بعد إجهاد نِصف يومٍ دراسي، دق الجرس مُعلنًا وقت اللقاء، على عَجلٍ أخرجتُ طعامي والتقينا كلقاء المُحب بحبيبه؛ فذُبتُ فيه حتى نسيتُ أنني بين الرِفاق، مالت عليّ إحداهُن تتساءل: «فاطم! كيف تجمعين بين التفوقِ والبدانة؟»، لم أُجِب، «نحن نعلم أن البُدناء لا يهتمون إلا بالطعام وصاحِب بالين كذاب»، ليس دومًا يا عزيزتي، فلكل قاعدة ما يخرِقها، هكذا أجبت وتنصلتُ من حديثها لآخر أقل سُخفًا، أُواري فيه رجفة قلبي وغياب حُجتي.

وكطفلة في الحادية عشر من عمرها، وجَدَت في خيالها كُلَّ ما لذ وطاب لروحٍ حالَ وزنها دون ما تشتهي؛ فألقيتُ بالكلماتِ بعيدًا حتى ظننتُ أني نسيتُها، ولكن النسيان أمر ٌمُراوغ!

يقول مالرو: «إن أفضل ما يفعله الإنسان أن يُحيل أوسع تجربة ممكنة إلى وعي». وهكذا أردت أن أُحيل تجربتي مع البدانة وفقدي ما يزيد على الأربعين كيلوجرامًا إلى وعي. ولكني تساءلت كثيرًا: هل أسرد تجربتي مُنذ البداية وأخبركم كيف آلت بي الأمور إلى أن أكتب هذه الكلمات؟ أم أطوف بالحديث عن البدانة وأصحابِها كي لا يحسبُهم الجاهِل سُعداء بما هم عليه! وبعد مُحاولات قررتُ أن أترنح بين تجربتي – كي أكون أكثر دقةً وصدقًا– وبين المُشكلة عامةً كي يكون الأمرُ أكثر شُمولًا.

بدايةً لن أُخفيكم تلك الرهبة التي كانت تنتابني حين يجتمعُ الرفاق للالتقاط بعض الصور، والحيرة في أي وضعٍ أكون كي أبدو أقل بدانةً، هل أقف بالجنب أم أنزل للأسفل أم أتراجع لآخر أركان الصورة كي أظهر بوجهي فقط؟ وعند شراء الملابس واختياري لما يفوق عمري بسنوات كي أُخفي بدانتي، وكأني أُواري سوءة حُبي غير المشروط للطعام، وغُصات قلبي حين أسأل رفيقتي: «كيف أبدو؟» فتُدندن على استحياءٍ بأني أبدو جيدة، ولكن روحي جميلة، تقول الأخيرة بتحمس وكأنها تربط على قلبي، غير أنها تفتِك به! وتلك التي أخبرتني أن صفتي في غيابي حين يتعثر على أحدهم معرفتي هي «فاطِمة البدينة»! هل أخبركم أني قضيتُ ليلتي أبكي وأداوي جُرحي بطعامي المُفضل؟

أما عن بُكائي من وطأة الجوع هل أخبركم أن أول يومٍ في الحِمية الغذائية لم أستطع النوم من شدة الجوع؟ نعم، استيقظت أبكي بشدة وألعن سوء حظي، وربما فكرت ألف مرة في التراجع. ولكن هل أستحي من ذلك؟ وهل في ذلك ما يُبلل الوجه خجلًا؟ وإن كان، فماذا عن ذاك الذي رفضها لأنها بدينة. قالها هكذا صريحة دون استحياء أو مُرعاة لكيانها الأنثوي، ثم أخبرتني بعدها والدموع تُداعب عينيها: «أنا كرهت جسمي يا فاطمة»، ثم انطوت على نفسها شيئًا فشيئًا، ولاذت بضعفها وطعامها من سوء واقعها وتعثُر خُطاها، فتتابع الوزن ازديادًا!

إن مُعاناة البُدناء وخاصةً الكائن الرقيق منهم، في مُجتمعٍ اندثر فيه الحياء ومُراعاة الشعور – عند البعض-تتزايد. وكأن البدين يُقاسِمهم طعامهم أو يأخذ من الكون حيزًا أكبر منهم فيُترجموا سُخطهم سُخرية وانتهاكًا لروحه وإن كان من باب الدُعابة وإذابة الملل، ودعوى أن «التُخن عِز»، لا يا عزيزي ليس دليلًا على الثراء ولكن قلة الحيلة وضعف الإرادة، وأن ابتلاءَه أتاه في ازدياد وزنه كما أتاك في قلة رحمتك، وثِقل ظلك!

إن حصر الحديث في مُعاناتي فقط أو مُعاناة من حولي ليس بجديد، فالغوصُ في هذا الأمر ليس مُرهقًا فحسب، ولكن قد يكون ملسكًا لأحدنا، وحُجة للعيش في دور من وقع عليه ظلمٌ بيِّن من المُجتمع، وأنه لا يتفهم رغباته وحبه للطعام والوله به. ولكن أريد التنويه – وأعلم أن هذا أيضًا ليس بجديد، ولكن الذكرى تنفع المؤمنين– أن التخلص من الأمر ليس بالصعوبة التي تبدو لك في بداية الأمر، ربما ستتألم ولكن لا أحد يُفلت الحياة من بين يديه راضيًا، ونحن نعلم أننا نُفلتُها من قلوبنا قبل أيدينا مُتدثرين بحجابٍ من دهون. فهل ينفعنا حين لا نقوى على إسناد أنفسنا ونكون عِبئًا على أحدهم ربما يُشفق علينا أو يستثقلنا؟ لا.

إن الأمر لن يُكلفك كثيرًا، فقط إرادة ورغبة صادقة في التخلص مما أنت عليه الآن من ضعفٍ وإسراف، وضِف إلى ذلك نظام غذائي سليم ومُمارسة الرياضة يوميًّا، ولا تتحجج بضيق الوقت، ففي وقت انتظارك أمام محلات الأطعمة السريعة يمكنك ممارسة الرياضة والانتهاء منها والعودة إلى ما كنت تفعله بعدما ازددت نشاطًا وطاقة. الأمر ليس مُعجزًا، فغيرك الكثير والكثير استطاع أن ينتصر، وأنت أيضًا بإمكانك ذلك، فاستعن بالله يكن لك عونًا على نفسِك وضعفك، فسُبحانه أبر وأرحم من أن يراك تُجاهد ولا يهديَك سواء السبيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد