عندما تقرأ في التاريخ المصري الحديث عن واحدة من الشخصيات الثورية أو المناضلة قلما تجد حديثًا عن حياته الشخصية و آرائه في المشكلات الاجتماعية المطروحة وقتها بعيدًا عن السياسة.

الكل يعرف على سبيل المثال– الزعيم «مصطفى كامل»؛ مؤسس الحزب الوطني وصاحب جريدة «اللواء» أهم حزب وأهم جريدة في ذلك الزمان، وجميعنا يعرف سعد زغلول، زعيم ثورة 19 ومؤسس حزب الوفد، لكن، بالتأكيد قلة قليلة تعرف عن مواقف وآراء هؤلاء من مثلوا النخبة المصرية وكونوا العقل المصري – في القضايا الاجتماعية في ذلك الوقت المشحون بالثورية والتطرف.

في العام 1925م وبعد عام واحد من إعلان سقوط الخلافة العثمانية وإعلان تركيا علمانية خرج شيخ أزهري من قضاة المحكمة الشرعية بأطروحة عن الحكم والدولة، لم يكن سوى الشيخ علي عبد الرازق وكتابه «الإسلام وأصول الحكم» هذا الكتاب المثير للغط الشديد حتى بعد صدوره بما يقارب من القرن.

صدّر الشيخ علي كتابه «أشهد أن لا إله الا الله، لا أعبد إياه، ولا أخشى أحدًا سواه». بالتأكيد كان يعي أنه سيصطدم بالكثيرين وعلى رأسهم المؤسسة التي ينتمي إليها ويعمل قاضيًا شرعيًا تابعًا لها. انتهى الشيخ علي من كتابه وقد توصل أن «الإسلام رسالة لا حكم، ودين لا دولة »، موقنًا أن الإسلام لم يعرف نظامًا معينًا للحكم وأن الخلافة لم يقرها لا قرآن ولا حديث عن الرسول بل كانت الخلافة وما زالت «نكبة على الإسلام وعلى المسلمين»، على حد تعبيره.

وعدّد أمثلة من الخلافة الإسلامية في أول عهدها أنها لم تقم إلا على السيف «ذلك الذي يسمى عرشًا لا يرتفع إلا على رؤوس البشر، ولا يستقر إلا فوق أعناقهم…»، منتهيًا إلى حقيقة أنه لم تقم قائمة لما يُعرف بالخلافة على أساس الاختيار الحر– في رأيه – إلا مع أبو بكر وعمر وكان السيف هو الحكم فيما بعد من حكومات قامت.

في هذا التوقيت؛ توقيت صدور الكتاب، كانت تعيش مصر في ظل دستور 23 ثمرة المقاومة الشعبية أولًا والمفاوضات ثانيًا التي انتهت بتصريح 28 فبراير الذي نص على استقلال مصر مع تحفظات أربع، وسيظل العمل بهذا الدستور مستمرًا حتى يعطله الملك ووزارته برئاسة صدقي باشا في 1930، ويصدر دستورًا جديدًا يكرس لديكتاتوريته يستمر خمسة أعوام.

عشية صدور أطروحة الرجل، قامت الدنيا ولم تقعد، وكانت نهايته أن فُصل من منصبه قاضيًا شرعيًا وجرد من عالميته وأخرج من زمرة العلماء.

بالأصح طُرد من المؤسسة التي كان يتبعها وظيفةً ودرجةً، وقتها كان يتصدر المشهد السياسي مجموعة من الأحزاب أهمها حزب الوفد بزعامة زغلول، كان يتصدر المشهد السياسي والشعبي وحزب الأحرار الدستوريين الداعي للسياسة المعتدلة تجاه الاحتلال، ومنظّره وفيلسوفه أحمد لطفي السيد، والحزب الوطني المتطرف في سياسته كما كان يوصف من المسئولين الإنجليز – الذي كان قد خبت جذوته – الداعية للاستقلال التام ورفض المفاوضات قبل إتمام هذا المطلب.

إلى جانب الأحزاب كان القصر الذي لم يكن يخفى على أحد وقتها أن الملك فؤاد يسعى لإقامة خلافة جديدة في مصر بدلا من خلافة العثمانيين فكان الكتاب بمثابة ضربة من داخل المؤسسة الدينية نفسها.

الرأي الأغلب الذي سيطر على نفوس النخبة المصرية في ذلك الوقت هو الرفض بل والامتعاض من أطروحة الرجل، اذا قسمنا النخبة المصرية في ذلك التوقيت إلى قسمين أولهم: العلماء الدينيين ممن تلقوا تعليمهم في الأزهر الشريف وواصلوا العمل في داخل نفس المؤسسة الدينية وثانيهم: رجال السياسة من أصل وطني أو تركي، وهم على الأغلب ينتمون إلى طبقة الأعيان ممن تلقوا تعليما مدنيا خارج البلاد وعملوا بالسياسة والفكر، فإنه يتبقى لنا نخبة ثالثة هجينة في تشكيلها ممن تلقت تعليمًا مبدئيًا أزهريًا وأتبعته بتعليم مدني وارتقاء في الطبقة الاجتماعية.

سعد زغلول مثلًا قد تلقى تعليمًا إسلاميًا بدايةً، ثم خلع عباءته وبدأ دراسة القانون ووصل بإيعاز من محمد عبده ليكون ضمن صالون ثقافي فريد من نوعه في وقتها تشكله الأميرة نازلي.

كان بمثابة «مَعمل» للمثقفين المصريين، هذه القفزات الطبقية إلى الأرستقراطية تكلل بزواجه من صفية فهمي، ابنة رئيس الوزراء آنذاك.

كان موقف سعد زغلول من أطروحة الشيخ علي موقفًا غريبًا من رجل ذي أيديولوجية ليبرالية وطنية، رد عليه ردًا عنيفًا: «قرأت كثيرًا للمستشرقين ولسواهم، فما وجدت ممن طعن منهم في الإسلام حدة كهذه الحدة في التعبير، على نحو ما كتب الشيخ على عبد الرازق، فالرجل رفض تمامًا ما يدّعيه الشيخ بل ويؤصل لفكرة الخلافة ودولة الإسلام، أولم يقرأ أن أمما كثيرة حكمت بقواعد الإسلام فقط عهودًا طويلة كانت أنضر العصور؟ وأن أمما لا تزال تحكم بهذه القواعد وهي آمنة مطمئنة».

هناك مادة في دستور 23 تؤكد أن حرية الرأي «مطلقة» ولكن كيف تكون مطلقة مع ادعاء سعد في تصريحه لسكرتيره إبراهيم الجزيري أن ما قرره هيئة كبار العلماء من اخراج الشيخ وتجريده من درجته سوى أنها «إلا قرار صحيح لا عيب فيه، لأن لهم حقًا صريحًا بمقتضى القانون، أو بمقتضى المنطق والعقل، أن يخرجوا من يخرج على أنظمتهم من حظيرتهم»! أما بمقتضى القانون فالدستور قد كفل حرية الرأي، وأما عن المنطق والعقل فالرجل لم يخرج عن دينه ولا أساء لدينه ولم يمس أساسًا من أسس الدين يقتضي تجريده من درجته على الأقل!

نرى أن التكوين الهجيني لسعد زغلول ما بين الدراسة الأزهرية والدراسة المدنية، والنشأة كابن لطبقة الفلاحين والصعود لطبقة الأرستقراطيين؛ جعلته زعيمًا للمصريين وممثلا لليبرالية (وليدة) عمليا – في السياسة المصرية استنادًا لشعبية قوية ولكنها لم تتعدى حدود السياسة لتنطبق على المجتمع بأفراده وطريقة تفكيره.

على الجبهة الأخرى، كان الأحرار الدستوريين ورئيسها عبد العزيز فهمي الذي كان آنذاك وزيرا للعدل كانت تنظر للقضية نظرة مختلفة عن الأزهريين وعن سعد زغلول، المعروف أن الأحرار الدستوريين كان حزبا ليبراليًا تأسس من رحم دستور 23 وضم الكثير من الأعيان الوطنيين وذوي الأصول التركية، مثل عدلي يكن، وحملت شعار الليبرالية وسياسة المعتدلين في القضية السياسية، فعندما رفُعت له مذكرة شيخ الأزهر طالبا التصديق عليها بعزل الشيخ علي رفض ذلك وعلل ذلك «ثُقل على ذمتي أن أنفذ هذا الحكم الذي هو في ذاته باطل لصدوره من هيئة غير مختصة بالقضاء، وفي جريمة الخطأ في الرأي من عالم مسلم يشيد بالإسلام …».

لم يصدق على قرار العزل لأنه لم يجد فيه ما يستوجب العزل لأنها – لو صحت التسمية – جريمة رأي ومن حق أي مواطن كما يكفل الدستور أن يقول رأيه.

على الرغم من سياسة الأحرار الدستوريين المعتدلة في قضية الاستعمار/الاستقلال والتي كانت تقابل من جموع الشعب وتوصف بالسياسة المهادنة للاحتلال وإن صدق وصفهم – على الرغم من ذلك كانت ليبراليتهم تجاه هذه القضية (على الأقل) صادقة وانتهى الأمر بموقفين متضادين؛ موقف الملك فؤاد وسعد في مقابل موقف «الأحرار الدستوريين»، انتهت باستقالة أربعة وزراء من ضمنهم عبدالعزيز فهمي و صدقي. فكأننا حقيقةً بين نضال سياسي حقيقي من أجل حرية الوطن وهدر حرية المواطن وبين من يتمسكون بحرية الفكر والرأي ويهدرون حق الوطن كما يوضح رفعت السعيد.

لم يكن «الأحرار الدستوريون» ليبراليين على طول الخط، فالشاهد الأكثر دلالة محمد محمود وسياسته الشهيرة «اليد الحديدية»، موقفه من قضية الشيخ علي عبدالرازق يؤكد ليبراليته، فعندما عاد إلى مصر من سفره علق على مساندة الأحرار الدستوريين بأنه أقوى موقف وقفه الحزب ووصف من وقفوا ضد أطروحة الرجل وفصلوه ناعتهم بأنهم متاجرين بالدين، «إنما الاتجار بالدين والدس باسمه فمن الدنايا التي نربأ بأنفسنا أن ننزل إلى مناقشة من يقومون عليها».

وعلى الرغم من ذلك نرى مواقفه شديدة الديكتاتورية عندما تولى الوزارة فقام بحل البرلمان بمباركة من الملك والاحتلال وعمل على صدور قرار ملكي بحل المجلسين وتأجيل الحياة النيابية لمدة ثلاث سنوات ووقف العمل بمواد بعينها منها مادة تخص حرية الصحافة.

فتستمر الأحرار الدستوريين في جريدتها «السياسة» تبرر هذه القرارات لتضاد بذلك ليبراليتها المزعومة، «إن هذه الصحف فهمت معنى الحرية بأنه الإباحة، فاستباحت انتهاك كرامات الناس وأعراضهم … إلخ»، فهذه القرارات كان المقصود منها ضرب شعبية الوفد الذي كان يسيطر على أغلبية برلمانية وضرب صحف الوفد.

المريب أن المنظرين لهذا الحزب والداعين الأُول لفلسفته الليبرالية كأحمد لطفي السيد ود. محمد حسين هيكل قدموا تبريرات لديكتاتورية محمد محمود في ذلك الوقت فمحمد حسين هيكل يؤيد استصدار قانون لتأديب الصحفيين، ولطفي السيد وزير المعارف وقتها يصدر تحذير للطلبة بتعرضهم للعقاب اذا اشتركوا في اللجان أو المظاهرات السياسية بل تحول هذا التحذير لتطبيق فعلي بالغرامة والحبس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد