“أمي، اليوم سيزورنا النيكولاوس، (والنيكولاوس في ألمانيا هو شقيق بابا نويل، حيث لا يستطيع بابا نويل الوصول من أقصى شمال القارة إلى جنوبها، وهو رجل يرتدي ملابس رجال الدين يعتمر قبعة حمراء طويلة، يزين منتصفها صليب ذهبي اللون)، سيأتي إلينا اليوم ليوزع علينا الحلوى والمكسرات، وربما يحضر معه أيضًا بعض الهدايا، أنا سعيد للغاية”.

 

هذا ما يستقبلنا به أبناؤنا صباح السادس من ديسمبر كل عام، وهكذا هي أيام الكريسماس في الغرب، فبالرغم من أن العيد الرئيس يقع في الخامس والعشرين من الشهر، حيث يجتمع الأهل على وجبة الغداء الرئيسة، يسبقها طقس احتفالي في مساء الرابع والعشرين، إلا أن الاحتفالات تبدأ فعليًّا مع بداية الشهر، حيث تنتشر الزينات في كل مكان، وتبدأ التخفيضات في المحلات، تبدأ في ملاحظة تتزايد برامج الأطفال عن الكريسماس واحتفالاته في الحضانات والمدارس والمولات، ويزور النيكولاوس كل مكان تقريبًا، مع الإعلان عن موعد زيارته بوقت مناسب قبلها.

هنا حيث بدأت الساحات في استقبال أشجار الميلاد تمهيدًا لبيعها، مع تنافس المحلات والشركات على امتلاك الشجرة الأكبر والأكثر اجتذابًا للكبار قبل الصغار، لتبدأ الاحتفالات في دورة الرسم، ونادي التنس، ونادي كرة القدم، فلا تجد مكانًا إلا ويخبرك بأنك في أيام الكريسماس العظيمة.

 

ما شعور أبنائك في هذه الأيام؟
يبدأ الأصدقاء في التحدث عن أمنياتهم، وأعداد الهدايا المنتظرة، هل سيحصل حقًّا على ما تمناه وأخبره للنيكولاوس أم أنه لن يستطيع هذا العام الحصول عليها، ربما لأنه قد أرسل بأمنياته متأخرًا.

 

أناشيد الاحتفالات التي تجوب المدارس، ليتغنى بها الكبار والصغار، ويبدأ الجيران في تزيين شجرتهم الرائعة والتي تم شراؤها فقط بالأمس، يسارعون علهم ينتهون من تزيينها قبل بداية الاحتفال، بينما تصل الى أنفاسك رائحة الخبيز الرائعة، يعبق الجو برائحة البسكويت بالفانيليا، ممتزجة مع رائحة القرفة التي يمتلأ بها الجو منبعثة من المنازل والمحلات على السواء.

 

تعيش في عالم أعياد الميلاد، حتى يخرجك منها طفلك بالسؤال المعتاد:
“أمي، لماذا لا نستطيع اقتناء شجرة نحن أيضًا، ولماذا لا نحصل على الهدايا مثل جميع أصدقائي، أنا أريد أيضًا أن أقتني شجرتي الخاصة، فهل تسمحان لي بذلك؟ “ليبدأ حوار لا تعلم على أي حال سينتهي، هل ينتهي باقتناعهم، أم باللا إجابة التي لا يمتلكها البعض.

– “حبيبي هذه أعيادهم، ونحن لدينا أعيادنا التي نحتفل بها، والتي تحصل فيها على العديد من الهدايا والنقود”.

– “ولكننا لا نحصل على شجرة نقوم نحن بتزيينها”.

– “نعم هذا صحيح، ولكن لكل احتفاله وطريقته لهذا الاحتفال، وكل عيد لديه خصائصه، فأنت تجد عندهم في الكريسماس الشجرة هي الأساس، وفي الإيستر تجد الأرنب والبيض يتربع على الاحتفال، فكما تختلف طرق احتفالهم بأعيادهم، تختلف أيضًا طريقة احتفالنا بأعيادنا، عندنا ترتبط أعيادنا بالصلاة، بها نبدأ احتفالنا بشكر نتوجه به إلى الله، نخرج ونحتفل بما يرضيه سبحانه، نتبادل الهدايا، وربما بعض الزيارات، وتكون فرصة رائعة لتجمعاتنا سويًّا”.

“ولكني أريد شجرة مثلهم، الشجرة تعجبني بزينتها، وألوانها وأضوائها، وترتيب الهدايا أسفلها، أريد حقًّا أن امتلك شجرتي كشجرتهم”.

“حبيبي لا يجب أن نفكر فقط في كيف نكون مثلهم، نحن كبشر نختلف عن بعضنا البعض، لا نستطيع أن نقلدهم في كل شيء، نأخذ منهم ما يناسب ديننا وعاداتنا وقيمنا، ثم لماذا لا يقلدوننا هم؟؟، لماذا نسعى نحن دومًا وفقط لتقليدهم، هل يريد صديقك أن يستلم الهدايا مثلك في عيد الفطر مثلاً؟ أم أنه يعلم أن لكلٍ عيده، ووقته وأوانه، وطريقة احتفاله”.

تعويضات
غالبًا ما تنتهي مثل تلك الحوارات مع عدم اقتناع كامل لدى أبنائنا، بل ربما يصلك أحيانًا جزءًا من اللا اقتناع، مع طول النقاش، وإصرارهم عليه، تصل لذلك المفترق الذي تظل تفكر فيه، ماهية التصرف الأصوب في ذلك الموقف، هل تسايره؟ تمنعه؟ تعطيه أمرًا يتوجب عليه طاعتك فيه، بلا نقاش أو اقتناع، أم تحاول معه محاولات مستمرة، تحاول استيعاب تفكيره، ورغبته، وعدم اقتناعه، بل وأحيانًا أيضًا تمرده، ربما يحاول البعض أن يمسك العصا من منتصفها، يبحث عن تعويض ملائم لأبنائه، يسمح لهم بالتعايش والاختلاط في ذلك المجتمع الذي يعيشون فيه، مع احتفاظهم بما يمليه عليهم دينهم، وقناعاتهم.

 

نعم سوف نزور سوق الكريسماس، نستمتع بالعروض المختلفة، ربما أهديناهم هدية بلا مناسبة، لعبة انتظروها طويلاً، نبحث عن سبب مقنع لإهدائهم إياها، كتفوقهم الأخير في المدرسة، أو التزامهم بتعليمات المنزل في الآونة الأخيرة.

 

ربما نقوم برحلة قصيرة، أو زيارة لمكان كنا نخطط لزيارته منذ زمن. سيشاركون في احتفالات ناديهم، ومدرستهم، مع أصدقائهم ومدربيهم ومعلميهم، مع التحدث معهم مطولاً عن ما تعنيه أغانيهم، وما يخالف ما يأتي فيها أحيانًا مع ما نؤمن به، ونثق أنه الحق من ربنا، سيهدون أصدقاءهم كروتًا لتهنئتهم باحتفالاتهم، وتمنياتهم لهم بعام جديد سعيد عليهم. ربما نجعلهم يشاركون أحيانًا في إطلاق تلك الألعاب النارية في السماء، ابتهاجًا بقدوم عام جديد، بلا إسراف مبالغ فيه، ونشرح لهم سبب عدم ذلك الإسراف، ولماذا لا نحبذه.

لا نستطيع أن نتغافل ألم الاختلاف في مثل هذه المناسبات، نعم يولد الاختلاف ألمًا يختلف باختلاف المواقف، منها آلام لا نستطيع تفاديها، أو التعامل معها، أما تلك التي نستطيع تجنب آلامها فنحاول قدر استطاعتنا أن نجنبهم إياها.

 

نعم عليه أن يعي أنه مختلف، وأن لديه دين يخالف الأغلبية ها هنا، نحتفل فيه بمناسباتنا بطريقة مختلفة، ربما لا يجدها براقة، ومتميزة، ولكن ليس عليه أن يشعر أنه معاقب بسبب هذا الاختلاف، نحاول جاهدين أن نأتي بأفكار جديدة ومختلفة، يشعر معها بأن احتفالاتنا بأعيادنا، لها طابع متميز هي الأخرى، نأخذ منهم أفكارًا، لنثري بها احتفالاتنا، وحتى لا يشعر معها أبناؤنا أنهم يعيشون في مجتمع منفصل عن مجتمع الخارج الفسيح، يعلمون ويتعلمون أن في ديننا مساحة للهو الذي لا شبهة فيه ولا بأس، أن باب الحلال فيه أوسع وأكبر من باب الحرام والمكروه، وأننا بالتزامنا بإسلامنا وبما أمرنا به ربنا ورسوله، نستطيع أن نجعل من حياتنا واحتفالاتنا ما يجعلها تترك في نفوسنا ذلك الأثر الذي لا يفارقنا بعده بسهولة.

 

إنها تلك المعادلة الصعبة، التي تتمكن فيها من أن تقدم لأبنائك ما يتناسب مع ديننا وأخلاقنا وقناعاتنا، في الوقت الذي لا تحرمهم فيه من التواصل مع المجتمع المحيط بهم، والذي لا بد وأن يلقي بظلاله وتأثيره عليهم، مهما حاولت أنت منع ذلك، المعادلة التي إن استطعت أن تصل يومًا إليها، فستعلم أنك قد نجحت في مسعاك أخيرًا.

 

إنه ليس بذلك الأمر السهل، لا في تجنبه، ولا في التعامل معه، أمرًا يتطلب منك نوعًا خاصًا من التفكير والتعامل والصبر، تحاول جاهدًا أن تصل إلى ما فيه صالح أبنائك، في بلاد ستظل فيها أنت دائمًا المختلف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد