العلماء حول العالم منخرطون حتى أنوفهم في عمليات التهجين والتلاعب الجيني، لكن ليس أولئك المتخصصون في علوم الحشرات الذين لا يزالون يحاولون سبر وسائل التواصل بين الحشرات وبعضهم البعض أو حتى مع البشر. على أية حال، فإن بعض رجال الأعمال قد تجاوزوا في هذا الشأن مسلكًا متطرفًا، أو ربما رضوخًا لفضول الناس اللامتناهي عندما يتعلق الأمر بتجربة أطباق غير مألوفة.

متى بدأ الأمر؟

مع دخول حقبات جديدة، وازدهار الحضارات، بلغ الإنسان الأول حدًا من الضجر جعله يَحول بناظريه عن النباتات ويستبدل بها ما قد يقع عليه من كائنات أخرى. في بادئ الأمر، وقع اختياره على الحشرات بما أنها كانت الخيار الأول للحيوانات الصغيرة، حتى أن الفيلسوف اليوناني «أرسطو» قد أفرد لهذا الأمر مخطوطاتٍ تتناول حشرة «زيز الحصاد» وطريقة تناولها. كذلك ورد في سفر اللاويين في العهد القديم تحريمًا لأكل الحشرات والبجع والفئران والسلاحف والعِرَس!

  1. خارج معظم دول العالم الأول، أكل الحشرات هو أمر شائع حقًا، في كل مكان حتى. في الواقع، كشف تحليل الكوبروليت (البراز المتحجّر، بالمناسبة) من الكهوف الأمريكية والمكسيكية أن الأقدمين استهلكوا بشكل روتيني عددًا من أنواع الحشرات: النمل، ويرقات الخنافس، والقمل، والقراد والعث.

صدقًا هل أنت جادّ؟

حقيقة الأمر أنه في الوقت الذي أكتب فيه هذا التقرير، فإن حوالي ملياري شخص حول العالم يتناولون أكثر من 1,400 فصيلة من الحشرات على العشاء. قبل ثلاثين عامًا، ظن الغربيون أن السوشي مقرف، اليوم أصبح أحد أكثر الأطباق الراقية والمكلّفة. ربما تلك النظرة إلى الحشرات تمر بنفس الظروف التي واتت السوشي منذ زمن؛ حيث يقول أحد واضعي تقارير السلامة الغذائية أرنولد فان هويز، من جامعة فاخننجن بهولندا «في الغرب توجد ثقافة منحازة، فنحن نعتقد أن الحشرات لن تكون جيدة لأنها تأتي من الدول النامية».

يعتبر بعض الخبراء في مجال التغذية هذا التقزز من أكل الحشرات خطأ كبيرًا، لأن الحشرات من شأنها تعويض النقص الحاصل في مجال التغذية في عدد من دول العالم، أو التي استفحلت فيها المجاعة كما هو الحال في عدد من الدول الإفريقية. وتم في ألمانيا وهولندا فتح مطاعم لتقديم وجبات أكل من الدود، كما تقدّم للناس دروسًا في طريقة طبخ أكلات بالدود أو مختلف أنواع الحشرات، بديلًا عن اللحم.

ورغم أن غالبية الزبائن يجربون تلك الوجبات مرة واحدة، إلا أن خبراء كالبروفسور فان هويس من هولندا يشدد على أهمية توعية الناس بإيجابيات تناول وجبات من الحشرات بشكل مستمر، خصوصًا أن حشرات كالدود مليئة بالبروتينات، ويمكن أن تكون بديلاً للحليب واللحوم. ويرى الخبير الهولندي أنه يمكن أكل الدود كليًا من دون رمي بعض أجزائه، على عكس لحوم الدجاج أو الخنزير التي يجب التخلي عن 55 بالمئة منها لأنه غير صالح للأكل.

لم يعد الأمر حكرًا على المطاعم، ففي المملكة المتحدة على سبيل المثال، فإن محلات السوبر ماركت تقوم بتوفير حشرات جاهزة للأكل وتشمل القائمة: الصراصير والجنادب. أحد هؤلاء الزبائن، توماسينا ميرز تبدي ولعها الشديد بأكل الحشرات وتقول: «إنها ليست مسألة صيحة ستنتهي، الناس هنا لم يعودوا يمانعون أكل الجمبري أو القريدس رغم تصنيفها كحشرات، الأمر أصبح متعلقًا بابتكار أطباق تناسب الجميع. أنا أفضّل تلك الأطباق التي لديها نكهة ترابية مستساغة!».

إذًا؟

ماذا لو استيقظت يومًا لتجد مطعمًا قد افتُتِح بجانبك، ويقدم ألوانًا من الحشرات المغرية، وربما تتأرجح قائمة الطعام بين الحلويات المزيّنة بالنمل وبين الحساء المرصّع بالحلزون، إذًا، ماذا أنت بفاعل؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد