الثورة والمخيم “خيا”:

 

تأتي كلمة “خيا” الفلسطينية اللهجة لتدخل في لهجة الشباب السوري المجاور والقريب من المخيمات الفلسطينية، كلمة ليست عادية أبدًا، ولست أبالغ أنّ علاقة حميمية كانت ناشئة بين السوريين والفلسطينيين في سوريا ما قبل الثورة، والتاريخ يشهد أيضًا، بعد بدأت الثورة السورية والتي كشفت كل من تلاعب بالقضية الفلسطينية وتاجر بها وجوع شعبه من أجل مشاريع إقليمية وتوسعية، إذ إنّ الثورة السورية كشفت الوجوه الحقيقية لمحور (المقاومة والممانعة)، وبدا من هم أهل المقاومة الحقيقية في وجه الأعداء والخونة، لم يلقَ الفلسطينيون من النظام السوري أكثر من فرع مخابراتي وحشي قمعي ليسمى باسمها كـ “فرع فلسطين”.

 

دخل الكثير من شباب مخيم اليرموك وفلسطين والرمل وخان الشيح في الثورة السورية، وهو أمر أكثر من طبيعي، فهم كما الشعب السوري ذاق الويلات والمرار من بطش النظام وشبيحته، لم يتوقف النظام السوري عن الرد على الفلسطينيين، ففي منتصف شهر كانون الأول عام 2012 قام جيش النظام وشبيحته باقتحام المخيم وقصف جامع عبد القادر الحسيني فيه، والذي كان يؤوي الكثير من النازحين من الأحياء المجاورة، وسقط العديد من الأشخاص بين قتيل وجريح، ودارت اشتباكات بين الجيش الحر وجيش النظام بمشاركة اللجان الشعبية التابعة لأحمد جبريل؛ ما أدى لانشقاق الكثير من شباب اللجان وانضمامهم لصفوف الجيش الحر وكتائب أخرى، ومن بعدها بدأ حصار المخيم بالدبابات والحواجز، عندها بدأت موجة نزوح
جديدة للأهالي بأعداد هائلة.

 


 

المقاومة تقتل فلسطين وأهلها:

 

يعتبر الحصار الأقسى والتام الذي واجهه مخيم اليرموك وجاراته من المدن والبلدات في جنوب دمشق منذ بداية 2014، حيث إنّ الأهالي الذين رفضوا الخروج من المخيم إما خوفًا من بطش واعتقال النظام بهم أو لعدم وجود مأوى خارجه، باتوا يأكلون أوراق الشجر والحيوانات (من قطط وكلاب) لغياب كل مسببات الحياة، من طحين وماء وكهرباء وأطعمة وأدوية وتدفئة وألبسة بسبب الحصار الكبير الذي فرضته شبيحة المقاومة ومرتزقة الممانعة على مهاجري فلسطين.

 

قتل في الحصار تعذيبًا بالجوع أكثر من 120 إنسانًا بينهم أطفال ونساء وعجزة في مخيم اليرموك وحده، وذلك لندرة الطعام والتصاق البطون بالظهور من شدة الجوع، وهو ما يعتبر من أقسى أنواع القتل قهرًا، وهو ما لم يفعله الصهاينة اليهود على طول مدة احتلالهم لفلسطين، وحروبهم ضد شعبها الأبي.

 

لقد كان محور المقاومة الأكثر فتكًا بفلسطين وبالشعب الفلسطيني، لقد جعل النظام السوري من القضية الفلسطينية شماعةً لتقتيل الشعب السوري والفلسطيني على طول حكمه بأنّه يحارب العالم من أجل فلسطين، والحقيقة أنّه يقتل الشعب الفلسطيني والسوري منذ وصوله إلى كرسي الحكم من أجل بقائه عليه، وأنه حارس أمين للحدود الشمالية للدولة اليهودية.

 

لقد قتّل النظام السوري من الفلسطينيين أضعاف ما قتّلت إسرائيل بكثير، وبنفس سيناريو حصار مخيم اليرموك اليوم، حاصرت المليشيات المسيحية المارونية في لبنان (عام 1976) تحت غطاء ودعم كامل من الجيش السوري بقيادة حافظ الأسد، والذي كان يسيطر على لبنان سياسيًّا وعسكريًّا، مخيم تل الزعتر الفلسطيني حصارًا تامًا، والذي ضم أكرادًا وسوريين ولبنانيين سُنة.

 

دام الحصار ما يقارب الشهرين، وترافق بعمليات تنكيل وتجويع وعقاب جماعي، تم خلالها قطع الكهرباء والماء والخبز والطعام لفترات طويلة، وقصف الأهالي بشتى أنواع الأسلحة الثقيلة، ويذكر أنّ أكثر من (55000) قذيفة سقطت على من في المخيم، كما منع إسعاف أي أحد إلى خارجه، وكذلك منع الصليب الأحمر من دخوله، ما أدى إلى القضاء على المقاتلين المتحصنين في المخيم وأهاليهم، وبنفس تكرار طلب أهالي اليرموك فتوى بأكل الكلاب والقطط والحمير، طلب أهالي تل الزعتر فتوى تُبيح أكل جثث الشهداء كي لا يموت من تبقى منهم جوعًا.

 

لم تنتهِ قصة تل الزعتر على هذا النحو من مقاتلي الممانعة، بل ارتكبت فيه أفظع الجرائم من ذبح للأطفال والنساء والشيوخ وهتكٍ للأعراض وبقرٍ لبطول الحوامل.

 

أعاد بشار إجرام أبيه نفسه مع أعداد أكبر وبإجرام طائفي حقير من المليشيات الإيرانية والشيعية العراقية وحزب الله ومليشيات فتح الانتفاضة، فقد قام جيش النظام بقصف المخيمات الفلسطينية وحصارها، فقصف أيضًا مخيم الرمل الجنوبي في اللاذقية من البارجات البحرية والدبابات في بداية الثورة السورية، وقصف مخيمي درعا وخان الشيح بالطيران الحربي والبراميل المتفجرة والصواريخ وهجر عشرات الآلاف من اليرموك وسبينة.

 

يحاصر النظام المخيمات بأنها كلها ضده رغم أنّ أكثرها مدنيون لم يحملوا السلاح ولم يتظاهروا إنما يسعون خلف رزقهم، ومع ذلك فالعقاب دومًا ما يشمل الجميع.

 

تأتي مقاطع الصور من مخيم اليرموك بأبشع ما يمكن تخيله العقل البشري بأن يصل الحقد والطغيان على الشعب الفلسطيني والسوري لهذه الدرجة، لدرجة أن يظهر رجلًا مسنًا يحمل لافتة “لبيك يا أقصى” باكيًا ويرفض المساعدات يريد الخروج من المخيم وفتح الطرقات إلى خارج المخيم.

 

 

والأكثر ألمًا أن يبكي شيخ مسن ويصرخ “ودونا لعند اليهود”، وهو لاجئ من سنة 1948 وقد اعتقلوا له أربعة أبناء.

 

ناهيك عن مظاهر الجوع القاسية وأكل الحشائش والموت لغياب دواء أو لقمة تسد الرمق، إنّ الإجرام الذي ارتكبه النظام السوري وداعموه والصامتون عن إجرامه لم يمر في كل تاريخ الصراع مع الصهاينة، وما يزال حتى الآن قصف مخيم اليرموك وحصاره مستمرًا.

 


 

 

داعش تقاتل أعداء الأسد المقاوم:

 

في يوم الأربعاء الماضي دخلت مخيم اليرموك (عاصمة الشتات الفلسطيني) عناصر من تنظيم الخلافة “داعش” من منطقة الحجر الأسود، بدعوى تحريره وفك الحصار عنه، حيث إنّ المخيم محاصر من كل الأطراف من قبل النظام إلا من جهة الحجر الأسود، فدخلها التنظيم، وبدأ قتال شرس مع كتائب أكناف بيت المقدس المتحالفة مع الجيش الحر، وبعد عدة أيام تسيطر على مخيم اليرموك وسط مناشدات الأهالي المدنيين بتجنيبهم الصراع المسلح، والذي يزيد من ألم الحصار والجوع.

 

شاركت في فتح الطريق نحو المخيم لتنظيم داعش جبهة النصرة والتي تقاتل التنظيم في شمال شرق سوريا وتتعاون معه في أطراف دمشق، مع صمت للفصائل الأخرى المتواجدة حول مخيم اليرموك في بلدات يلدا وببيلا وبيت سحم، مثل جيش الإسلام وأحرار الشام والاتحاد الإسلامي لأجناد الشام على مدار الأيام الأربعة رغم المناشدات من قبل مقاتلي الأكناف، والتي يقال بحسب ناشطين إنها لم تتقاعس عن نصرة أي فصيل طلب مؤازرة.

 

قامت داعش خلال معاركها بتقطيع رؤوس من يعمل مع أكناف بيت المقدس، وقبل أيام من اقتحام المخيم شاع خبر مقتل يحيى حوراني (القيادي في حركة حماس) وله علاقة وثيقة بأكناف بيت المقدس، والذي يعمل في مشفى فلسطين ورفض مغادرة المخيم إذ يعمل في المجال الطبي والإغاثي، وقد أسعف المئات من الجرحى، ودرب عددًا من المسعفين والممرضين.

 

شارك النظام ومليشيات أحمد جبريل تنظيم داعش بالهجوم على مخيم اليرموك بالقصف من الطائرات والحواجز العسكرية المحيطة من كل جانب بالمخيم، من جانبه اقتحم التنظيم مشفى فلسطين، وغادرت الكوادر الطبية المخيم، ودعت الهيئة الشرعية في جنوب دمشق لقتال التنظيم حاثة كل الكتائب على ذلك.

 

يظهر التنظيم حبه لتحرير القدس عبر قتال الفلسطينيين في مخيم اليرموك وحرق علمهم ودهسه بالأقدام ورفع راية سوداء (يظنون زورًا أنها راية الإسلام)، فهو يريد تحرير فلسطين من الفلسطينيين قبل اليهود، فقد كفّر حركة حماس وهي مرتدة وأكفر من اليهود وقتالها أوجب من قتال اليهود، وهو ما يحصل بأن التنظيم بزعامة أبو صياح (فرامة) في جنوب دمشق يقاتل من هم أكفر من النظام بحسب رأي تنظيم الخلافة الناشئة يشاركه في حربه كل من أبو سالم العراقي، والشرعي أبو الزهراء الأردني على أهل المخيم الجوعى.

 


 

مقاومة وخلافة وجهان لعملة واحدة:

 

نظام بشار الأسد المقاوم والممانع وحلفائه من إيران وأذرعها الطائفية ومليشيات أحمد جبريل تقاتل الفلسطينيين والسوريين وتذبحهم وتشردهم وتجوعهم، وتتشارك داعش معهم بنفس العملية إذ تقاتل الثورة السورية والفلسطينيين المشاركين فيها أو التي يؤيدونها.

 

محور المقاومة يزاود على الفلسطينيين بالقضية الفلسطينية والدفاع عنها، وهم أكثر من قتلها وشتتها وضيع بوصلتها وجوع الشعوب بكذبة الوقوف معها، في المقابل يأتي تنظيم الخلافة ليزايد على حبه للإسلام والقدس أكثر من الفلسطينيين أنفسهم وهو من يقاتل المسلمين السنة في كل مكان، ويحارب كل مشروع إسلامي ناشئ بالتكفير، ناهيك عن سوء استخدام النصوص وتأويلها على أهوائه وتطويعها لأهدافه وغاياته.

 


 

 

 

 

 


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد