بن علي هرب.. بن علي هرب.

تلك العبارات التي قرعت مسامعنا فاستقبلناها استقبال الأم لطفلها المفقود، نعم إن هذه الأمة العظيمة فقدت أحد أبنائها المسمّى «كرامة»، هذا الابن الذي ضيّعته في سجون الطغاة أو تحت التراب في مقابر مجهولة الهوية، كرامةٌ علا صوت بندقية العسكر على صوتها قرنًا كاملًا.

فترة انطلاقة ثورة الربيع عام 2011 كنت ما زلتُ طالبًا جامعيًا في كلية العلوم بالرقة في سوريا، وما زلت أذكر دكتور إحدى المواد الصعبة في الكيمياء، وقد كان يزيدها صعوبةً بصعوبة أسئلته، وبسبب قربه من دائرة الحكم الأسدية كان مغفور الذنب مرخيّ الحبل له، ليس بسبب إنجازاته العلمية أو مؤلفاته إنّما فقط لقربه من دائرة القرار والسلطة، وقد كان له مكتب في جامعة حلب أكبر من مكتب الوزير وأثاثه أغلى وأشد لفتًا للانتباه.

هو نفسه ذاك الدكتور الذي غيّر القاعة في صباح أحد الأيام، فجاء مجموعة من الطلاب إلى القاعة القديمة وانتظروه ولم يأتِ، حتى أبلغهم فيما بعد أحد الموظفين بأن القاعة تغيّرت، فلمّا حاولوا الالتحاق بالمحاضرة رفض الدكتور ذلك، وعندما اعترضنا غضب منا ولم يقبل أن يسمع لنا. وقرّر علينا المحاضرة دون أن يكملها، وأقسم أنّ أغلب أسئلة الامتحان ستأتي من هذه المحاضرة التي لم يعطها ولم يشرحها.

ما زلت أذكره حين كان يمشي بتكبّر وخيلاء أمام الطلّاب رافضًا سماعهم، فاقتربتُ منه – مع أنّي لم أكن من المتأخرين – وأمسكت يده، وأوقفته عنوة لأحدّثه وأطلب منه أن يفهم مطلبنا، يومئذٍ دفعني رئيس شعبة شؤون الطلاب ونهرني لأنّي تصرفت مع الدكتور بهذا الشكل. قد يستغرب البعض من مجريات ما أحدثكم عنه، فهذا حدث في جامعة سورية وليس في سجن أو معتقل، وهكذا كان يُعامل طالب الجامعة في سوريا (أعرق بلد عرفته البشرية).

هذا الدكتور نفسه كانت أسئلته في غالبها تعجيزية وكانت نسبة النجاح في مادته لا تتجاوز الـ20% من مجمل عدد الطلاب المتقدّمين، وبعد سقوط مبارك قلت لزملائي: عجبًا! الشعوب أسقطت حكامًا ونحن عجزنا عن دكتور جامعة.

في نفس يناير (كانون الثاني) 2011 كنت أقف على طابور شعبة التجنيد وأنا الطالب الجامعي، أضيّع دروسي ومحاضراتي فقط لأحصل على توقيع رئيس الشعبة، ورئيس الشعبة يخرج من مكتبه ويتجوّل بين المراجعين وكلنا كأنّ على رؤوسنا الطير، ثم يقلّب ناظريه لعلّه يجد بين الموجودين من تظهر عليه علامات الغنى ويُسر الحال، فيأخذه جانبًا ويطلب منه رشوة ليسير أموره، لم يكن هناك اعتبار للشمس التي أكلت رؤوسنا ولا قيمة لانتظارنا أمام قيمة الرشوة، ولا أهمية عنده لمشاغلنا التي تركناها وأوقفناها حتى نأخذ التوقيع المشؤوم.

ولا أنسى أيضًا نظرات ذلك الضابط لي وهو يسألني في غرفة التحقيق في مبنى الجنائية عن دراستي، فلما أجبته أنّي جامعي أدرس الكيمياء غضب واستشاط وقال لي: أنتم يا طلاب الجامعات «أوسخ» طبقة في المجتمع.

ثم راح يسرد عليّ سمفونية الحركة التصحيحية وفضائل القائد الخالد وابنه علينا وعلى وطننا، حتى صار يمنّ عليّ بالجامعة التي أدرس فيها، فيقول: ألا يكفيكم أنّ الرئيس فتح لكم المدارس والجامعات ووفّر لكم التعليم، فلا أدرِي كيف بنت الدول الأخرى مدارسها وجامعاتها بدون أن يكون لديهم آل الأسد، ولم تدخل في كتب تاريخهم إنجازات الحركة التصحيحية.

هذه الأنظمة التي تهاوت كأحجار الدومينو بدءًا من يناير 2011 لا نأسف على سقوطها مهما حلّ بعدها، وحتى لو فاجأتنا ثورات مرتدّة أو انقلابات على الشرعيّة أو مؤامرات على الشعب، فلا بقاء لظالم ولا دوام لمستبدّ وكما خلّد يناير عبارة بن علي المشهورة: «لقد فهمتكم»، فيجب أن يدرك كلّ طاغية أنّ من لا يفهم هذه الشعوب لا مكان له على سدّة حكمه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد