لم أكن تَوّاقًا إلى كنز القراءة، ولا المولَع الذي يَرتمي إلى الكتابِ يُفنيه حتى يَحيا فيه. لم تُغرني مفاتنُها، ولم تستحوذ عليّ عناوينها تُغازلني بمكتبة الدار. في صباح يوم بإجازة نصف العام في العام الأول للدراسة بالجامعة بعد أنْ مَنَّ الله عليّ بجنةٍ من جِنانه في الأرض: كلية دار العلوم ؛ لأكونَ طالبًا بها ـ بفضله وكرمه ـ  إذْ بي همَمتُ بالاتصال بمعلمي إبراهيم مشكاة دربي لتلك الجنة أشوره أمري. عقدتُ العزمَ على الذهاب لمعرض الكتاب وحيدًا للمرة الأولى. أذكر ذهابي له مرةً في طفولتي لفضول طِفل لا غير، وأذكر أيضًا أني لم أخطُ أعتابَه إلى حين هذا العزم. بالطبع ندم هذا الطفل على تورم قدميه ليرجع خائب اليدين، لا يَعلم عن المعرض إلا أنه الجوعُ والملل .. وافتقاد الحلوى.

 بادلتُ معلمي التحيات وكلمات الاطمئان مُطنِبًا حتى لأعلمَ أنْ لم يُصِبه داء؛ إذْ هو بدأب المرض مُمتحَن، ثُم أخبرته أني بالمعرض وأودّ أن يوصيني ببعضِ الكتب كي أنتفعَ وأفيدَ منها إن شاء ربي في مجال اللغة بكليّتي؛ فأتبعَ قائلًا: عليكَ بشرح ابن عقيل على الألفية بتحقيق محمد محي الدين عبدالحميد، وقطر الندى وبل الصدى لابن هشام، وشرح المعلقات السبع للزوزني، والمفضليات للمفضل الضبي، ثم أردف بذكر آخرِين كان من بينهم وحي القلم للأديب المعلِّم مصطفى صادق الرافعي. استوقفني الاسمان. العنوان كان أخّاذًا يجذب السامعَ و الرّائي. الكاتب لا يَخفى عليّ؛ فقد أطلتُ النظرَ في نَصه: الصغيران، بالمرحلة الثانوية الذي هو جزء من كتابه: السحاب الأحمر، لكن في تلك المرحلة صراحةً لم أكن أعلم ما اللغة لِأعلمَ مَن هو الرافعيّ. كعادتي جَعلتُ أستقي من معلمي أملًا ألّا تنتهي تلك المحادثة. هرولتُ أستقصي الوصيَّة حتى عثرتُ على الوحيّ في ثلاثة أجزاء.

 ‌ذَر ما بدأتُ به المقالَ جانبًا. فُتِنت . أُسِرت . بِضع أسطرٍ في مقدمة الوحيّ كأنما هي كتابٌ قد اكتمَل . فإذا أنا ذاك الذي لا تفتنه لذّاتُ الدنيا، ولكن يُفتتَن ببعض الصور والبيان، و إذا بذلك العفيفُ بالأمس تُغازله الجملةُ فيُداعب البقيّةَ بقلبِ جريءٍ قد أخذ عهد الطواف، فهو لا يَعرِف من المجموعة منها، إلا أنها امرأةٌ اسمُها الكتاب، ولَكَم تَعهَّدَ بالزواج فما أناب! ويا لجمال الأسر إذْ هو جَنة المسجون!

 إني ما رأيتُ رجلًا يَكتبُ السحرَ أحرفًا كذا الأديب النابغ في عهده إلى الحين، وما وجَدتُ كاتبًا يُورثك الحب دون اللقاء به كمثل ذلك المُحب يُعلِمك أنْ لا حدّ للحب غير أنه الحب، ولا ناعتًا يَصف الجمالَ كمثل ذا الجميل حتى لِتعلمَ أنَّ اللغةَ جنةُ الحياة وإنما القرآن فردوسُها، و لا زاهدًا كهذا الذي يَخطُّ كأنما ملكَ الدنيا! ولا نائيًا يَكتب الدمَ من جحيم بليغ كذا المغتَرِب في رسائل أحزانه، وأيّ الأحزان هي! وأيّ التوجّع تَرى أبلغ من أنين هذا الذي قد ملك مفاتِح الآه!

 ‌
‌لم أقرأ كثيرًا له ـ رحمه الله ـ حتى أوفيه حقه، سواء من القراءة له أو الكَتب عنه هُنا، ولكن يكفيني أني لن أَملَّه يومًا، وأنْ أرتوي برِيّ أدبِه حتى الممات بمشيئة ربي – سبحانه – المَدح كثيرٌ قد ملأ أقلامَ وأفواه الأدباء والشيوخ تكريمًا لهذا الإمام الأديب وثناء عليه، ولا أقول إنه التفضُّل منهم، بل هو الاستحقاق له، فإذا أردتَ التوثيقَ، فارجِع إلى قولِ واحدٍ من أولاء، وحسبك أن يكون الشيخ العلاّمة محمود شاكر  رحمه الله.

في كتابه الرائع – رحمه الله – رسائل الأحزان كتب لنا عن فلسفتي الحب والجمال، فكأنما هما معاني الوجود الإنساني، ولقد يُدهشك حديثُ البغض والحب به، وبراعته في تقديم أنهما وجهان لعملة واحدة، ولئن دققتَ ما تبرح تَختِم الرسالةَ حتى تُعيدَها غير منقوصةٍ؛ لِبَأس البيان والمعنى، هذا فإنه والله لَذو قلمٍ قويّ شديد الجمال، فإذا أحببتَ الصدقَ كان لكَ أن تذوقَ بطشَ حرفِه، وإني موصيكَ أن تستهلّ بوحي قلمِه حتى تَثمل فتعرِف خَمرَ النثر والبيان. لَهو الأجودُ إنْ مررتَ من قبل في سَطر البشر. وأتبِعِ المَسيرَ إلى المساكين؛ فإنكَ الأحوج إليه، ثُم امضِ إلى رحاب الحب في أوراق الورد تُدرِك نقاءَ قلمِه وعِفته وتعلَم الحبَّ صفاءً لا ماءً قد كدرته الشعوب، وأدرِك حديثَ القمر ففيه من الجمال ما فيه، وعليك بأقوال كلمة وكليمة فإنها غَنيّةٌ ماتِعة،  واملأ يدَك من فن النقد وجهاد الأدب بالنظر في  كتابه: تحت راية القرآن، ولا يَفوتَنّ عليكَ الإعجازُ دون الإمعان فيه، وكل ما تَلمِس يدك باسم الرافعي؛ حتى تَعلمَ ما الأدب؟ ومَن هو الأديب؟!

ما قرأتُ لشخصٍ جملةً واحدةً عدةَ مرات في آن واحد، وأنا منها في كل مرةٍ كأنها لي الأولى! وهي في كل واحدةٍ هذا المعنى السامي يَتجدَّد، بل أنتَ منه في عُرفٍ جديد، بل قُل: أيّ معنى قد أُضيفَ إليها في المرة منها!

 لئن قرأتَ للإمام لرأيتَ القرآن يزين قلمه؛ فهو مُستشهِدٌ به مدافِعٌ عنه في كتبه، وهو مَنصورٌ به ناصرٌ له، وهو من جنود اللغة قد سَلّ قلمَه لِيَدفعَ شبهةَ كل مغلولٍ عنِ الإسلام. فلئن سألوكَ هل تركَ الأديبُ الرافعي أثرًا؟! قُل إي وربي، وإنه لَعظيم .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد