هناك، فيما ينعقد المجلس الوطني لحزب التيار الديمقراطي، لاتخاذ موقف يساهم في إيجاد حل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، في بلد يعيش على وقع أزمة سياسية تلوح في الأفق، خاصة بعد فشل الحبيب الجملي المكلف بتشكيل الحكومة في الحصول على ثقة البرلمان.

فشل تلا نصه الشيخ راشد الغنوشي، رئيس البرلمان والحزب المعني بتشكيل الحكومة، ليعلن سقوطها وحركته في استمرار لمسلسل اللطخات الكبرى. (ملاحظة للتاريخ: راشد الغنوشي هو أول رئيس برلمان في تونس تسقط في مجلسه حكومة برفض أغلبية النواب من المرة الأولى، والمفارقة أن حزبه صاحب عدد المقاعد الأكبر وصاحب الأغلبية حسب نتائج الانتخابات التشريعية في سبتمبر (أيلول) 2019، لمثل هذه الملاحظة يسيل الكثير من حبر علماء الاجتماع ومحللي علم السياسة).

وفيما اختار العديد من أبناء شعبي اليوم الخروج إلى الشارع للاحتجاج على واقع يرفضونه مرة، وللاحتفال بثورة الياسمين، أو ثورة «14 جانفي (يناير/ كانون الثاني)» 2011، أو انتفاضة «17 ديسمبر (كانون الأول) – 14 جانفي» مرة أخرى، برفع الراية الوطنية، ولتجديد ذكرى سقوط نظام كان يكتم الأنفس، ولا يأذن لها بالتحليق في سماء الوطن، أجلس أنا هنا في بيتي، وأكتب عن فئة أخرى منا اختارت من يوم الأحد زمانًا ومن «الاستاد» مكانًا للتعبير عن حالة الرفض العامة التي تجتاحها لواقع لا يمكن وصفه إلا بالأسود الحزين.

سحر عالم كرة القدم

«لقد رغبت مثل جميع الأروغوايين في أن أصبح لاعب كرة قدم، وقد كنت ألعب جيدًا، كنت رائعًا، ولكن في الليل فقط، وفي أثناء نومي: أما في النهار فأنا أسوأ قدم متخشبة شهدتها ملاعب الأحياء في بلادي. لقد مرت السنوات، ومع مرور الوقت انتهيت إلى القناعة بهويتي: فأنا مجرد متسول أطلب كرة قدم جيدة. أمضي العالم حاملًا قبعتي، وأتوسل في الاستادات: لعبة جميلة حبًّا في الرب. وعندما أرى كرة قدم جيدة، أحمد هذه المعجزة دون أن يهمني قدر فجلة من هو النادي أو البلد الذي قدم ذلك اللعب الجيد».

هكذا يقول الكاتب والصحفي الأوروغواياني إدواردو جاليانو، في كتابه «كرة القدم بين الشمس والظل»، الذي خصصه للحديث عن تاريخ الساحرة المستديرة منذ كأس العالم سنة 1938 وإلى غاية عام 1994.

رصد جاليانو في كتابه مرحلية صعود أبرز الأسماء التي عرفها هذا المجال وسقوطها، كما بين تحول كرة القدم من مصدر للسعادة والفرح، للمجد والعنفوان الوطني إلى تجارة عالمية مربحة يتقاسمها أصحاب رأس المال العالميين.

في تونس، لا تختلف آراء جماهير النادي الأفريقي – وهم من أكتب عنهم اليوم – عن رأي جاليانو، حين عبروا عنها من خلال ترجمتهم الخاصة للفكرة برفع التيفو الشهير في يناير 2017: «Created by the poor, stolen by the rich»، أي: صنعها الفقراء وسرقها الأغنياء، في المباراة التي جمعت بين فريقهم وفريق باريس سان جيرمان الفرنسي، وبحضور أحد أبرز وجوه الرأسمالية في العالم العربي والعالم، رجل الأعمال القطري ناصر الخليفي.

نشأت كرة القدم في إنجلترا مع بداية القرن الحادي عشر الميلادي، غير أنها كانت تُمارس في نطاق محدود، وذلك بسبب منع من السلطة الملكية، قبل أن تنتشر ويُعترف بها في مطلع القرن الثامن عشر، لتتخذ طابعًا تنظيميًّا؛ فنشأت قوانينها وباتت بالشكل الذي تمارس عليه في أيامنا هذه.

مع نهاية القرن التاسع عشر، أصبحت «الديانة العصرية» كما يصفها إدواردو جاليانو لعبة عالمية؛ إذ انتشرت وتعممت عبر الاستعمار الانجليزي في مناطق مختلفة من العالم.

ومنذ نشأتها، تعد كرة القدم أكثر أنواع الألعاب الرياضية شعبية على مستوى العالم، إذ يتجاوز عدد محبيها ومتابعيها المليار إنسان حول العالم. هي إذن ديانة شاملة للكل الإنساني فلا يفرق بينهم – بين الجمهور والجمهور من ناحية، وبين الجمهور واللعبة من ناحية أخرى – أي حدود سواء كانت جغرافية أو عرقية أو قومية؛ هي عامل مشترك موحد.

لا يمكن للعبة كرة القدم أن تكون وأن توجد دون ركيزتها الأساسية وهي الجمهور، يشمل هذا الجمهور أفرادًا من مختلف الأعمار (أطفال، شباب، كهول، شيوخ) ومن طبقات اجتماعية وثقافية مختلطة.

غير خاضعة لفلسفة التنظيم الهرمي، أو ما يعرف بالتنظيم الهيراركي، قائمة على اللاتنظيم والتلقائية، بيد أن هذا اللاتنظيم لا يكسبها منحى العشوائية والهامش، بل إن عملية التشجيع والتجمع تحت راية فريق واحد، تتأسس وفق قواعد معينة متبعة غير مكتوبة وغير ملموسة. تتصف هذه القواعد باللامركزية، إذ تغيب سلطة القائد أو الزعيم، الجميع سواسية على مكانة واحدة ومسافة واحدة، لا فوارق تحضر حسب المراتب الاجتماعية والاقتصادية لرابطة المشجعين. تحتل فيها فئة الشباب الغالبية المطلقة للمشجعين الذين وجدوا في كرة القدم منفذ النور والمساحة الوحيدة للتنفس ولكتابة رؤيتهم الخاصة لمشكلات الحاضر وأزماته.

من زاوية نظر سوسيولوجية، تعاني فئة الشباب والمكون الأساسي لظاهرة التشجيع من دونية النظرة الاجتماعية العامة لهم، فهم في نظر بقية شرائح المجتمع مجموعة مستهلِكة لا منتِجة ما يجعلها تمثل عبئًا يعرقل دوران العجلة الاقتصادية.

أما على أرض الواقع والحقيقة، فإن غالبية هؤلاء الشباب، خاصة في العالم العربي، يعانون من أزمة اجتماعية شاملة وعامة تتمثل في الفقر والبطالة والإقصاء والتهميش، بالإضافة إلى تخلي الدولة عن أهم مهامها في توفير الخدمات العامة من صحة، وتعليم، وتوفير الغذاء لهم، أسباب تدفعهم إلى اعتناق أي فرصة للتنفيس والتمرد على الأوضاع المعيشية، تجسدها الملاعب والأغاني النابعة منها في أحسن تجسيد.

يا حياتنا..

لم تكن سنة 2019 سنة سعيدة على المستوى الإداري والمالي لجماهير النادي الأفريقي؛ فقد تتالت العقوبات المالية المسلطة على فريقهم من قبل الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، لتتجاوز سقف 19.7 مليون دينار تونسي حسب ما صرح به رئيس النادي عبد السلام اليونسي، في تصريح إذاعي يوم 2 مايو (أيار) 2019. تكلفة ضخمة لم تستطع إدارة النادي خلاصها نتيجة للأزمة المالية التي تعصف بالفريق منذ أكثر من أربع سنوات، مما دفع شعب الافريقي (شعب الأفريقي هي عبارة تطلق على جماهير النادي دلالة على القاعدة الجماهيرية الكبيرة للفريق في تونس) إلى إطلاق حملة سميت «اللطخة الكبرى»، تهدف إلى جمع تبرعات مالية تدفع في الحساب البنكي الدولي الخاص بنزاعات الفريق لغلق ملف الخطايا، وتجنب عقوبات إدارية أخرى من الفيفا قد تصل حد المنع من الانتداب، ومن المشاركة في المسابقات الخارجية، أو حد الحل النهائي للفريق حسب ما ينص عليه القانون المتعلق بسلم العقوبات لدى الاتحاد الدولي.

المد التضامني لجماهير أعرق الأندية التونسية لم ينتهِ عند حد المشاركة والانخراط في الحملة، وهو ما دفع بالصحف العالمية إلى الحديث عنها ومواكبتها إعلاميًّا، بل واصلت تضامنها على المستوى الوطني، لتساند بقية أفراد الشعب وتشاركهم مآسيهم في وطن حولته السلطة السياسية المتعاقبة منذ الاستقلال إلى مسيرة جنازات لا تنتهي.

نهبتو ملاين للبراني عطيتوها.. ورخيتو لعين السرقة دعمتوها
دخلتوا لكوكة لبلاد فزدتوها.. هججتو الناس للغربة لزيتوها
خنقتوها.. فبابور اللوح ناس للحرقة رميتوها.. قداش من روح فالكار إلي قتلتوها
طفلة صغيرة حتى لوديان هزوها

لا يجب التمعن والوقوف كثيرًا عند حدود كلمات الأغنية لبساطة الكلمة وسهولة استشعار عمق المعنى. هي خلاصة أحداث سنة دامية، مشهد موسيقي غاضب يجسد كل مشاعر الوجع المتقاسم، تسرد تفاصيل جرائم كتبت بالدم في حق أطفال وشباب ونساء تونس.

بداية من مصيبة حادثة انقلاب شاحنة العاملات الفلاحيات في منطقة السبالة من محافظة سيدي بوزيد، إلى حادثة مقتل الأطفال الرضع في مستشفى الرابطة بتونس العاصمة، إلى مقتل الطفل عمر العبيدي على يد عناصر الأمن، ثم مقتل الطفلة مهى القضقاضي التي جرفتها سيول الأمطار في طريق عودتها من المدرسة إلى البيت، حتى فاجعة حادثة حافلة عمدون التي راح ضحيتها 30 شابًّا وشابة. سردية حزينة تكرر فعل القتل وتكرر تسلل دور السلطة فيها إلى الظهور للعلن بشكل واضح وفاضح.

عالحرية والبلاد إلي نساتنا.. عالمظلومين والدولة إلي خلاتنا
عالحق إلي يبقى رقبة بناتنا.. والحالة.. سرقة وغورة وهوما يحبو لحصانة
في كل دورة لحاكم رشوة وجعالة
شحال من حومة عايشة تهميش وبطالة

أغنية فارقة في تاريخ أغاني الفيراج (المدرّج) في تونس، ليس فقط لأنها أغنية جمهور رياضيّ معيّن في زمن جنون عالم الكرة، بل لأنها تحمل داخلها تشابك وتقاطع الإحساس بالغبن والضياع، تقاطع السياسي بالاجتماعي بالاقتصادي، كما تكرس الوعي الجماعي لحجم ألم الواقع المشترك في ثناياه بين غالبية الشعب التونسيّ.

توجه اتهامًا بالمسؤولية والتقصير لكل من تقلد منصبًا سياسيًّا وكان ضمن منظومة تسابقت فيما بينها من أجل بيع كرامة وعز عيش أبناء هذا الشعب.

منذ سنوات، مثلت الأغاني السياسية في المشروع الفني والرياضي أساس عمل مختلف مجموعات الجماهير في تونس، وفي هذه المرة أيضًا جاءت أغنية «يا حياتنا» قوية وواضحة ومباشرة في بعض المستويات، مبهمة وضبابية مشفرة في مستويات أخرى، ولكن أهم ما جاء فيها أنها متوازية مع الوضع السياسي الراهن للبلاد. أغنية هي عنوان لوعي شبابي كان متقدمًا جدًّا وسابقًا عن الوعي المجتمعي بشكل عام.

ختامًا

لم تستطع السلطة في تونس، من خلال وزارة داخليتها، أن تحكم قبضتها على حناجر الجماهير الرياضية، منبع صوت الثورة الأول، رغم اتباعها لإجراء ال«Huis clos» (إجراء المباريات دون حضور الجمهور) لأكثر من مرة وخاصة من بعد الثورة، بحجّة الحفاظ على الأمن العام.

عادت الجماهير لتوجه إنذارًا آخر يقرأ وفق عدة تحليلات، يوحي ويفسر بأن النفس الثوري الغاضب ما زال متوهجًا وأنه لن يصمد طويلًا حتى تشهده الفضاءات العامة الأخرى.

الرسالة اليوم قد خرجت في شكل أغنية فيراج، كما خرجت من قبلها عدة رسائل في أشكال وضمن وسائل أخرى، لتنفي القول الدارج المسقط عن أحكام كارل ماكس بأن الكرة «أفيون الشعوب» وأنها «شغل الفاضي»، لتتجاوز كل تلك الأفكار المتداولة لتصبح كما في نظر المفكر والثوري الإيطالي أنطونيو جرامشي أنها مملكة الوفاء البشري، وتصبح ملعبًا لصنع الوعي بكل فروعه، وفق قانون نيوتن الثالث والثابت أن لكل فعل رد فعل، يساويه في الشدة، ويعاكسه في الاتجاه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد