لقد كان في التاريخ العربي والإسلامي، كثير من الطغاة؛ مثله كمثل التاريخ العالمي، الذي امتلأ بالديكتاتوريين كـ«هتلر»، و«موسليني» وغيرهم، وقد يعتقد الشعب العربي اليوم أنه لا وجود للطغاة بتاريخ العرب الأوائل، وهذا ليس صحيحًا، فهناك طغاة من أمثال يزيد بن معاوية، الذي استخدم القمع وسيلة للبقاء على سدة الحكم. 

ولد يزيد بن معاوية، عندما كان والده أميرًا للشام في خلافة عثمان بن عفان، وتولى الخلافة بعدما توفي والده معاوية، وبدأت شرارة الاختلاف منذ توليه للخلافة، فعارضه عدد من الصحابة، وكان من بينهم: الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- فأرسل يزيد فور توليه إلى الوليد بن عتبة والي المدينة وقال له: خذ البيعة من الحسين وعبد الله بن الزبير، وشدد عليه بأخذ البيعة منهما، إلا أنهما لم يجيبوا الوليد بن عتبة إجابة واضحة، وكانت إجابتهم أن يمهلهم أيامًا. فأشار مروان بن الحكم على الوليد، بأخذ البيعة أو قتلهم. إلا أن الوليد بن عتبة بضميره الحي، رفض قتلهم وأمهلهم. فخرج الحسين، وعبد الله بن الزبير من المدينة إلى مكة المكرمة، ليحتموا بها من أي قوات أموية قد ترسل إليهم، وتجبرهم على المبايعة.

وعندما تلقى يزيد بن معاوية، هذا الخبر عزل الوليد بن عتبه متهمًا إياه بالتهاون، وضم المدينة إلى ولاية عمرو بن سعيد بن العاص والي مكة، وذلك في سنة 60 للهجرة، وكانت أولى أعمال عمرو بن سعيد بن العاص هي توليته عمرو بن الزبير -وكان معاديًا لأخيه عبدالله- على شرطة المدينة، فعذب عمرو كل من ناصر أخيه عبد الله، بما فيهم أبناء أخيه وأخوته. ومن ثم أرسل قوات إلى مكة لمحاربة عبد الله بن الزبير، وكانت بقيادة عمرو بن الزبير، فنزل عمرو بقواته في أطراف مكة، وجرى بين عمرو وأخيه مفاوضات انتهت بالفشل، وجرت على إثر فشلها معركة بين أنصار عبد الله وبين القوات الأموية انتهت بمقتل عمرو بن الزبير وهزيمة هذه القوات تمامًا، وكانت هذه الهزيمة دافعًا معنويًّا كبيرًا للمعارضين، الذين انتعشت معارضتهم بعد هزيمة القوات الأموية على يد عبد الله بن الزبير. 

ومن تحركات عمرو بن سعيد في مكة، يتبين لنا أن يزيد وولاته على الأمصار، لا يقيمون وزنًا للأماكن المقدسة كمكة المكرمة، وكل ذلك في سبيل توطيد الحكم، وهذا الأمر، يتشارك به يزيد مع الطغاة اليوم. فالطغاة اليوم، لا يرون قيمة للأماكن المقدسة ولا للإنسان، فيفعلون كل شيء دون خطوط حمراء.

فاجعة كربلاء

كان لهذه الفاجعة العظيمة، الأثر الضخم في نفوس الناس؛ فزادت المعارضة ضد يزيد، واشتدت؛ وذلك لاستشهاد حفيد رسول الله ﷺ الحسين بن علي، سيد شباب أهل الجنة، فبعدما راسل أهل الكوفة الحسين، وقولهم له إنهم سيبايعونه وسيخرجون معه ضد الدولة الأموية، خرج الحسين بناء على قول أهل الكوفة الى العراق، منتظرًا مناصرة أهل الكوفة كما وعدوه، وكان خروجه للعراق محل رفض من الصحابة كعبد الله بن العباس، وعبد الله بن الزبير، وابن عمر وغيرهم، فابن عمر مثلًا «قال للحسين: أين تريد، قال: العراق، وقد كان معه طوامير وكتب، فقال لا تأتهم، قال هذه كتبهم وبيعتهم، فقال: إن الله خير نبيه بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنكم بضعة منه لا يليها أحد منكم أبدًا، وما صرفها الله عنكم إلا للذي هو خير لكم، فارجعوا، فأبى، فاعتنقه ابن عمر، وقال: استودعك الله من قتيل».

رفض الحسين بن علي البقاء، وأراد الخروج لتلك الديار حتى يكون له العدد الكبير من الأنصار والمقاتلين، ولم يكن يعلم – رضي الله عنه- بالغدر الذي كان ينتظره. خرج الحسين بمن معه من أهل بيته متجهًا للعراق، وقد علمت السلطات الأموية بقدومه، فأرادت بعض الأطراف الأموية أن تبعده عن العراق دون أن يمس بأذى، وأما الأطراف الأخرى أرادت قتله، كعبيد الله بن زياد والي الكوفة، فأرسل إلى الحسين قوات بقيادة عمر بن سعد بن أبي وقاص؛ فقال الحسين «اختاروا واحدة من ثلاث، إما أن تدعوني، فألحق بالثغور، وإما أن أذهب إلى يزيد، أو أرد إلى المدينة». فقبل عمر بن سعد وأرسل بذلك إلى عبيد الله بن زياد الذي قال: لا ولا كرامة، حتى يضع يده في يدي. فبدأ القتال بين القوات الأموية، وبين الحسين بن علي وأهل بيته، واستشهد هو وعدد كبير من أهله على يد هذا الجيش. وكان لاستشهاد الحسين، عظيم الأثر في التاريخ ليومنا الحاضر.

قُتل الحسين – رضي الله عنه- لمجرد المعارضة، فلم يقم بأي تحرك عسكري إلا عندما أجبر على القتال، ووضع أمام عبيد الله بن زياد خيارات بين أن يذهب للثغور أو يعود للمدينة، أو يقابل يزيد، فلم يقبلها عبيد الله، فقام الجيش الأموي بأمر عبيد الله بقتل الحسين – رضي الله عنه- وأهل بيته ما عدا قلة منهم.

فوصل خبر استشهاد الحسين إلى يزيد، الذي أظهر انزعاجه من قتل الحسين؛ فقال «كنتُ أرضى مِن طاعتكم – أي أهل العراق- بدون قتل الحسين، كذلك عاقبة البغي والعقوق، لعن الله ابن مرجانة، لقد وجده بعيد الرحم منه، أما والله لو أني صاحبه لعفوتُ عنه، فرحم الله الحسين»

يتبادر للذهن بعد قول يزيد هذا، سؤال منطقي: إن كان يزيد ليس راضيًا بما فعله عبيد الله بن زياد وجنده، فلماذا لم يحاسب ابن زياد والجند؟

ادعى يزيد الانزعاج، ولم يقم بأي مبادرة لأخذ حق الحسين وأهل بيته، فهذا يعني رضاه بما فعله جنده من القمع! وأسلوب التنصل من المسؤولية ليس غريبًا على من انتهج الديكتاتورية، فيرمي المسؤولية على من هم دونه، دون تحمل ولو جزء منها.

وقعة الحرة

لم تنته الكوارث لهذا الحد، بل بدأت كارثة جديدة بقتل أهل المدينة المنورة على يد الجيش الأموي، وكانت بداية هذه الأحداث بخلع أهل المدينة لبيعة يزيد، وتوليتهم لعبد الله بن مطيع على قريش، و عبد الله بن حنظلة على الأنصار وعلى قبائل المهاجرين معقل الأشجعي، وجعل الرجل منهم يقول: قد خلعت يزيد كما خلعت عمامتي هذه. وبدأت تحركاتهم ضد عامل يزيد على المدينة، وهو عثمان بن محمد بن أبي سفيان وتحركوا ضد بني أمية بالمدينة، وكان عدد بني أمية قريب من ألف رجل، وأرادوا إخراجهم منها فحاصروهم؛ فأرسلوا بني أمية الاستغاثة إلى ابن عمهم يزيد لإنقاذهم، فقرأ يزيد كتاب الاستغاثة فانزعج لذلك، وقال: ويلك ! أما فيهم ألف رجل؟ قال: بلى. قال: أفلا قاتلوا ولو ساعة من نهار؟

فأرسل إلى المدينة قواته، بقيادة مسلم بن عقبة المري الغطفاني، وقال يزيد لمسلم بن عقبة: إذا قدمت المدينة ولم تصد عنها، وسمعوا وأطاعوا فلا تتعرض لأحد منهم، وامض إلى الملحد ابن الزبير، وإن صدوك عن المدينة فادعهم ثلاثًا، فإن رجعوا إلى الطاعة فاقبل منهم وكف عنهم، وإلا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا ظهرت عليهم فأبحها ثلاثًا، ثم اكفف عن الناس، وقيل: إنه قال لمسلم بن عقبة: إذا ظهرت عليهم، فإن كان قتل من بني أمية أحد فجرد السيف، واقتل المقبل والمدبر، وأجهز على الجريح وانهبها ثلاثًا، وانظر إلى علي بن الحسين فاكفف عنه واستوص به خيرًا، وأدن مجلسه، فإنه لم يدخل في شيء مما دخلوا فيه. وأمره إذا فرغ من المدينة أن يذهب إلى مكة لحصار ابن الزبير، وقال له: إن حدث بك أمر فعلى الناس حصين بن نمير السكوني.

فسار مسلم بن عقبة بالجند، إلى المدينة المنورة لقمع الثورة، فلما اقترب منها اجتهد أهل المدينة في حصار بني أمية، وقالوا لهم: والله لنقتلنكم عن آخركم أو لتعطونا موثقًا أن لا تدلوا علينا أحدًا من هؤلاء الشاميين، ولا تمالئوهم علينا. فأعطوهم العهود بذلك، فلما وصل الجيش تلقاهم بنو أمية، فجعل مسلم يسألهم عن الأخبار، فلا يخبره أحد، فانحصر لذلك، وجاءه عبد الملك بن مروان فقال له: إن كنت تريد النصر فانزل شرقي المدينة في الحرة، فإذا خرجوا إليك كانت الشمس في أقفيتكم وفي وجوههم، فادعهم إلى الطاعة، فإن أجابوك وإلا فاستعن بالله وقاتلهم، فإن الله ناصرك عليهم، إذ خالفوا الإمام، وخرجوا من الطاعة. فشكره مسلم بن عقبة على ذلك، وامتثل ما أشار به، فنزل شرقي المدينة في الحرة، ودعا أهلها ثلاثة أيام، كل ذلك يأبون إلا المحاربة والمقاتلة، فلما مضت الثلاث قال لهم في اليوم الرابع – وهو يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة 63- قال لهم: يا أهل المدينة، مضت الثلاث، وإن أمير المؤمنين قال لي: إنكم أصله وعشيرته، وإنه يكره إراقة دمائكم، وإنه أمرني أن أؤجلكم ثلاثًا، فقد مضت فما أنتم صانعون؟ أتسالمون أم تحاربون؟ فقالوا: بل نحارب. فقال: لا تفعلوا، بل سالموا ونجعل جدنا وقوتنا على هذا الملحد. يعني ابن الزبير. فقالوا له: يا عدو الله، لو أردت ذلك لما مكناك منه، أنحن نذركم تذهبون فتلحدون في بيت الله الحرام؟! ثم تهيئوا للقتال، وقد كانوا اتخذوا خندقًا بينهم وبين مسلم بن عقبة، وجعلوا جيشهم أربعة أرباع، على كل ربع أمير، وجعلوا أجل الأرباع الربع الذي فيه عبد الله بن حنظلة الغسيل، ثم اقتتلوا قتالًا شديدًا، ثم انهزم أهل المدينة إليها، وقد قتل من الفريقين خلق من السادات والأعيان، منهم، عبد الله بن مطيع، وبنون له سبعة بين يديه، وعبد الله بن حنظلة الغسيل، وأخوه لأمه محمد بن ثابت بن شماس، ومحمد بن عمرو بن حزم، وقد مر به مروان بن الحكم وهو مجدل، فقال: رحمك الله، فكم من سارية قد رأيتك تطيل عندها القيام والسجود.

أباح مسلم بن عقبة أو كما لقب من قبل العلماء، (مسرف) المدينة لثلاثة أيام قتلًا ونهبًا. وأشاع الرعب في نفوس أهلها، فأصبح العقاب مدمرًا لأهل المدينة جميعًا، ليكون ذلك رادعًا -كما يرى الجيش الأموي- لكل من تسول له نفسه معارضة يزيد، وما حدث في المدينة من قتل ونهب هو أسلوب قديم متجدد، من الترهيب والحرب النفسية التي ستمنع المعارض من المعارضة.

فقد كان أسلوب يزيد في تعامله مع المعارضة، قمعيًّا ولا يوجد به معنى الرحمه، فلم يعط لكل مقام مقامه، فأهل المدينة سحقهم والحسين بن علي قتله، وكان سبيله الوحيد للتعامل مع المعارضة هو القمع المباشر، دون أن يكترث، فأسرف بالقتل والتنكيل هو وجنده، تمامًا كما يسرف الطغاة اليوم.

رأي العلماء في يزيد

قد كان يزيد، من أكثر الخلفاء الذين انتهكوا ما حرمه الله فبدأ خلافته بقتله لحفيد رسول الله، وختمها بقتله لأهل المدينة في وقعة الحرة.

قال الإمام الذهبي: «ويزيد ممن لا نسبُّه ولا نحبه وله نظراء من خلفاء الدولتين، وكذلك في ملوك النواحي، بل فيهم من هو شر منه، وإنما عظم الخطب لكونه ولي بعد وفاة النبي – صلى الله عليه وسلم- بـ49 سنة، والعهد قريب والصحابة موجودون كابن عمر الذي كان أولى بالأمر منه، ومن أبيه وجده.

افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين، واختتمها بواقعة الحرة، فمقته الناس، ولم يبارك في عمره، وخرج عليه غير واحد بعد الحسين كأهل المدينة قاموا لله وابن الزبير».

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «افترق الناس في يزيد بن معاوية بن أبى سفيان ثلاث فرق، طرفان ووسط.

فأحد الطرفين قالوا: إنه كان كافرًا منافقًا، وأنه سعى في قتل سبط رسول الله تشفِيًّا من رسول الله وانتقاما منه، وأخذًا بثأر جده عتبة وأخي جده شيبة، وخاله الوليد بن عتبة، وغيرهم ممن قتلهم أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم- بيد علي بن أبي طالب وغيره يوم بدر وغيرها. وأشياء من هذا النمط، وهذا القول سهل على الرافضة الذين يكفرون أبا بكر، وعمر، وعثمان؛ فتكفير يزيد أسهل بكثير.

والطرف الثاني: يظنون أنه كان رجلًا صالحًا وإمامًا عدلاً، وأنه كان من الصحابة الذين ولدوا على عهد النبي وحمله على يديه وبرَّك عليه. وربما فضَّله بعضهم على أبي بكر، وعمر، وربما جعله بعضهم نبيًّا…

وكلا القولين ظاهر البطلان عند من له أدنى عقل وعلم بالأمور وسِيَر المتقدمين، ولهذا لا ينسب إلى أحد من أهل العلم المعروفين بالسنة، ولا إلى ذي عقل من العقلاء الذين لهم رأي وخبرة،

والقول الثالث: إنه كان ملكًا من ملوك المسلمين، له حسنات وسيئات، ولم يولد إلا في خلافة عثمان، ولم يكن كافرًا، ولكن جرى بسببه ما جرى من مصرع الحسين، وفعل ما فعل بأهل الحرة، ولم يكن صاحبًا ولا من أولياء الله الصالحين، وهذا قول عامة أهل العقل والعلم والسنة والجماعة».

وقال الإمام أحمد بن حنبل نقلًا عن ابنه صالح «قلت لأبي: إن قومًا يقولون: إنهم يحبون يزيد، فقال يا بني وهل يحب يزيد أحدٌ يؤمن بالله واليوم الآخر! فقلت يا أبت فلماذا لا تلعنه؟ فقال: يا بني ومتى رأيت أباك يلعن أحدًا».

وسيبقى يزيد، محل الخلاف فيه من قبل الناس إلى قيام الساعة. فمنهم من قدسه كاليزيدية، ومنهم من لم يسبه ولا يحبه، ومنهم من يكفره ويشتمه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد