لا تستأثر الرواية بالإبداع وإنما هي فرع مُهمّ من شجرة الأدب المُتجذّرة من الفنّ فكانت إحدى روافده المُهمّة والمُعتمدة على الحبر، لينصاع للسرد والوصف وذلك الصراع القائم بين الشخصيات، وهي تعتمد على قواعد فنية تجعلها مُنفردة في صيغة الإبداع ومختلفة عن سائر الفنون الأخرى.

 

بينما تُعدّ السينما نوعًا من الفنون القائمة على الصورة والصوت، ويتميّز بتقنيات وسمات عديدة جعلته يستحوذ على الإبداع المرئي، بشكل ماتع في طرحه لمواضيع معرفية ووثائقية لا تخلو من التأثير، وربما هو محاولة ناجحة أيضا للموازنة بين القضايا الإنسانية ومهمّته الفنية والمبهرة بشكل بصري، ولكن من خلال تلك الجدليّة القائمة بينه وبين الرواية، التي طالما تناولت الواقع الإنساني بكل أبعاده وتجلياته لكن بنتف من الخيال وهو أمر مثير وجذاب لرصد هذا الاقتباس الذي ظلّ مُفتعلًا لاقتحام عوالم الرواية والبحث في عمق شخصياتها وهواجسهم التي تختال بين الوهم والحقيقة والأمل والألم … فهل يمكننا استنادًا لهاته الجدلية أن نُعزّز قيمة السينما وتقنياته المرئية في الولوج إلى أغوار الرواية بنجاح، واضفاء المزيد من الإبهار للعمل الأدبي بصناعة عملاقة تُوّسع أمداء الرواية دون تشويه أو إسفاف في حق الإبداع ومصادرة لجهود الكاتب؟

 

يُعدّ عصرنا الحالي عصر ثقافة الصورة بامتياز، حيث اجتاحت الوسائل المرئية بؤرة التلقّي، بل وجلبت إليها أنماطًا حديثة لاستقطاب فضاءات الدهشة من خلال فرض سلطتها على عديد المجالات الإبداعية والفنية، لتتنامى صناعة الصورة والصوت بعد الأفلام الصامتة التي رُجمت بالحوار، وخلال مائة سنة قدّمت السينما أهم عمالقة الأدب وخاضت تجربة الاقتباس لروايات عالمية، كما تخلّصت من تقنياتها الكلاسكية من خلال التشاكل الزماني والمكاني مما أكسبها عمقًا ملحوظًا ورونقًا آخر شجع المخرجين السينمائيين على صناعة مُستقلّة، فقدّمت لجمهورها العريض مأدبة مرئية وساهمت بشكل أو بآخر في انتشار هذه الروايات المُلهمة لها.

 

والجليّ أنّ السينما، استطاعت جذب جمهور عريض من قُراء الأدب بعد أن انحازت إلى العمل الروائي وأحدثت ذلك التوافق والانسجام، مع إضافة لمسات تقنية وحبكة درامية، ساهمت في نجاح العديد من الأفلام فتوهّجت النصوص الروائيّة لتُضفي عليها جودة وسحرًا وشاعريّة، ولعلّ رواية «التيتانيك» التي ظلت مغمورة لفترة، لكن النجاح الخُرافي للفيلم أهله لدخول قاموس غينيس للأرقام القياسية بحصوله على 11 أوسكار.

 

ومن الأعمال الروائية التي قدمتها السينما بصيغة مرئية مبهرة وعَرّفت بمؤلفيها، رواية «العطر» لباتريك روسكنيد، إضافة إلى العديد من الروايات التي منحتها شهرة وعمقًا وجدية في المعالجة الدرامية رغم ضعف حبكتها الفنية والشكلية منها رواية «الحب في زمن الكوليرا» لغابريال غارسيا ماركيز و«شفرة دافنشي» لدان براون.

 

وتماشيًا مع ما عرفته السينما العالمية من تنامي ظاهرة اقتباس الأعمال الروائية وتحويلها إلى أفلام، فقد اكتسحت أيضًا العالم العربي وأثرّت بصفة ملحوظة على السينما العربية، ممّا فسح المجال لها أن تُوّطد علاقتها بالجمهور العريض وتعرف نُقلة نوعية مثل فيلم «دعاء الكروان» لطه حسين و«الرباط المقدس» لتوفيق الحكيم و«الأرض» لعبد الرحمن الشرقاوي.

 

ورغم الاختلاف الجوهري بين الأدب والسينما من حيث البنية الفنية وأسلوب التلقي، فقد كانت العلاقة بينهما على غاية من العمق والإثراء، مما جعل السينما خير مجال يُعتمد عليه في سبيل انتشار الكاتب بقطع النظر عن الترجمة إلى عديد اللغات الأجنبية، وأضحى اقتباس العمل الروائي واحدًا من أقصى ما يمكن أن يطمح إليه أي كاتب للحصول على أكبر قاعدة شعبية تضمن لأعماله البقاء والرسوخ.

 

ولعل نجيب محفوظ هو أكثر من حظي بهذا التوهّج الاستثنائي في السينما العربية، من خلال مجموعة من الروايات التي تحولت إلى أفلام واقتحمت وعي الآخر المتلقي البسيط، لترتقي إلى مصاف الآثار الفنية والإنسانية الخالدة إلى يومنا هذا.

 

فهو يُعدّ من عمالقة الروائيين في العالم العربي، وأول كاتب عربي حاز جائزة نوبل للآداب، وأضافت أعماله إلى السينما المصرية الكثير من العمق بمحاكاتها للواقع لتُخلّف بصمة مُؤثرة في القرن الماضي، وساهمت بشكل أو بآخر في انتشار رواياته الملهمة لدى شريحة هامة من القراء.

 

من أهم أعماله الروائية التي تحولت إلى أفلام رواية «اللص والكلاب» و«زقاق المدق» التي ظلت محفوفة بالإبهار وذلك التأثير المتوّج بروعة الاقتباس.

 

أمّا السينما البوليوودية فهي لا تخلو من الاقتباس أيضًا، فقد حوّل المخرج سانجاي رواية «ديفداس» الشهيرة إلى فيلم، وهي للروائي والقاص البنغالي سارات تشاندرا، وقد تباينت طريقة المعالجة والطرح لكنها في النهاية جسّدت روح الرواية وبقيت ناقلًا أمينًا لها، مُضيفًا عظمة بصريّة وحبكة درامية هائلة. ويُعدّ هذا العمل نسخة ثالثة وحديثة بعد ثمانية عقود ليصبح مدخلًا مرئيًا، تطرّق إلى حال الهند في بداية القرن العشرين ، وبمستوى تقني مُتطور واستعمال هائل للمؤثرات الخاصة، والمُلاحظ أن سانجاي برع في الحفاظ على التشويق مع الحرص على أمانة نقل سير الأحداث في الرواية، واستحدث بذلك حركة وطنية حداثية في الأدب الهندي، وكانت مناسبة لاستحضار الشخصية المَنسيّة إلى حيز الوجود مرة أخرى.

 

لكن لنا أن نتساءل عن أشياء كثيرة قد تتعرّض إليها الرواية من خلال اقتباسها وتطويع الحبر إلى مشهد مرئي، وفي هذا الإطار يرى الروائي الإيطالي البرتو موزافيا أن الرواية قد تتعرض فيها أشياء للحذف والإقصاء عندما تتحوّل إلى فيلم، لأن للسينما حدود وهي تستطيع أيضًا أن تنجز أشياء رائعة ومُدهشة لا يستطيعها الأدب من أجل إنشاء واقع جديد تمامًا.

 

أما الفيلسوف والروائي الإيطالي أمبرتو إيكو فهو يقول «ليس سهلًا دائمًا التعبير في الفيلم عن أشياء موصوفة على الورق، أشياء سوف يفهمها القارئ آليا».

 

لذلك لا تخلو بعض الأعمال السينمائية من تشويه للرواية فنيًا وأدبيا ولعل «ذاكرة الجسد» لكاتبتها أحلام مستغانمي خير مثال على ذلك إضافة إلى رواية «العجوز والبحر» لأرنست همنغواي والحاصلة على جائزة نوبل للأدب حتى أنه حين شاهد الفيلم خرج قبل نهايته صارخًا في الظلام «ليست هذه قصتي».

 

ومن جانب آخر تُعبر صناعة الأفلام الروائية تجارة مُربحة واستثمارًا جيدًا للأرباح وجني اهتمام النقاد مع حصد الجوائز العالمية، إذ تجاوزت مَبيعات أفلام الروائي ستيفن كينغ وهو أشهر كاتب رعب 350 مليون نسخة وبلغت أعماله المُستوحاة من عوالمه الروائية والمُقتبسة ما يقارب 214 عملًا متنوعًا بين أفلام قصيرة وطويلة، ويكفي القول إن هناك ما يقارب 25 عملًا سينمائيًّا وتلفزيونيًّا مُقتبسًا من رواياته جار إعدادهم للعامين القادمين.

أما أجاثا كريستي فهي تُعدّ أعظم كاتبة للروايات البولسية حتى الآن، وقُدرت مبيعاتها أكثر من مليار نسخة من رواياتها، لتتصدّر الأفلام المُقتبسة من رواياتها شبابيك التذاكر في قاعات عالمية.

 

إن الكُلّ يَجزم أن المستقبل للصورة المرئية وأن العمل السينمائي أصبح مُنفتحًا أكثر، ومُكتسحًا بقوّة لوجدان المُتلّقي المثقف والعادي على حدّ السواء، وهذا في حدّ ذاته رهان للرواية وربما مخاطرة، لكن يظلّ الحسم للكاتب فيما يراه جديرًا بإبداعه دون الوقوع تحت طائل قانون العرض والطلب.

 

وبدون الحكم على تجارب العديد فإننا نعيش اليوم على وقع السينما باعتبارها مساحة جذب لنصوص وشخصيات أدبية في كامل أصقاع العالم، وحسب كلود موريال وهو الذي يُعتبر من أهم كُتاب السينما ومُنظّريها «إن السينما تتمتع بأكثر الوسائل إقناعًا في اقتناص الشاعري أولًا لأنها لا تُجمّده».

 

وفي خضم الائتلاف والاختلاف، أيّ مستقبل للرواية بعد أن تنامت صناعة الصورة بشكل مُتطور وذي نسق سريع، في ظلّ نزعة استهلاكيّة نحو اقتحام كل ما هو مرئي ومُريح مقابل عالم الكتب الشّاق الذي يُكابد في عصر هذا الانفتاح البصري الشاسع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد