مخيم اليرموك هو مخيم للاجئين الفلسطينيين في سوريا، تم إنشاؤه عام 1957 في العاصمة السورية دمشق, وهو يعد أكبر التجمعات للاجئين الفلسطينيين في سوريا, وهو أحد المخيمات التي كانت شاهدًا على الصمود الفلسطيني، وسطّرت الملاحم ضد أعداء الوجود الفلسطيني, وخاصة ضد المتصهينين العرب، وضد النفي القسري الذي تعرضوا له بعد نكبة 1948، ويتمسك أهله بحق العودة رغم خيانات العرب المتكررة لهم، بما في ذلك تنازل قيادات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية عن حق العودة وتصريحات رئيس السلطة بأنه لن يعود إلى مسقط رأسه “صفد”.

بعد الثورة السورية, وقع المخيم تحت حصار الجيش السوري الموالي للنظام البعثي في سوريا برئاسة بشار الأسد, وشاركه في حصاره منظمات فلسطينية أنشأتها مخابرات الأسد مثل فتح – الانتفاضة والجبهة الشعبية – القيادة العامة, واللتان أنشأهما النظام السوري أصلاً لينشقا عن منظمتي فتح والجبهة الشعبية الأصليتين (قبل تطبيلهما للنظام السوري لاحقًا) وشارك في صف النظام السوري ضدهما في المجزرة التي نفذها ضد اللاجئين الفلسطينيين في تل الزعتر عام 1976, بحجة حفظ الأمن والنظام في لبنان, حيث كان الفلسطيني دائمًا مستهدفًا من قبل الأنظمة العربية بكافة أطيافها من المحيط للخليج, جمهوريات وملكيات وإمارات, لأنه يرفض الخنوع والبقاء تحت رحمة الأنظمة, رغم متاجرة تلك الأنظمة المستمرة بالقضية الفلسطينية وادعائها المستمر العداء مع إسرائيل, ولاءاتهم الثلاث الكاذبة.

حاصر النظام وعملاؤه المخيم بحجة اختباء الإرهابيين أعداء الوطن فيه, ورفض إدخال المساعدات والإغاثات الإنسانية مرارًا وتكرارًا, وحاول عملاء النظام السيطرة عليه أكثر من مرة ولكن تم ردعهم من قبل منظمة أكناف بيت المقدس المدافعة عن المخيم, والمحسوبة على حركة المقاومة الإسلامية حماس, فمنذ بداية الثورة والمنظمة تدافع عن المخيم ضد المعتدين.

وكل ذلك وسط تواطؤ من منظمة التحرير التي من المفترض أن تكون مسؤولة عن فلسطينيي الشتات, فهي تصمت حينًا وحينًا آخر تبرر للنظام السوري فعلته بحجة وجود الإرهابيين. وصحب الصمتُ الرسمي الفلسطيني صمتًا عربيًا وعالميًا واسعًا, لا حراك أو إدانة من الدول العربية ولا الغربية ولا من الأمم المتحدة والهيئات الإغاثية, أما عن “نشطاء الإنسانية” فهم إما صامتون عما يحدث ويشغلون أنفسهم بتوافه الأمور, أو مطبلون للأسد وعملائه في حملته للدفاع عن الدولة والقضاء على التواجد الإرهابي المزعوم.

أما عن الدول المعادية لنظام الأسد فلم يتطرقوا أبدًا لمخيم اليرموك, ليس في أجندتهم، فمهما انتقدوا الأسد فهم لن يمنعوه من ضرب الوجود الفلسطيني في سوريا, ورجال الدين الرسميون الذين خطبوا الخطب عن “بشار الأسد العلوي النصيري عميل إيران” لم يتطرقوا يومًا لمخيم اليرموك ولا لمعاناته, لأنهم يرون أن الفلسطيني أخطر على أنظمتهم من عدوهم الإقليمي بشار الأسد, وبعضهم يروج دائمًا وأبدًا للإشاعات عن تشيع الفلسطينيين, وخاصة حركة حماس؛ ليصرف العامة عن تأييد القضية الفلسطينية واعتبارهم عملاء لإيران لا يجوز تأييدهم أو حتى الدعاء لهم بالنصر أمام اليهود.

الجديد أن تنظيم داعش مدعي الجهاد ضد الكفار, وبخيانة من جبهة النصرة المدعية للثورية والجهاد (رغم العداوة بينهم وبين داعش), قاموا بحملة لتصفية الوجود الفلسطيني المسلح في المخيم تمامًا، بدأت الأحداث إثر قيام أكناف بيت المقدس باتهام بعض أتباع داعش باغتيال يحيى حوراني أحد كوادر حماس في المخيم، رفضوا التحقيق مع المتهمين وبدؤوا الأكناف بالقتال، في البداية ادّعوا أن الحملة لتحرير المخيم, ولكن بعد فضح كذبهم الساذج حيث أن المنطقة التي كانت تسيطر عليها جبهة النصرة وانسحبت منها لصالح داعش كانت محاصرة هي الأخرى, قاموا باختلاق كذبات أخرى مثل أن أكناف بيت المقدس متحالفة مع النظام.

ولاحقًا تم تفنيد تلك الأكذوبة بفيديوهات قديمة للمعارك بين الأكناف وبين عملاء النظام, فما كان منهم إلا اختراعهم لكذبات لا دليل لها مثل أن أكناف بيت المقدس تتاجر بالمعونات الغذائية وأنهم كانوا يتفاوضون مع النظام لتسليم المخيم وغيرها من الأكاذيب, كانت الغلبة للأكناف في بداية المعركة وهزموا داعش شر هزيمة, ولكن ما لبثت جبهة النصرة أن دخلت في المعركة إلى جانب داعش (في البداية اكتفت بالسماح لهم بالمرور) بحجة أن الأكناف تتحالف مع أحد التنظيمات الثورية المعادية لها, وما لبث أن انضم لداعش العديد من كوادر فتح (العلمانية)، إلى جانب القصف المدفعي المستمر من الجيش السوري وعملائه, فكان المخيم في الحقيقة محاصرًا بين داعش والمتواطئين معها والنظام وعملائه. والأكناف وحلفاؤهم بعددهم القليل محاصرون بين هؤلاء وهؤلاء.

وفي مشهد من مشاهد الخسة والنذالة والخيانة العربية, وقف السلفي الجهادي جنبًا إلى جنب مع العلماني القومي واليساري ليقاتلوا عدوًا مشتركًا, عدوهم المشترك ليس الصهاينة, بل اللاجئ الفلسطيني والتنظيمات المسلحة التي تدافع عن اللاجئين, كلهم يعادون المقاوم الفلسطيني, كلهم يريدون أن تكون فلسطين حكرًا ومطية لمشاريعهم, وكلهم يريدون الفلسطيني منصاعًا لهم, ما بين من يريدون مبايعًا لخليفة مزعوم ومن يريده مطبلاً لوهم قومي عربي, ومن يريده أن يُسبِّح بحمد المفاوضات وحل الدولتين والسلام مع الصهاينة, مشاريعهم متناحرة ويحاربون بعضهم البعض، ولكنهم في هذا الأمر سواء, كلهم أعداء للصمود الفلسطيني وللوجود الفلسطيني فقط, ليس لمجرد كونه فلسطينيًا ولكن لأنه يرفض الانصياع لمشاريعهم.

وردود الأفعال, من مؤيدي الخليفة المزعوم والمتعاطفين معهم من جماعة “إحسان الظن” مِمَن يدّعون أنهم إسلاميون يطبلون لفعل داعش ويتهمون الأكناف بالخيانة والردة والتشيع, وبعض الحمقى سعدوا بالتحالف بين النصرة وداعش بغض النظر عن المستهدف من التحالف, وبغض النظر أنهم أجرموا ووجهوا سلاحهم ضد المخيم بتحالفهم, ومؤيدو بشار يهللون لقصف المخيم المليء بالإرهابيين ويشمتون بحماس لأنها لم تطع بشار الأسد منذ البداية, أما أنصار فتح فهم يهتفون لرئيسهم الملهم وجهوده من أجل اللاجئين, برغم أنه لم يفعل أي شيء للمخيم.

أما الذين كنا نجدهم متباكين على جرائم داعش من قبل فلم نجد لهم صوتًا وقت جرائم داعش ضد الفلسطينيين, لم يتكلم أحد عن قطع داعش لرؤوس الفلسطينيين, لم يتكلموا عن الخطف القسري الذي مارسته داعش بحق عشرات المدنيين ومن بينهم نساء, لم نسمع لهم صوتًا، كما ولم نجد دعمًا عالميًا للفلسطينيين ضد داعش كما دعموا الأكراد ضدهم في كوباني. ولم نرَ نشطاء التنوير يتكلمون عن أفعال داعش وأنها جاءت من القرون الوسطى. كل هذا لسبب واحد, لأن الإجرام تلك المرة كان موجهًا ضد عدو مشترك لهم جميعا, المقاومة الفلسطينية والوجود الفلسطيني.

لن يسقط اليرموك, سواء احتله الدواعش أم كتب الله للمجاهدين الصادقين في أكناف بيت المقدس وحلفائها النصر ضد عصابات داعش والنظام, إنما الساقط كل من سكت عن الإجرام أو برر له أو التمس للمجرم العذر, وكل من مهد لهذا الإجرام أن يحدث, أو سانده ماديًا أو معنويًا, كلهم ساقطون، كلهم خونة, اليرموك شاهد تاريخي على خيانتهم، اليرموك خيانتكم الكبيرة يا عرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد