لا مرئية عوالمنا، نحيا تحت بساط من النجوم؛ تذروها الرياح حينًا، وتبعثرها إلى حين، تنشد ذرات الكون الخلاص في هوة الثقب الأسود.

صدر عن الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم يوم الثلاثاء الماضي بيانًا أعلنت فيه أن ثلاثة علماء أمريكيين، هم: رينير وايس وباري باريش وكيب ثورن فازوا بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 2017 تقديرًا لإسهاماتهم الحاسمة في رصد موجات الجاذبية.

“كيب ثورن”، بروفيسور في الفيزياء النظرية في جامعة كال تيك، وهو المؤسس المشارك في إنشاء مشروع لايغو، والمنتج التنفيذي لفيلم (إنترستلر  Interstellar)، وهو أيضًا مؤلف لعدة كتب في الفيزياء والجاذبية والثقوب السوداء وما شابه.

إنترستلر “بين النجوم” تدور أحداثه في المستقبل غير البعيد، حيث النباتات والمحاصيل والأراضي الزراعية المصابة بما يسمى اللفحة (الموت السريع لأجزاء النبات). ومع تضاؤل الإمدادات الغذائية، وحدوث أعاصير رملية كبيرة نتيجة لتعري التربة وانخفاض الأكسجين، تقوم مجموعة من رواد الفضاء في رحلة لإيجاد كوكب جديد.

يأخذنا الفيلم في رحلة رائعة أبعد من نظامنا الشمسي، حيث أحداث الفيلم في ذلك المستقبل الديستوبي والصورة المذهلة للسينماجرافيا مرتكزة على العلم الحقيقي؛ صُنعت نمذجته عن طريق حل معادلات آينشتاين لانتشار الضوء حول الثقب الأسود من قِبَل فريق تحت قيادة العالم “كيب ثورن”، وفريق آخر في قسم المؤثرات البصرية لإنتاج صورة لغارغانتشوا (الثقب الأسود في الفيلم).

في فترة التطوير لقصة إنترستلر مبكرًا، وأثناء تطوير السيناريو الذي كان يُكتب عن طريق “جوناثان نولان” بالأساس، كانت المسودات الثلاث الأولى تدور حول ثقبين أسودين اكتُشفا من خلال اللايغو (مشروع تابع لـ”كيب ثورن”) كانا يصطدمان، كانا أكثر إثارة في تصرفهما، وبعد ذلك، وعن طريق أخوه المخرج كريستوفر نولان الذي عمل على المسودة النهائية، كان هناك ثقب دويدي هادئ وُجد حديثًا بجانب كوكب زحل في محاولة للبحث عن كوكب آخر صالح للحياة غير كوكب الأرض الذي يحتضر.

في عشية أمسية قضاها كيب ثورن مع كريستوفر نولان مخرج فيلم إنتيرستلر بحضور مجموعة من علماء الأحياء وعلماء الأحياء الفلكية، تم الإجماع على أن مستقبل الجنس البشري هو الانتشار عبر الكون، وعليه فقد حان الوقت الذي ينبغي أن يضعوا فيه الأسس لذلك.

ما يبدو لنا اليوم غير قابل للتصور، سيصير يومًا – من وجهة نظر أوسع – بالغ البساطة والتناسق.

تدور قصة الفيلم حول ”كوبر“ رائد الفضاء السابق، الذي يدير مزرعته الصغيرة مع عائلته، وتعتقد ابنته ”مورفي“ ذات العشر سنوات أنه يوجد شبح في غرفتها يحاول التواصل معها، يتمكنان معًا من فك شيفرة الجاذبية في غرفة ”مورف“، وتبيَّن لهم أنها إحداثيات لمكان وكالة ناسا السري بعد سلسة من الأحداث الغامضة.

لا داعي الآن لخوض غمار التفاصيل، على أي حال يقابل كوبر باقي الفريق الذي يرأسه البروفيسور “براند” ويعرض عليه الخطة (أ) التي تمثل تحدي كبير بالنسبة للرواد وللبروفيسور براند، فمغزاها هو إيجاد كوكب يمكنه توفير الحياة للبشر، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في الجاذبية، كيف يمكن نقل أولئك البشر الذين لا يزالوا يعيشون على الأرض إلى هذا الكوكب المنشود؟

لأجل هذا وُجدت الخطة (ب) وفكرتها هو إنشاء مستعمرة بشرية على الكوكب الذي سيجدونه عن طريق البيوض المخصبة التي أخذوها معهم، هذه المستعمرة ستكون بمثابة بداية أمل جديدة للبشرية.

تعمل ”مورف“ بعد ذلك على فك شيفرة الكتب المتساقطة، والتي تضمنت كلمة ”ابقى – stay“، وفي هذا الصدد، لطالما اعتبر المخرج هذا الفيلم إسقاطًا لعلاقته المتميزة بابنته، حيث قدّم لنا نولان تلك التوليفة من الخيال العلمي الممزوج بالميلودراما التي تعبث بالعواطف والمشاعر الراكدة بداخلنا، وتحيلنا إلى مستقبل حُبكَت تفاصيله بالماضي، وخاصة في علاقة الأب “كوبر” بابنته الصغيرة “ميرف” وكيف تطورت، من أب محبّ وابنته الصغيرة، إلى الأب وابنته التي تكبره بعدة أعوام، إلى تلك المرأة المسنة التي تحتضر على فراش الموت، كل تلك السنين ولم ينل الزمن من “كوبر” أي شيء!

تنطلق الرحلة، ويتوجه الفريق نحو الثقب الدودي المتواجد بجانب كوكب زحل، حيث تستغرق مغامرتهم ما يقارب السنتين؛ الكوكب الأول الذي توجهت إليه بعثة القائد كوبر هو كوكب الرائدة البيولوجية “لورا ميلرز”، وبسبب قُرب تمركز هذا الكوكب من قوة جاذبية الثقب الأسود (غارغانتشوا) فإن نتيجة هذا التأثير هو أن كل ساعة واحدة تمر على هذا الكوكب يقابلها 7 سنوات على كوكب الأرض، لذلك عندما رجع كوبر وبراند إلى محطة المدار “الأندورنس” بعد بقائهم على الكوكب لمدة 3 ساعات و20 دقيقة، حيث تركوا هناك الرائد رومَلي، وجدوا أن هذا الأخير قد مرت عليه 23 سنة تقريبًا!

مع ذلك لم يكن هذا الكوكب بالمستوى المطلوب من التأهيل، حيث يتواجد به هيدروكربونات ومواد عضوية فقط، وتستحيل فيه الحياة، وبالتالي سيتوجب عليهم أن يختاروا بين الذهاب إلى كوكب “الدكتور مان” أو إلى كوكب “الرائد إيدمند”، لأن مخزونهم من الوقود لم يعد كافي لزيارة الاثنين. بعد نقاش بين القائد كوبر، الرائد روملي والعالمة براند (إميليا) يقررون الذهاب إلى كوكب الدكتور مان.

بعد سلسة من الأحداث العنيفة، ينجح الفريق في الخروج من كوكب مان والتوجه نحو أفق الحدث في الثقب الأسود للإستفادة من جاذبيته، وللتمكن من تحويل مسار المركبة لتوفير الوقود، ما سوف يكلفهم 51 عامًا نتيجة للسرعة الجاذبية العاليتين.

يعقد ”كوبر“ العزم على الدخول في الثقب الأسود مع الروبوت ”تارس“، وهذا المشهد بالذات قد أثار جدلًا واسعًا، لكن “كيب ثورن دافع عنه بشدة: “إذا كان الثقب الأسود كبيرًا بما فيه الكفاية، فإنك لن تتمزق حينما تسقط إلى داخل أفق الحدث! هذا ثقب كبير، وهو بكتلة الشمس 100 مليون مرة، القوى المدية التي تمزقك إربًا هي ليس كافية لتفعل ذلك لك أو لمركبتك وأنت تهوي خلال أفق الحدث، ولو تشاهد بدقة في الفيلم، فسوف ترى ومضة لحظية بعدما يقذف كوبر نفسه من المركبة الفضائية، سترى ومضة لحظية للمركبة حينما تتمزق إلى جزئين، ولكن كوبر يتم سحبه عن طريق هذه المركبة التي لقبت بـ«التسيراكت»، لترفع من كوننا إلى الجرم في البعد الخامس عندما اقترب من التفرد”.

إذًا ما حدث هو أنه أُمسِك به من قِبل التسيراكت، وأُدخل في أحد أوجهها – التسيراكت أو ما يُطلق عليه “مكعب هايبر ” هو مكعب ذو أبعاد أربعة في كل وجه، بينما المكعب يحمل أبعادًا ثلاثة فقط – المهم أنه حُمل إلى جوار الأرض مسافرًا خلال الجرم (البعد الخامس، ليس خلال عالمنا)، هو في مكان ما حيث أن المسافة إلى الأرض تصبح كأنك تتحرك في منزلك، والتسيراكت تجعله يقف بالقرب من غرفة ابنته، وهذا حينما تراه وهو ينظر خلف مكتبتها ينظر إلى ابنته ويلقي الكتب خارج المكتبة وعلى سطح أرض غرفة ابنته.

التسيراكت بُنِيَ عن طريق كائنات الجُرم، هذه الكائنات سميت بذلك فقط تحت ظرف واحد، ولكنهم في العادة سموا بـ”هم”، إنهم حضارة متقدمة تعيش في البعد الخامس. التسيراكت في الفيلم هو أعقد بقليل من كونه مكعبًا في الأبعاد الأربعة، وقد شرح ذلك “كيب ثورن” في كتابه، وهو ابتداع ذكي من كريستوفر نولان، كما يرى ذلك كوبر، وحينما يسافر مكانيًا من مكان إلى آخر، فهو يتحرك خلال زمن ابنته وليس زمنه هو، يتحرك ليرى ابنته اليوم، ثم خمسة أيام بعد ذلك، وذلك انتقالًا إلى الأسفل في التسيراكت.

في التسيراكت، كوبر يضغط على أي شيء ليبدو وكأنه قطعة خشبية طويلة، تسمى بالبثق، هو يدفع بها، وهي تكوّن القوة الجاذبة.. الموجات الجاذبية، وتسافر عبر البعد الرابع المكاني بداخل التسيراكت، وبعد ذلك تصل هذه القوة بداخل غرفة ابنته، وتدفع بالكتب خارج الأرفف، وهذه هي الطريقة المبدئية لعملها.

في نهاية المطاف، يتوصل “كوبر” أن الغرض من رحلته كان إيجاد خلاص البشرية من خلال ابنته، فقد كان هو في حقيقة الأمر ذلك الشبح الذي لازمها في طفولتها، كان هو وراء إرسال تلك الرسائل المشفرة من بُعد زمني مختلف، وكانت “ميرف” تتلقاه طوال حياتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد