الجميع يعلم ما عانته أوروبا في خضم الحربين العالميتين، وكيف تمزقت وتدمرت بلدانها، لتعود أوروبا فيما بعد وتكون في مقدمة دول العالم من الناحية الاقتصادية والسياسية والعسكرية.

إن من أهم أسباب هذا التقدم والتطور الهائل هو التكامل السياسي والاقتصادي الذي حدث بين دول أوروبا، متمثلًا بالاتحاد الأوروبي وما نتج عنه من منظمات.

رغم اختلاف اللغة والدين والعادات والثقافات بين شعوب أوروبا إلا أنهم شكلوا أنموذجًا يحتذى به بالتوافق والتعاون والانسجام.

فكيف بالدول العربية التي تجمعهم لغة ودين وقومية واحدة، مع وافر الاحترام لبقية الأديان والقوميات المتعايشة مع العرب.

منذ تنفيذ اتفاقية سايكس- بيكو وحتى الآن لم يستطيع العرب أن يجتمعوا أو يتفقوا، وفشلت جميع التجارب الوحدوية والتكاملية؛ فلم تستطع الجامعة العربية وما يلتحق بها من مؤسسات من عمل شيء على أرض الواقع؛ فبقي العرب مشتتين ومختلفين.

اليوم زادت المخاطر والتحديات المحيطة بالعرب؛ فخطر الإرهاب ونفوذ إيران المتنامي على حساب بعض الدول العربية يتطلب وقفة جادة ورؤية عربية مشتركة للوقوف بوجه كل تلك المخاطر، والكل يعلم ما للمملكة العربية السعودية وجمهورية مصر من ثقل عربي ودولي، ومنذ تسلم الملك سلمان سدة الحكم في المملكة العربية السعودية بدأت السعودية بتحرك جاد بالعمل على إنشاء تحالفات عربية عسكرية لدرء المخاطر تمثلت بعاصفة الحزم في اليمن وإنشاء التحالف الإسلامي.

وزيارة الملك سلمان إلى مصر الأخيرة كانت الأبرز لما لمصر من ثقل إقليمي ودولي، خصوصًا أن هذه الزيارة لم تكن على الصعيد العسكري فقط، وإنما عقدت اتفاقات اقتصادية مهمة، وهذا المهم فلا جدوى من تحالفات عسكرية دون أن تصحبها اتفاقات وتحالفات اقتصادية.

لكن للأسف موضوع الجزر أخذ مساحةً أكبر من حجمه، ووجد فيه معارضو السيسي حجةً عليه دون النظر إلى ما حققته جمهورية مصر من مكاسب مقابل التخلي عن الجزيرتين.

ثم إن أساس نجاح التجربة الأوروبية هو مبدأ التنازل والتضحية وتقديم مصلحة الاتحاد على مصلحة الدولة منفردة، من خلال تطبيق مبدأ الميزة النسبية والميزة المطلقة، وتوحيد التعريفات الجمركية والتجارة الحرة وغيرها.

لذلك إذا أراد العرب نجاح التجربة والنهوض فعليهم إيثار النفس والتعاون والتضحية واعتماد مواثيق تكون ملزمة للجميع، خصوصًا من الناحية الاقتصادية.

فمثلًا دول الخليج تمتلك رأس المال، ومصر والسودان تمتلك اليد العاملة، فتقوم دول الخليج بالاستثمار في مصر أو أية دولة عربية لديها الأرض واليد العاملة لإنشاء نوع معين من المشاريع، وهكذا.

لكن الأهم في هذا الوقت هو توحيد الرؤية العسكرية والوقوف بحزم ضد المخاطر التي تواجه الأمة، سواء أكانت تهديدات الجماعات الإرهابية أم التهديدات الإقليمية.

ولكن هناك عدة مشاكل ستواجه التحالف أو ما تسعى إليه المملكة ومصر، أهمها أن هناك كثيرًا من الدول العربية تنأى بنفسها بعيدًا عن التحالفات ومشاكل الأمة المصيرية ومنها ما يخضع إلى أجندات خارجية كالعراق مثلًا.

وأيضًا القوى العالمية الكبرى هل ستسمح للعرب بالتحالف وتشكيل قوى رادعه؟

اللهم إلا إذا كان تحرك المملكة العربية السعودية تحت إشراف راعي البقر ومباركته، وهذا ما يعتقده كثيرون.

الأهم في النجاح هو وجود حكومات عربية وطنية تراعي مصلحة الشعب ومصلحة الأمة ككل، وتدعم رؤية وميثاقًا مشتركـًا يؤمن به الجميع ويترجمه إلى عمل على أرض الواقع، وإلا فلا جدوى من البروتوكولات والشكليات التي جزعنا منها منذ أكثر من قرن مضى .

ثم إنه أما حان الوقت للعرب للتوحد والنظر إلى دماء الأبرياء التي تراق أنهارًا، إلى المجاعة والتشرد الذي تعانيه شعوب العرب، إلى الشباب العربي التائه الذي يغامر بحياته عبر البحار بحثًا عن الأمان والكرامة والذات الضائعة، أما كان بالإمكان احتواؤهم يا عرب؟ أليس نحن من ندعى بالكرم وحسن الضيافة؟ لماذا تركنا شعوبنا تكون عالة على الغرب؟

لا حل للعرب إلا  بتوحيد الكلمة، ورص الصف، وردع كل حاكم طاغ يقوم بقتل الشعب وتشريده، وإلا فالمزيد من الضياع، وثروات العرب ستنفذ وتتلاشى دون القيام بإنشاء مصنع أو مرفق، وما زلنا مستمرين بالاستيراد من الغرب.

نتمنى على حكام العرب أن يتبنوا مشروعًا فكريًّا ينهض بالمستوى الثقافي للمواطن العربي، مع تبني مشروع التكامل الاقتصادي والعسكري، علنا نرجع بعضًا من هيبة العرب وكرامتهم التي أصبحت في الحضيض، والله ولي التوفيق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد