رديئًا. يقول المخرج والكاتب الإسباني بيدرو ألمو دوبار: «صغيرًا عندما كنت أشاهد فيلمًا أو أستمع إلى قصة، أعيد روايتها بطريقة مختلفة، المدهش أن الناس كانوا يفضلون طريقتي في رواية القصة، ربما هذا ما جعلني مخرجًا».

نستنتج من ذلك أن الموهبة الأولى التي يجب أن يتمتع بها كاتب السيناريو هي القص، من خلال التحويل الخلاق للحياة إلى تجربة أكثر وضوحًا وأكثر معنى، يستطيع متقن هذه الموهبة أن يكشف الكامن فينا ويعيد تشكيله على شكل قصة.

ومن أهم أدوات هذه الموهبة التي تصنع كاتب السيناريو الجيد هو الخيال، فعند إحدى نهايتي الواقع حقيقة مجردة، وفي الطرف الآخر خيال مجرد، وعلى امتداد هذين الطرفين طيف متنوع من القصص، ولكن يجب الحذر من الجنوح إلى أحد تلك الأطراف، والموازنة والمزج بين الحقيقة والخيال لكي يؤثر الكاتب في المشاهد ويعبر عن رؤيته للحياة.

أما الموهبة المهمة الثانية فهي الموهبة الأدبية، وهي التحويل الإبداعي للغة عادية إلى لغة أعلى، يستطيع متقن هذه الموهبة استخدام مفردات اللغة العادية للوصول إلى جمل إبداعية تصف الحياة وصفًا جميلًا.

قد يعتقد البعض أن الموهبتين «الأدبية والقصصية» متشابهتان، ولكن هذا غير صحيح؛ لأن مادة الموهبة الادبية هي الكلمات، أما مادة موهبة القصة فهي الحياة نفسها. القصة ليست بحاجة إلى الكتابة لكي تحكى؛ فوسائل إيصال القصة كثيرة، فالمسرح، والأفلام، والتمثيل الصامت كلها أشكال للقص، إن اللحظات الأكثر قوة وبلاغة لا تحتاج إلى وصف لفظي إبداعي، ولا حوار لتمثيلها، إنها صورة صافية صامتة، وهنا يشير المخرج ستانلي كوبريك إلى لوحة الموناليزا بالقول: «هل كنا نقدر ونحترم لوحة الموناليزا في حال ما كتب ليوناردو دافنشي أسفلها «سيدة تبتسم لأنها تخفي سرًّا عن حبيبها»، بالطبع لا، الفن لا يحتاج لشرح»، وقد يعتقد بعضهم أن الحوار هو الأساس في الأفلام؛ لذلك نجد الحوارات الطويلة والجمل الزائدة تملأ الكثير من الأفلام، والتي لو رفعت لكان الفيلم أكثر رشاقة وجمالًا، وهذا ما رد عليه المخرج والكاتب والمنتج الفريد هتشكوك بالقول: «الفيلم الجيد هو الذي إن حذف منه شريط الصوت بالكامل يظل المشاهد مستمتعًا به».

بناء السيناريو من حيث الشخصيات والأحداث، أيهما يبدأ أولًا، وكيف يتداخلان لتكوين القصة، هذا ما سنناقشه بإذن الله في المقال القادم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد