إن العلاقة بين المكتوب والصورة الصحفية تجعلنا نتساءل عن فحوى ما تتضمنه ضمن طياتها من أسرار وخبايا، لا يمكن استبيانها بسهولة ويسر؛ لذلك يحتم علينا هذان العنصران ضرورة معرفة الدور الذي يضطلع به كلٌ منهما على حدة، واستجلائه لمعرفة العلاقة التي تربط بينهما.

ولقد عمدت في هذا المقال إلى الحديث عن الصورة الصحفية وعلاقتها بالمكتوب وعن الدور الفعال الذي أصبحت تلعبه الصورة الصحفية في كافة ميادين الحياة الاقتصادية، والسياسية، والثقافية وغيرها؛ خاصةً وأن وسائل الإعلام نجحت في إغواء الصورة، بعدما أدركت أهمية الأدوار الجديدة؛ التي يمكن أن تقوم بها؛ خاصةً وأن الصورة قد اكتست أهمية قصوى، نتيجة الأدوار التي صارت تناط بها عن وعي، أو عن غير وعي؛ فالصورة اليوم صارت أداةً سياسيةً وأيديولوجية.

فدلالاتها تعددت وتغيرت بحسب القائمين عليها، وبحسب انتماءاتهم وتشكلاتهم؛ فمنهم المصور والجهة القائمة عليها والمتلقي؛ فهؤلاء بمثابة عناصرها الثلاث؛ الذين يشكلونها ويؤسسون لفكرها ولحضورها سواءً شاشات الإعلانات أو في صفحات الجرائد، أو في صندوق العجائب، أو حتى في أروقة المعارض.

فالصورة أوجدت مكانةً لنفسها، وهي المكانة التي كانت في بداية الأمر خجولةً نوعًا ما، ثم بدأت تتحول إلى نوعٍ من الهجوم على الكلمة، حتى إنها اليوم بعدما توطنت جيدًا وضمنت مكانتها، فقد صارت أداةً للحقيقة تدل على صدق وجود هذا أو كذب وجود ذلك؛ بل حتى إنها صارت تحاول الانقلاب على النص محاولةً بجهد أخد مكانة، وأن تصير بديلًا له، أو بالأحرى بديلًا عنه، وصارت الثقافة العربية تعتمد إلى جانب التوثيق بالكلمة، إلى التوثيق البصري بالاعتماد على الصور.

ومع تطور حضور الصورة في الثقافة العربية، انتقل هذا الحضور ليشمل وسائل الإعلام؛ وخصوصًا تلك التي كانت أول وسيلة إعلامية عرفها العرب، والتي كانت تعتمد على الكلمة المكتوبة، التي صارت فيما بعد مقترنة ومقرونة بالصورة؛ فالعلاقة الجدلية التي تجمع المكتوب بصورته جدلية منذ بدايتهما معا.

إشكالية الفوتوغرافي واللغوي في الصحافة:

امتدت جذور إشكالية العلاقة بين الفوتوغرافي، والمكتوب لتشمل العديد من الأطروحات، التي إما تبنت جانب النص على حساب الصورة الفوتوغرافية، وإما لتدعم جانب الصورة، وحتى إن هناك من تبنى جانب الاعتدال في إشكالية هذه العلاقة التي اعتبرها أنها لا تقوم إلا بهما معا.

ولكل أطروحة أسبابها ودواعي قيامها؛ فالدارسون الذين أخذوا صف الصورة معتبرين إياها في مركز الصدارة، يمكنها أن تستمر بدون المكتوب؛ بل إنها صارت في غنى عنه، وبأن العصر الحالي هو عصرها بدون منازع أو منافس، ذاهبين في ذلك إلى أنها صارت هي رسالة التواصل ووسيلته؛ أكثر إقناعًًا وتأثيرًا، وأوضح فهمًا، وأيسر استيعابًا وقدرةً على التغلغل في وجدان الجمهور المتلقي.

ومنهم كذلك من اعتبر أن المكتوب هو الأصل، كان وسيبقى المسيطر المتحكم في إيصال المعلومات، ونقلها إلى شريحة عريضة من الجمهور المتلقي عبر الرموز اللغوية؛ التي تعرف عليها هذا الأخير، وتعود على لغتها، لغة المكتوب.

والبعض الآخر من الدارسين المتبقيين، اعتبر أن الصورة والمكتوب ثنائي لا يمكنه الانفصال؛ لأنه قد قدر لهما ألا يعيشا إلا جنبًا إلى جنب، وبالتالي لا يمكن لأي منهما أن يحقق ذاته بعيدًا عن الآخر؛ إذ لا يمكن للجمهور المتلقي فهم النص دون صورة، ولا يمكن أيضًا أن يقف عند الدلالات المتعددة للصورة، ولا يفهم ما تقوله بدون نص.

أطروحة من تبنوا جانب الصورة قبل النص:

للصورة الكلمة الأولى والأخيرة، هي من تصدر الأوامر وهي من تلخص الأحداث، ومن تقول وقائع الواقع للجمهور المتلقي، هي صورة حقيقية، وما النص إلا مجرد تابع لها.

هذا الطرح تضمن مجموعةً من الآراء والأفكار؛ التي تعبر أن الصورة، لم تعد مجرد تابع أو مكمل للنص، أو مادة ثانوية يمكن للصحيفة الاستغناء عنها، متى شاءت ذلك؛ بل إنها صارت هي النص بحد ذاته، تحمل رسالةً وخطابًا، تستطيع كل فئات المجتمع (الجمهور-المتلقي) تحليله وقراءة ما يتضمنه من معلومات وأفكار، انطلاقًا مما اكتسبه الفرد المتلقي من ثقافةٍ ومعرفةٍ؛ تتمثل في تلك الوسائل والأدوات المعرفية والمنهجية لمعرفة كلام الصورة، ولغتها التي تتحدث بها من أجل فك شفرتها ومعرفة خطابها؛ الذي تعبر عنه، وبالتالي تحقيق التواصل معها باعتباره نقلًا للمعلومات والأفكار، يتم بين طرفين (مرسل ومستقبل).

ويرى سعيد الغريب النجار في كتابه «التصور الصحفي الفيلمي والرقمي»، أن الصورة الصحفية تلعب وظيفةً إخباريةً مستقلةً عن النص المرافق لها؛ إذ إنه من خلال هذه الأخيرة، نافست الصورة الكلمات في الصحافة الحديثة، ويذهب في ذلك إلى أنه «مهما تكن الكلمات في حد ذاتها نافذةً ومؤثرةً؛ فالصورة أقدر على ربط مضمونها بالحياة، كما أن الصورة تشترك مع الكلمات، فضلًا عن أنها تستخدم لإشباع فضول القراء».

فأهمية الصورة الصحفية؛ تتجلى في كونها تقول ما يعجز اللسان أو اللغة عن قوله؛ لأنها لا تعتمد فقط على نقل الحدث أو وصفه، (كما اللغة)؛ بل تنقل لنا الواقع وتجعله بين أيدينا وفي متناولنا؛ فهي بمثابة ذلك الشاهد الذي يبعثه المتلقي ليقطف له واقعًا، في منطقة بعيدة عنه جغرافيًّا؛ وبهذا يصير المصور بمثابة «خادمًا» يكلفه المتلقي بمهمة تجميد الواقع، وتثبيت الزمن؛ كي يطلع عيه ما أتاحت له الفرصة والوقت ذلك، وهو بذلك ينقل المتلقي إلى مكان وقوع الحدث عن طريق الصورة أكثر مما تفعل الكلمات واللغة.

وذلك راجع إلى أن القارئ الحديث، لا يستطيع أن يقتنع بمجرد وصف لفظي لحادث، وإنما لابد أن يرى هذه الأشياء بأم عينه؛ فعيون القراء في هذا العصر هي تلك العدسات المركبة في آلات التصوير؛ التي يوجهها المصورون الصحفيون كل يوم لالتقاط الأخبار.

فالصورة تنقله إلى قلب الحدث، وتجعله شاهد عيان على تفاصيله وحيثياته، أما النص فما يعيد إلا وصف ذلك الحدث من أجل تقريبه للمتلقي؛ فالصورة نقل للحدث والنص نقل لما قيل عن الحدث، وقد يغفل النص بعد الجوانب؛ بعكس الصورة التي تتبث الواقع وتجمده وتجعل المتلقي يعيشه بأدق تفاصيله، وطبعًا عملية النقل يمكن أن تشوبها مجموعة من الشوائب، لعل أهمها تحريف الواقع النصي بآخر يلائم تطلعات المحرر لا تطلعات المتلقي.

كما أن الصورة لا تتطلب أدواتٍ معرفية، وثقافية؛ ليفهمها المتلقي؛ إذ يمكن أن يقوم بتأويلها انطلاقًا مما تحصل لديه من وعي ومعرفة؛ فهي لا تستدعي بذل ذلك الجهد العويص لفهمها؛ ذلك الفهم العميق، كما يفهمها الأمي والمتعلم، وتبهر المثقف والعامي.

فالصورة قادرة على خلق معنى مستقل على النص؛ إذ بإمكانها تشكيل نص مكتوب من خلال لغتها الأيقونية، وما تقوله الصورة عبر دوالها ومدلولاتها؛ لكن هل الصورة وحدها كافية في أغلب الأحيان، أم أن وجود الكلمة ضروري؟

أفكار من يرجحون النص قبل الصورة:

تُضاف الى كل ما سبق ذكره، وجهة نظر أخرى؛ تتمثل في أطروحة النص قبل الصورة، أي أولئك الدارسون الذين أعطوا الأسبقية، والاهتمام الأكبر لجانب النص على حساب الصورة، معتبرين في ذلك أن هذه الأخيرة هي مجرد تابع وخاضع للنص؛ الذي يعد حاملًا الخطاب ومبلغ الرسالة.

ومن بين هؤلاء نجد ميتز؛ إذ-بحسبه- يمثل الفارق الكبير بين اللغة والصورة في «انفراد اللغة الطبيعية بالخاصية الصوتية؛ التي تجبر الرسالة اللغوية على الاشتغال في الزمن، مما يستحيل معه ظهور حدثين صوتيتين في نقطة زمنية واحدة، ضمن السلسلة الكلامية، إنها الخاصية التي يطلق عليها اللسانيون (الخاصية الخطية) هي التي تميز اللغة الطبيعية عن مجموعة من الأنظمة التواصلية وفي مقدمتها الصورة. فوحدات الرسالة في الصورة؛ تبرز كلها ملتحمة في المكان، وفي اللحظة ذاتها؛ أما الخطاب اللغوي كل ملفوظاته تتتابع الواحدة تلو الأخرى في الزمن، وفي كل مرة نحصل على رسالة واحدة، بينما تظهر الصورة كخطاب، كل رسالاته الممكنة متزامنة الحضور على الصفحة، ومن هنا تتنوع المقاربات والقراءات والتأويلات الممكنة».

وإن كان ثمة قاسمة مشتركة بين اللغة والصورة؛ فإنه لا يتعدى بعض المفاهيم مثل الدليل والمدلول والرسالة، وهنا يتوقف النسيج المشترك بين الخطابين، أضف إلى ذلك أن هذه المفاهيم تشكل عناصر مشتركة بين جميع أنظمة التواصل.

والصحافة المكتوبة التي تعتمد على الكلمة أو اللغة كمصدرٍ رئيس لتواجدها، لا يمكن لها، من خلال ما سبق، أن تعتمد على الصورة فقط؛ بل إن الأسبقية، والأولوية؛ يحتلها المكتوب، ويحتل الصدارة بها على حساب الصورة، ذلك أن «الصحافة التي لا تعتمد على الصورة كعامل إعلامي أول لعملياتها التواصلية؛ بل تكون الصورة مجرد شاهد على ما يتضمنه التحقيق المكتوب، تزيد من عمقه، ومن قوته التواصلية من دون أن تؤثر مباشرة عليه؛ حتى إنه يمكن التخلي عن الصورة من دون أن تتناقض قوة الموضوعية الإعلامية».

الصورة والنص معًا:

بالرغم من اختلاف باحثين كثر حول العلاقة؛ التي تربط بين النص والصورة، إلا أنه لا يمكن أن يختلف اثنان حول مدى أهمية الدور الذي يضطلعان به في نقل الأخبار، وتوصيل المعارف إلى العالم، وخصوصًا إن جُمعا معًا في مادة واحدة.

فلقراءة المادة التي تحتوي على كل من النص والصورة، سيعتمد القارئ على القراءة؛ ما تقوله اللغة المكتوبة، وقراءة ما تقوله اللغة البصرية؛ فالمزج والخلط بين الصورة والنص من شأنه أن يوصلنا إلى الفهم الحقيقي والعميق للمادة؛ التي تحتويهما معًا؛ إذ إن من شأنهما معًا في مادة واحدة أن يحققا الانسجام والتكامل في المادة؛ وذلك شرط ألا يطغى وجود أحد على الآخر؛ قصد تحقيق المراد من جمعهما معًا.

قد نجازف ونقول إن الصورة والنص معًا، يشكلان النموذج المثالي للصحافة الجادة التي تعمد في خدمتها الإخبارية على المزج بين العنصرين؛ اللذين لا ولن تستقيم الصحافة المكتوبة بدون أيٍّ منهما؛ ذلك أنه إن أغفلت الصحافة المكتوبة الصورة، واعتمدت على النص المكتوب؛ فإنها ستفقد مصداقيتها، كما ستفقد القراءة؛ لأن النص وحده لا يعد كافيًا لخلق الجذب الصحفي؛ أما في حالة اعتماد الصورة وحدها في الصحافة المكتوبة بدون نص؛ فإنها رغم نقلها للحدث؛ إلا أنها ستظل قاصرةً في قول ما وقع بالضبط؛ إذً يمكن للصورة خصوصًا تلك التي تحمل في طياتها عاطفةً إنسانية أن تفهم في غير السياق الذي أتت فيه؛ لذلك نعود لنشدد على رأي مؤيدي الصورة والنص معًا، لكون هذين الأخيرين هما الوحيدان القادران على ضمان استمرارية الصحيفة، وضمانًا لمصداقيتها، وموضعيتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد