فريد عصره, وأعجوبة زمانه, كان مضرب الأمثال ومحط الأنظار, حباه الله جمالا وحسن خلقة, فزاد هو نفسه جمالا بتبحره فى العلوم المختلفة, صاحب خلفاء بني أمية في الأندلس, وتوطدت صداقته معهم, فبرع في السياسة كما برع في أبواب العلم المختلفة.

 

يحيى الغزال

يحيى الغزال الجياني، هو أبو زكريا يحيى بن الحكم البكري، نسبة إلى بكر بن وائل، وأصله من مدينة جيان، ولد عام 156ه/ 772م.

ولقب بالغزال لجماله وظرفه وتأنقه، وكان شاعرًا جزلا مطبوعًا، وبرع بالأخص في الغزل، كما اشتهر بشعره الساخر اللاذع, وكان فوق ذلك عالمًا بالفلك والفلسفة، وله أرجوزة طويلة في أبواب العلوم لم تصل إلينا.

كان بداية ظهوره وبزوغ نجمه في بلاط الحكم بن هشام, وقد ظهر في ذلك الزمان كثيرٌ من الفلاسفة والشعراء والعلماء أمثال:

أبو القاسم عباس بن فرناس([1])، ويحيى الغزال.

كان يحيى الغزال زيادة على علمه وشعره سياسيًّا بارعًا محنكًا, يجيد خطاب الملوك ومجالستهم.

واشتهرت صداقتة الوطيدة بالأمير عبد الرحمن الأوسط([2]).كما اشتهر الغزال بأصالة الرأي, وحسن التدبير, وصفه ابن حيان في المقتبس ” كان الغزال حكيم الأندلس، وشاعرها، وعرّافها”.

يعتبر الغزال فريد عصره وزمانه فتفرد عن أقرانه بجمعه بين عدة خصال يندر وجودها في شخص واحد؛ فجمع بين الفطنة والحنكة والدهاء وحدة الخاطر وبديهة الرأي وحسن الجواب والنجدة والإقدام, كما كان لعلاقته الوطيدة بالبلاط الأموي في قرطبة عامل قوي في بروزه على الساحة السياسية, والاجتماعية في الأندلس.

 

الغزال مؤرخا                              

نظم الغزال بالإضافة إلى الأشعار الساخرة والغزليات, أرجوزة عن فتح الأندلس, لكنها لم تصلنا أبدا, ولكننا عرفناها من خلال الوصف الذي كتبه عنه ابن حيان في رواية المقري فقال “وينسب إلى الشاعر يحيى بن الحكم الشهير بالغازي أرجوزة مطولة ورائعة عن فتح الأندلس, وضمنها أشعارًا تحكي سبب غزو الأندلس, وذكر بالتفاصيل المعارك التي حدثت خلال الفتح, كما ذكر عددًا من الأمراء الذين تولوا حكم الأندلس, وقد أجاد الغزال في وصفه هذا حيث ذاعت شهرة هذه الأرجوزة بين الناس”([3] ).

 

سفارة الأندلس إلى القسطنطينية

في عهد عبد الرحمن الأوسط بلغت الأندلس من القوة والنفوذ مبلغًا عظيمًا, وغدت قرطبة حاضرة الخلافة مركزًا دبلوماسيًا, وقبلة للسفارات والوفود الأوروبية التي تطلب عقد أواصر الصداقة والمودة مع حكومة قرطبة الإسلامية.

كانت أشهر تلك السفارات هي سفارة القسطنطينية قائدة العالم المسيحي آنذاك ومركز ثقله الروحي، وكان الإمبراطور البيزنطي يرغب في عقد أواصر الصداقة والود مع حكومة قرطبة القوية والتي كانت تعد في حينها الأندلس أقوى ممالك أوروبا وأكثرها عظمة.

كانت السفارة في سنة 840م (225 هـ), حيث وفد على قرطبة السفير قرطيوس مبعوثا من قبل الإمبراطور تيوفيلوس (توفلس)، ومعه كتاب وهدية فخمة، ناقلا رغبة القسطنطينية في صداقة الأندلس ونيل مودتها فاستقبله عبد الرحمن بحفاوة، ورحب بسفارته([4]).

جهز عبد الرحمن الأوسط يحيى الغزال للتوجه إلى القسطنطينية ردا على سفارتها, وكان اختيار الغزال يعود إلى حنكته ولباقتة وسياستة المشهورة، وكان أيضًا صديق الأمير وكاتبه, فغادر الغزال قرطبة برفقة السفير البيزنطي.

 

الطريق إلى القسطنطينية

توجه يحيى الغزال صوب القسطنطينية سالكا طريق تدمير (مرسية), ومن هناك استقل الوفد سفينة ليخوضوا رحلة بحرية شاقة، عاينوا فيها الأهوال من اضطراب البحر وشدة الموج, حتى وصولهم إلى القسطنطينية.

استقبل الإمبراطور البيزنطي السفير الأندلسي بحفاوة بالغة، وقدم الغزال إليه كتاب عبد الرحمن وهديته، وعلى الرغم من تجاوز عمر يحيى الغزال ستين عامًا حينها إلا أن شخصيته ولباقته كانت مثار الدهشة والإعجاب, فسحر البلاط البيزنطي بكياسته وظرفه وبديع صفاته, ونال الغزال منزلة رفيعة عند الإمبراطور حتى أنه طلب من يحيى الغزال منادمته وحضور مجلسه فامتنع من ذلك، واعتذر بتحريم الخمر.

أدى الغزال سفارته بنجاح تام، وعمل على إحكام الصلة والمودة بين الإمبراطور وبين الأندلس، وعاد إلى قرطبة ليبزغ نجمه ويسمو شأنه ولتصبح سفارته وسياستة مضرب الأمثال.

 

سفارة الأندلس إلى بلاد النورمان (الدانمارك)

في عام 230هـ/845م هاجم الأسطول النورماني([5]) شواطئ الأندلس وعاث فسادا في مدن شذونة وإشبيلية حتى تصدى له الجيش الأندلسي، وقُتِل قائد النورمان وأُحرِق عدد كبير من سفنهم وهرب باقي النورمان عائدين إلى بلادهم بعد هزيمتهم النكراء.

بعد الهزيمة سعى ملك النورمان (هوريك) إلى الصلح وعقد الهدنة مع الأندلس, فأرسل سفارة إلى الأمير عبد الرحمن الأوسط لعقد معاهدة صلح بينهم فوافق الأمير عبد الرحمن.

كان نجاح سفارة الغزال إلى القسطنطينية محفزًا لدى عبد الرحمن؛ فقام بإرسال يحيى الغزال سفيرًا إلى بلاد النورمان بصحبة أحد وجهاء الأندلس يحيى بن حبيب.

وقد ورد ذكر الرحلة بتفاصيلها في كتاب “المطرب من أشعار أهل المغرب” لكاتبه أبي الخطاب عمر بن الحسن بن دحية البلنسي، أوردها في حديثه عن الغزال, وهو يذكر لنا أن عبد الرحمن أوفد مع الغزال يحيى بن حبيب – أحد وجهاء الأندلس – لمرافقته في تلك السفارة، وأنهما خرجا معًا إلى البحر المحيط عن طريق شلب في مركب خاص أعد لهما، وسارت مع مركب الرسل النورمانيين. ويصف لنا ما لقيه السفيران المسلمان من أهوال البحر وشدته، وكيف أنهما أوشكا على الهلاك, لكن في النهاية جازا تلك الشدائد سالمين ووصلا إلى بلاد المجوس (الدانمارك) حيث كان مقر الملك بها([6]).

وتعتبر سفارة يحيى الغزال هي الأولى من نوعها من جانب المسلمين إلى تلك المنطقة البعيدة.

وقد وصف الغزال تلك الرحلة والأهوال التي عانوها خلالها من شدة الموج واضطراب البحر, حتى أنهم قاربوا على الهلاك في بعض الأوقات فأنشد قائلا:

قال لي يحيى وصرنا … بين موجٍ كالجبال

وتولّتنا رياحٌ … من دبور وشمال

شقّت القلعين وانبـ … تّت عرى تلك الحبال

وتمطّى ملك المو … ت إلينا عن حيال

فرأينا الموت رأي الـ … عين حالًا بعد حال

ثم يصف لنا بلاد المجوس بأنها “جزيرة عظيمة في البحر المحيط”، وعلى مقربة منها “جزائر كثيرة منها صغار وكبار، أهلها كلهم من المجوس، وما يليهم من البر أيضا لهم مسيرة أيام، وهم مجوس، وهم اليوم على دين النصرانية”.

وقبل دخول الغزال على ملك النورمان اشترط الغزال عليه ألا يسجد له ولا يخرجهما عن شيء من سنتهما، فأجابهما إلى ذلك, وأراد الملك أن يحرج الغزال فأمر بالمدخل الذي يفضي إليه، فضيق حتى لا يدخل عليه أحد إلا راكعًا، فلما وصل إليه الغزال جلس إلى الأرض وقدم رجليه وزحف على أليته زحفة، فلما جاز الباب استوى واقفًا. والملك قد أعد له وأحفل في السلاح والزينة الكاملة. فما هاله ذلك ولا ذعره، بل قام ماثلًا بين يديه، فقال: السلام عليك أيها الملك وعلى من ضمه مشهدك، والتحية الكريمة لك، ولازلت تمتع بالعز والبقاء والكرامة الماضية بك إلى شرف الدنيا والآخرة، المتصلة بالدوام في جوار الحي القيوم، الذي كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه المرجع. ففسر له الترجمان ما قاله، فأعظم الكلام، وقال: هذا حكيم من حكماء القوم، وداهية من دهاتهم، وعجب من جلوسه إلى الأرض وتقديمه رجليه في الدخول، وقال: أردنا أن نذله، فقابل وجوهنا بنعليه.([7])

ولقي السفير المسلم من ملك النورمان كل ترحاب وعطف، وأفرد لإقامته وزملائه منزلًا حسنًا. وقدم إليه الغزال كتاب الأمير عبد الرحمن وهديته من الثياب والآنية، ولقي الغزال في البلاط النورماني كثيرًا من الإعجاب، واستقبلته “نود” ملكة النورمان, وقد أعجبت برجاحة عقل الغزال وفطنته, وله فيها بعض الشعر.

وعاد الغزال إلى الأندلس بعد رحلة دامت عشرين شهرًا، وكان عوده عن طريق شنت ياقب والتي كانت تخضع لملك جليقية وليون النصراني، وكان الملك على عداء مع المسلمين, فأرسل ملك النورمان كتابًا إلى ملك جليقية (المملكة النصرانية الشمالية) يطلب منه عبور الغزال وسفارته عائدين إلى قرطبة بدون أن يعترضهما أحد, وقد اخترق الغزال بالفعل مملكة ليون، وسار إلى طليطلة، ومنها إلى قرطبة, والمرجح أن وصوله إلى قرطبة، كان سنة 232هـ (أواخر سنة 846 م).

 

الأثر السياسي لرحلة الغزال

كان نجاح سفارة يحيى الغزال إلى النورمان عاملا كبيرا في استقرار الأندلس؛ فقد أمنت من هجمات القراصنة النورمانيين فترة من الزمن، وتمكن الأمير عبد الرحمن من تحصين ثغور الأندلس والاهتمام بالأسطول البحري الأندلسي، فبنى سورًا ضخمًا حول إشبيلية، واتخذ قواعد بحرية، ودورًا لصناعة السفن فى إشبونة وإشبيلية وألمرية وبلنسية ومالقة، وعني بصناعة السفن الكبيرة، وأعد لها المقاتلة، وأصبح للأندلس أسطولان، أحدهما في المحيط الأطلسي ومركزه إشبونة، والآخر في البحر المتوسط وقاعدته مالقة.

تعتبر سفارة يحيى الغزال هي الأولى من نوعها التي تصل إلى الدول الإسكندنافية، بل وسبقت رحلة أحمد بن فضلان الذي مر بتلك البلاد أثناء سفارته إلى بلاد الصقالبة, لكن ابن فضلان أسهب كثيرا في وصف تلك البلاد ووصف جغرافيتها وديموجرافيتها([8]) وتحدث عن عادات سكانها وتقاليدها, لكن اهتمام الغزال كان بالجانب السياسي وتأدية سفارته فلم يشغل نفسه بأي جانب آخر.

عاش الغزال بعد سفارتة الأخيرة زهاء عشرين عامًا أخرى، وتوفي في سنة 250هـ, وقد بلغ الرابعة والتسعين من عمره، إذ كان مولده في سنة 156هـ، وأدرك خمسة من أمراء بني أمية بالأندلس أولهم عبد الرحمن الداخل، وآخرهم محمد بن عبد الرحمن.

عاش الغزال عمرا مديدا حافلا بالأحداث السياسية والتاريخية المهمة والتي كان له فيها أثرٌ واضح, وصنيع حسن, وقد لبث في خدمة أمراء الأندلس ما يزيد عن خمسين عامًا تبوأ خلالها الزعامة والريادة في العلم والأدب والحكمة والسياسة, وكان الغزال موضع التكريم والاحترام من الملوك والأمراء.

_________________________________________________________________________________________________

([1]) مخترع أندلسي من أهل قرطبة, وكان فيلسوفًا شاعرًا، له علم بالفلك, وهو أول من استنبط في الأندلس صناعة الزجاج من الحجارة, وصاحب تجربة الطيران الشهيرة.

([2]) عبد الرحمن بن الحكم بن هشام, رابع ملوك بني أمية في الأندلس يعرف بالأوسط؛ لأن الأول عبد الرحمن الداخل، والثالث عبد الرحمن الناصر.

([3]) ك بويكا: المصادر التاريخية العربية في الأندلس, ترجمة: نايف أبو كرم، ص(57).

([4]) انظر: محمد عبد الله عنان: دولة الإسلام في الأندلس، (1/282).

([5]) شعوب الدول الإسكندنافية (الدانمارك والسويد والنرويج)، ويطلق عليهم غزاة الشمال أو الفايكنج.

([6]) ابن دحية الكلبي: المطرب من أشعار أهل المغرب، تحقيق: إبراهيم الإبياري، ص (141).

([7]) المصدر السابق.

([8]) الدراسة الاجتماعية للناس في مجتمعاتهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد