بيكاسو الفنان التكعيبي قال يومًا:

بعض الرسامين يحولون الشمس إلى بقعة صفراء، والبعض الآخر يحولون البقعة الصفراء إلى شمس ويبعثون فيها الحياة؛ حتى لتراها تشرق من فرط الإبداع.

سر الفن يكمن في أن تجد بدلًا من أن تبحث، أن تخاطب وتنمي عقلية كل طفل، وتأسر انتباهه بالألوان والأشكال المختلفة في  الرسوم المتحركة، فيندمج معها كأنها جزء من الحقيقة، فتؤثر في نفسيته وعقله وانطباعه عن واقع الحياة، ثم على سلوكه ونظرته، هكذا وُلدت وبهذا خُلقت الرسوم المتحركة.

ينبهر الصغار بالشخصيات الكرتونية الخيالية، فيما يحنّ الكبار إلى الماضي الجميل، إلى عالم مواز يهربون من خلاله من الواقع القاسي لفترة من الزمن.

لتتبلور الصورة أكثر في معرفة تاريخ أفلام الكرتون وتأثيرها على الناس والمجتمعات، إليكم هذا المقال عن بدايات الرسوم المتحركة.

البداية كانت ألمانية

من المعتقد أن والت ديزني هو أول من بدأ فن صناعة الرسوم المتحركة، لكن الحقيقة أن أول فيلم رسوم متحركة خيالي طويل كان ألمانيًا، أنتجته لوتا راينيغز عام 1926. 

يتميز الفيلم الذي أطلق عليه «مغامرات الأمير أحمد» باستخدام تقنية الصور المتحركة الظلّية التي اخترعتها رينيغير، حيث يتم التلاعب بالقواطع المصنوعة من الورق المقوى، وصفائح رفيعة من الرصاص التي توضع أسفل الكاميرا؛ وهذه التقنية تشبه إلى حد ما دمى الظل.

قصة الفيلم الذي يعتبره النقاد تحفة نادرة في فن الرسوم المتحركة، تستند على عناصر أخذت بإلهام متقّد من كتاب ألف ليلة وليلة، تحديدًا قصة الأمير أحمد، وقصة الجنية التي ظهرت في كتاب «الجنية الزرقاء».

تدور قصة الفيلم في إطار من الخيال، الأمير أحمد الشاب الطائش، امتطى ذات يوم حصانًا ميكانيكيًا صنعه ساحر شرير، فنقل الحصان فارسه إلى البلدان البعيدة ومنها الصين، حيث قاتل الأمير الشياطين والتقى فتاةً أشعلت في قلبه نيران الحب، وعلى الرغم من المغامرات الخطيرة والمصاعب المختلفة التي مر بها أحمد، فإن قصته توّجت بنهاية سعيدة، كما هي الحال في الحكايات والأساطير.

تجسدت ثلاث سنوات من العمل الدؤوب  في 66 دقيقة للفيلم الأسطوري الذي لا يزال يفتن الجمهور حتى الآن، إلّا أن شاشة السينما ربما لا تكشف للمشاهدين مدى الجهد العظيم الذي بذلته «راينيغر» لكي تنتج أعمالها الفريدة؛ حيث تطلب إنتاج فيلم «مغامرات الأمير أحمد» من الفنانة أن تقص 300 ألف صورة، فيما احتاجت كل ثانية من الحركة فيه إلى 24 صورة.

وعلى الرغم من الإقبال الكبير لدى المشاهدين والنقاد السينمائيين، فإن هذا الفيلم لم يُعرض أمام الجمهور إلا مرات قليلة، هذا بالاضافة إلى أن الشريط الأصلي لهذا الفيلم كان قد ضاع إبّان الحرب العالمية الثانية، ولم تتم إعادة إنتاج الفيلم بكامله إلا منذ بضع سنوات فقط.

عالَم والت ديزني

ديزني التي رقص على موسيقاها أكثر من 50 مليون فرد، وقرأ مجلاتها أكثر من 800 مليون، وشاهد أعمالها الجميع بلا استثناء.

ديزني هي أكبر شركات وسائل الإعلام والترفيه في العالم، وواحدة من أكبر أستوديوهات هوليوود، بدأت من  متجر في مرأب عام 1923 بعدما قام فنان الرسوم المتحركة والت ديزني بإنشاء فيلم قصير بعنوان أليس في بلاد العجائب، والذي لقي تفاعلًا مبهرًا من الأطفال، وانتقلت الشركة إلى الجزء الخلفي من أحد المكاتب العقارية، واستمرت تنقلاتها إلى أماكن عدة لسنوات.

بعد أليس صنعت ديزني مسلسلًا كرتونيًا هو سلسلة كاملة من بطولة شخصية الشركة الأولى والأصلية «أوزوالد الأرنب المحظوظ»، والتي تم توزيعها من قبل شركة وينكلر يونيفرسال بيكتشرز. ديزني لم يستكمل سوى 26 حلقة لشخصية أوزوالد قبل أن يخسر العقد في شباط 1928، عندها تولت شركة زوج وينكلر تشارلز مينتز توزيعها.

أخذ مينتز كل رسامي شركة والت ديزني للبدء باستوديوهاته الخاصة لأفلام الكرتون، ولكن بعد فقدانه شخصية أوزوالد الأرنب المحظوظ، بدأ والت ديزني في العام 1928 خلق شخصية ميكي ماوس والذي ظهر  في تشرين الثاني نفس العام في فيلم الرسوم المتحركة «ستيمبوت ويلي» (ويلي السفينة البخارية)، بعد أن ظهر في فيلمان تمهيديان نفس السنة.

من أبرز تأثيرات شخصية والت ديزني في المجتمع الأمريكي والعالم ككل أنه تم إصدار بعض الطوابع تحمل صورته، وتم تصنيع ساعات ومذكرات تحمل شخصية ميكي ماوس ولاقت نجاحًا ساحقًا، بل تم تصنيع بعض المجوهرات على شكل ميكي ماوس، ومن الأشياء الطريفة أثناء العملية نورماندي للحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية كانت كلمة السر لبدء العملية هي «ميكي ماوس».

وعندما سُئل والت ديزني في مقابلة له على قناة تلفزيونية أي الشخصيات أقرب إلى قلبه من شخصيات والت ديزني، فقال دون تفكير «ميكي ماوس»، ورُشح والت ديزني 37 مرة للأوسكار، نال منها 22 لأفلامه الكرتونية.

مصر كانت لتكون رائدة

بعد ظهور ميكي ماوس بـ8 سنوات فقط، ظهر أول كرتون مصري بعنوان «مفيش فايدة» لبطله الشهير «مشمش أفندي»، الشخصية الكلاسيكية للصعلوك المصري في تلك الفترة، والذي نال شهرة واسعة في ذلك الوقت، جعلت منه بطلًا يشارك نجوم الزمن الجميل أعمالهم مثل الفنانة تحية كاريوكا وكاميليا والفنانة صباح، بالإضافة إلى ملكة جمال مصر في ذاك الوقت «فريزي تزيمر».

فن الرسوم المتحركة ظهر في مصر منذ زمن بعيد عام ‏1935‏ على يد‏ «الأخوة فرانكل‏» وهما شقيقان مصريان من جذور روسية وأصل يهودي. كانا مضطهدين إبّان الحرب العالمية الأولى فلجآ إلى مصر، حيث عملا في صناعة الأثاث، لكنهما أحسّا دومًا بفقدان الشغف والابتكار، تلك التي عثرا عليها فقط بعد أن تمكنا – رغم محدودية إمكانياتهما التقنية – من إنتاج العديد من الأعمال وترسيخ شخصية كرتونية مصرية أطلقا عليها «مشمش أفندي».

وتحدثت الصحافة العالمية وقتها عن الفيلم حيث نشرت جريدة «La bourse egyptienne» في صفحتها الأولى مقالًا بعنوان «ميكى ماوس أصبح له أخ مصري»، وجاء في موضوع المقال «مثل ميكي وبيتتي بوب في أمريكا، أصبح لمصر بطل كارتوني قومي هو مشمش أفندي، الذي يقوم ببطولة أول فيلم كرتون مصري يُعرض هذا الأسبوع بسينما «كوز موجراف».

تم اقتباسها من شخصية «المصري أفندي» التي كانت دائمًا تنزل في هيئة كاريكاتير في جريدة آخر ساعة، والتي بدورها تأثرت بميكي ماوس. لثلاث سنوات، حققت سلسة مشمش أفندي نجاحًا ساحقًا، إلا أن السبب في تأخرنا على أية حال هو عدم توارث الخبرة في هذا المجال‏.‏

الأنمي الياباني

أولًا من المهم أن ندرك أن «أنمي» هو نسخة اليابان الشعبية من الرسوم المتحركة. مع التقدم التكنولوجي في الرسوم المتحركة، قدمت ديزني وسيلة للترفيه العائلي في أوائل 1920. في وقت لاحق، اتّبع الرسامون اليابانيون خطى نظرائهم في ديزني ليجعلوا الرسوم المتحركة موجّهة للأطفال في المقام الأول.

بعد ذلك ظهر صانع الأنمي الشهير أوسامو تيزوكا، وخلق ظاهرة يابانية حديثة المكونة من المانغا والأنمي. كان تيزوكا قد درس وعمل في أستيديوهات ديزني، ما ساعد على نقل خبراته إلى بلاده، واستُحدثت الأفلام الهزلية على نطاق واسع، تلك التي تتنقل بسلاسة من الكوميديا إلى الحركة.

سرعان ما خُلقت أول نجوم الرسوم المتحركة اليابانية: تيتسوان أتوم، والمعروف لدى الغرب بـ«أستروبوي». في 1 يناير 1963، تم بث تيتسوان أتوم لأول مرة على التلفزيون الياباني، وبعدها بفترة قصيرة عُرض على التلفزيون الأمريكي. في ذلك الوقت، كان التلفزيون الأمريكي في اطراد ونمو مستمر، وكانت هيئات البث تسعى بشغف إلى المحتوى، وكان من السهل خلق إصدارات أمريكية من البرامج اليابانية عن طريق تغيير أسماء الشخصيات.

ساعدت شعبية الأنيمي والمانغا الغربيين في اكتساب مفهوم أوسع وأكثر شمولًا عن الثقافة اليابانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد