تمتلئ ذاكرة التاريخ – قديمه وحديثه – بمجتمعات تشتعل فيها الحرائق؛ فقيض الله لها رجالًا: عقولهم ناضجة، وفكرهم راجح، يوازنون بين المصالح والمفاسد، يسعون تحقيقًا للصالح العام وإن كان على حساب مصالحهم الشخصية، أو مصلحة فئة ينتمون لها، أو مؤسسة يعملون لحسابها.

فهم يدركون أن تقديم الخاص على العام، وتغليب مصلحة شخص حقيقي أو اعتباري يهدد المجتمع في أصل وجوده واستمراره، فتواصل المجتمعات واستمرارالشعوب يرتبط بحرصها على تغليب المصلحة العامة، والتوافق على كليات جامعة، وأن الإصرار على احتكار السلطة، والاستئثار بالثروة، دونما استقرار سياسي، وعدل اجتماعي، هو حريق يهدد المجتمع بالفناء، مثلما حدث مع قوم صالح – عليه السلام – حيث أصر الملأ على ذلك مقدمين مصلحة موهومة على مصلحة محققة كفلها لهم الله – عز وجل  – يا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب. 64 سورة هود.

وقد ضمن لهم العدالة، والكفاية في تقسيم الموارد، وتوزيع الثروة، مؤكدًا عليهم ذلك؛ فيشربون يومًا من الآبار، ويخلون لها الآبار يومًا، يشربون فيه من ألبانها.

لها شرب يوم ولكم شرب يوم معلوم. 155 الشعراء.

فلم يقنعوا بما قسم الله لهم من ورود الماء يومًا، وكفايتهم من لبن الناقة يومًا، باخلين عليها بنصيبها المقدر شرعًا ودينًا. فاتخذوا قرارًا بالتخلص منها غير عابئين بتحذير العقلاء والراشدين، وعلى رأسهم نبي الله صالح – عليه السلام – فحقت فيهم نهاية مأساوية، وعاقبة ربانية.

ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر. فنادوا صاحبهم فتعاطي فعقر. فكيف كان عذابي وعذر. إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر. 31:28 سورة النجم.

وربما ابتلي مجتمع بأحمق، أو مجموعة من الحمقى، يصر كبيرهم على احتكار كل شيء، والاستبداد بكل جوانب الحياة، فهو كما قال صاحب الظلال: هو عالم، ومعلم، هو عبقري، ملهم.

يعرف كل شيء، وخبير بكل جوانب الحياة؛ فيفسر الدين، ويضع للعقيدة أحكامًا، وشروطًا، يراها ضرورة، وإلا فسد المجتمع، وضاع الدين … إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد. 62 سورة غافر.

يعلو كلامه على كلام الصالح من رجاله ومؤسساته … ما أريكم إلا ما أري وما أهديكم إلا سبيل الرشاد. 29 سورة غافر. معلنًا امتلاك زمام البلاد، ورقاب العباد … أليس لي ملك مصر، وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون. 15 سورة الزخرف.

يحكم ويدير وفق منهاج، قوامه الاستكبار، وإقصاء المخالفين، واجتثاث المعارضين، يستبيح دماءهم المعصومة، وينتهك أعراضًا مصونة، تعاونه طائفة من ذوي المصالح الرخيصة، ويتواطأ معه أصحاب عقائد فاسدة.

إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين. 4 سورة القصص.

فيسعون في هواه أكثر مما يطلب هو … يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم. 49 سورة البقرة.

فإن يستيقظ في الأمة عاقلون، وتنبه راشدون – وإن تورطوا في المواجهة نوعًا ما – فجزاؤهم جزاء سمنار، بل جزاء السحرة، فلن يتورع ولن يتأخر عن إذاقتهم من كأس طالما أذيق منه الدعاة، والمصلحون من قبل.

قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين. 64 سورة الشعراء.

فيضع هؤلاء مؤسسات الدولة، ورجالاتها رهنًا بمصالح ضيقة، فيواجه الأخ أخاه تحت عناوين براقة، ومصطلحات خادعة، ويعتدي على الأرواح والممتلكات؛ مما يضع المجتمع كله في دائرة الانتقام والثأر،والعنف المتبادل خارج إطار قانون تحكمه إرادة حقيقية في تطبيق العدل على الجميع، ويكون الجميع أمامه سواء بسواء.

فلا استهداف الجنود والضباط سيقيم عدلًا، ولا تصفية الشباب وإحراق المنازل سيقضي على الإرهاب ويعيق انتشار الأفكار المتطرفة إن هو إلا عود ثقاب في كومة من القش، وإن هو إلا حريق يوشك أن ينتشر في أرجاء الوطن، فهل من يطفئ الحريق؟!

فالميزان المختل لا يقيم عدلًا، والاستبداد لا ينشئ أمنًا،أو استقرار بل حرائق ودمارًا، فماذا جنى فرعون چراء طموحه وأوهامه؟!

الثابت عقيدة وتاريخًا أن الرجل لم يبن مجدًا لشخصه، ولا مصلحة حققها لجنده، إنما صار أمثولة هو ومن تواطأوا معه عبر العصور لمن يعتبر، ويأخذ الدرس من قصص السابقين، وصفحات التاريخ.

فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم. 40 سورة الذاريات

إن الدول تبني مؤسساتها، وتمدها بالمال والرجال والعتاد؛ حراسة لحدودها وأمنها، ومطاردة للصوص والمجرمين، وكي تقضي بالعدل بين الناس، فإن وضعت في مواجهة الشعب وهو ظهيرها فقد ألقت درعها وحكمت على نفسها بالفناء وحق فيها ما سبق من آيات.

ومن لم يتعظ بفرعون اتعظ بصدام حسين وجيشه، فقد كان له ترتيب بين جيوش العالم، وتصنيف عالمي من حيث العدد والعتاد العسكري، وقدرته على تصنيع السلاح – التقليدي وغير التقليدي – عدوه سنة 1990 رابع جيش في العالم، له تاريخ عسكري وأمجاد حربية، يزهو بها قادته وجنوده، فيمدون نسبهم إلى المهلب بن أبي صفرة، والمثني بن حارثة الشيباني.

خاض حروبًا عدة، أشهرها: الحرب العراقية الإيرانية، والتي استمرت عشر سنوات، وشارك في حرب أكتوبر سنة 1973 مشاركة فعالة، وكان محل حب وتقدير العرب جميعهم، لا العراقيين فحسب، حتى تورط في التنكيل بشعبه السنة والشيعة معًا، حارب شعبه شمالًا وجنوبًا، فلم يترك ناحية في العراق إلا طولب فيها بثأر، ويتحين الناس فيها فرصة الانتقام، إذ ارتكب قادته وجنوده جرائم – في حق العراقيين – يشيب لها الولدان، فعلى أثر محاولة اغتيال لصدام حسين بإحدي القري الشيعية أعدم العشرات بلا محاكمات عادلة، واعتقل ما يقرب من 1000 عراقي من الرجال والنساء والأطفال القصر، وتم نفي 400 عراقي لا ذنب لهم سوى أنهم أقارب المتهمين المحكومين بغير قضاة ولا محاكم ولا قانون!

وعملية الأنفال التي دمر فيها زبانية صدام حسين 4000 قرية عراقية بمن فيها من الرجال والنساء، كما دمر 1757 مدرسة، و270 مستشفى، بالإضافة إلى 450 مسجد، 27 كنيسة، فهل يمتد نسب هؤلاء للمثنى بن حارثة الشيباني؟! هؤلاء قطعًا تجري فيهم دماء هولاكو وكتبغا من قادة المغول، أما كان هناك رجل رشيد يقول لهم: أطفئوا هذا الحريق لئلا نحترق جميعًا!

وملحمة حلبجة التي قتل فيها 3200 عراقي بالغاز الكيماوي، وإصابة 7000 : 10000 ؛ مما تسبب في إحداث فجوة بين النظام والشعب. فلم يعد الجيش حاميه، ولا القضاء حارس مصالحه ومقدراته؛ بما أفقد الجيش قاعدته ودرعه؛ فسقطت بغداد في ليلة، وطالب صدام حسين الشعب بالمقاومة؛ فلم يأبه له أحد، ومن قاوموا قاوموا دفاعًا عن حرماتهم ووطنهم، لا تعاونًا مع صدام وجنده، وجهدهم معروف للكافة، وما اشتعلت نيران الطائفية والإرهاب إلا بهذه الحرائق والجرائم.

ولو وجد العراق عقلاء يسعون تغليبًا للمصلحة العليا والعامة، ويكفون أيدي الزبانية والجلادين عن مواطنيهم، ويوجهون نيران الأسلحة إلى عدوهم الحقيقي؛ ما اشتعلت الحرائق، وتطاولت ألسنة لهيبها من طائفية بغيضة، وتطرف مقيت، فيا ليت قومي يعلمون!

يحكي الناس تندرًا بعرب الجاهلية، واستخفافًا بهم: أن حربا بين القبائل العربية الكبري في الجاهلية نشبت، واستمرت 40 سنة؛ لأن فرسًا سبقت فرسًا بحيلة وخداع من أحدهما. حرب داحس والغبراء،ضرب المؤرخون بهذه الحرب المثل في طول الأمد؟ وكثرة الضحايا، ومصرع الأشراف والفرسان الشجعان، قتل فيها من أشراف وسادة عبس وذبيان مالك بن زهير، وعنترة بن شداد، وعروة بن الورد.

ولا ينسى المحققون والمتعمقون في البحث عن الموعظة والدرس في تجارب الأمم وخبرات الشعوب أن هاتيك الحرب والمتورطين فيها توفر لهم رجال قريحتهم وقادة ونفوسهم سوية وفطرهم سليمة يحسبون للأمور عواقبها، يقدرون على الموازنة بين المصالح والمفاسد، يدرؤون المفسدة بالمصلحة، ويدفعون المفسدة الكبرى بالصغرى وبخاصة إذا كانت هذه المواجهة تهدد مجتمعهم بالفشل، والفناء.

فإذا بمالك بن عوف، وهرم بن سنان يأخذون بزمام مبادرة، يبينون ويشرحون للقوم خطر هذه المواجهة، وعدم جدواها، وكثرة مفاسدها للفريقين المتحاربين، وأنه لا غالب ولا مغلوب فيها؛ متداركين أمر القتلى؛ فدفعا دية القتلي من مالهما الخاص مطفئين نار الحرب تغليبًا للصالح العام على الخاص، وإعلاء لمصلحة المجموع لا فرد أو مؤسسة؛ فتخلد ذكرهم شعرا في معلقة زهير بن أبي سلمي، والتي يقال إنهم كانوا يعلقونها في الكعبة جوفها وستائرها، وأعناق نسائهم فخرًا بها، واعتزازًا بما حوته من معان، فقال فيها زهير:

يمينًا لنعم السيدان وجدتما … على كل حال من سحيل، ومبرم

تداركتما عبسًا وذبيان بعدما … تفانوا ودقوا بينهما عطر منشم

وقد قلتما إن ندرك السلم واسعًا … بمال ومعروف من الأمر نسلم

فتلكم المجتمعات – وإن كانت جاهلية – فقد كان لها قيم تضبط حركتها، ويلتزم بها شرفاؤهم وعقلاؤهم، فلم يكونوا ليستبيحوا أعرافًا وقيمًا استقرت عليها البادية التي تربوا فيها على أخلاق من النجدة والشهامة والشرف إدراكًا منهم أن ذلك يفتح الأبواب نحو مواجهة مفتوحة يخسر فيها الجميع، ولا فوز ولا نصر فيها إلا لشياطين الإنس والجن حتى أنهم لما سألوا أبا جهل عقب نجاة النبي الأعظم من مؤامرة اغتياله – صلى الله عليه وسلم – هو وصاحبه يوم الهجرة:

لماذا لم تتسوروا عليه الدار؟!

فأجاب أبوجهل – وهو الجهول – قائلًا: أو تحدث العرب أنا تسورنا على حريم محمد!

نعم. إنها لسبة الدهر، وهم ليسوا حريم محمد وحده – صلى الله عليه وسلم – بل حريم بني هاڜم بن عبد مناف أصحاب الرفادة والسقاية، تحمر لهم أنوف، وتخرج السيوف لأجلهم من أغمادها، وسيوفهم ليست كأي سيوف، ولا ينبئك بسيف حمزة الخبير، عندئذ تشتعل قريش بنار حرب أهلية تودي بمكانتها وتذهب بشرفها بين القبائل، فمن يطفئ حرائقنا؟

عندما بادر الملأ من قريش بانتهاك قيمة الرحم، وخلق الجوار انتصارًا لعقيدة فاسدة، وملة تنحرف عن سواء السبيل، وحرابًا للنبي – صلى الله عليه وسلم – فقرروا عقاب بني هاشم جميعًا بمرسوم صدر عن دار الندوة، وكعادة الطغاة والمجرمين في التمسح بالدين، والتعلق بأهدابه زورًا وبهتانا، فكان أن كتبوا صحيفة سموها: صحيفة المقاطعة، وعلقوها في جوف الكعبة، فرضوا بموجبها حصارًا مجتمعيًا واقتصاديًا على بني هاشم – من آمن منهم  ومن ظل على دينه – فكانت المقاطعة الاقتصادية والتجويع والإقصاء السياسي والاجتماعي، فيا لها من محنة عاناها وعالجها بنو هاشم؛ حتى أكلوا ورق الشجر والأحجار الطرية، وشربوا فيها أبوالهم لمدة ثلاث سنوات، فقد جاء في هذه الصحيفة:

ألا يزوجوهم، ولا يتزوجون منهم، وألا يبايعوهم، ولا يبيعون لهم، ولا يشترون منهم، وألا يجالسوهم، ولا يخالطوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، ولا يكلموهم، وأن لا يقبلوا من بني هاشم صلحًا أبدًا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل.

فهل جف معين النخوة والشهامة فيهم، فتصبح الأرحام والجوار والرفقة والصداقة مرهونة بأطماع مجموعة من الحمقى والموتورين؟ أم نضبت عين العقل والحكمة؛ فعميت عن رؤية حقيقة الصادق الأمين، وهو من عرف فيهم بشرف النسب، وطهر الأصل، وكرم الخلق؟

أيجلس عاقلون راشدون من ذوي المهابة وشرف الرياسة وعماتهم وخالاتهم وأخوالهم ورفاق صباهم يتضورون جوعًا وينهكهم العطش؟

لم يحدث ذلك؛ إذ كان في عرب الجاهلية من هم أكثر رشدًا وعقلًا من سادة اليوم ورؤسائه؛ فتجمع خمسة من ذوي الرشاد والمنزلة العليا في القوم قائلين لأبي جهل وملئه: أن كفوا، وأوقفوا هذا الجرم، أطفئوا هذا الحريق.

وقام زهير بن أبي أمية المخزومي، والمطعم بن عدي، وهشام بن عمرو، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود مطالبين بنقض هذه الصحيفة. فقال زهير بن أبي أمية: أنأكل الطعام، ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة الظالمة.

اشتد الهرج بين أنحاء دولة الراشدين، فاستشهد ذو النورين عثمان بن عفان، ثم رابع الخلفاء الراشدين على بن أبي طالب، فبايع الناس الحسن بن علي بالخلافة، ونازعه معاوية بن أبي سفيان، واصطف جيشان للمواجهة: جند الخليفة الحسن بن علي، وجند الشام، وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان.

روى البخاري عن أبي موسي قال: سمعت الحسن – يعني البصري – يقول: استقبل الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها. فقال له معاوية – وكان والله خير الرجلين – أي عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، من لي بأمور الناس من نسائهم؟

من لي بضيعتهم؟

فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس: عبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عامر بن كريز، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل، فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه.

فكان معاوية هو من بدأ الصلح، وطلبه، وكفل ووضع الضمانات تحقيقًا له إطفاء لحريق حرب نشبت بين جيل فيه حكماء وأتقياء.

فمن يطفئ حرائق أوطاننا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد