الذاكرة هي شريحة تخزن المعلومات والصور والذكريات، ولكن ما خزنته الذاكرة لعام 2020 مختلف عن الاعوام السابقة؛ لأن عام 2020 حمل بين صفحاته وثناياه سلسلة من الكوابيس لم تكن على المستوى الفردي ولا حتى الإقليمي ولا أيضًا الدولي، لأن ما مررنا به في عام 2020 لن يشبه ما قبله، وهل يجب علينا التأقلم مع الواقع الجديد؟

في نهاية عام 2019 كان هناك توقعات بأن عام 2020 لن يحمل بين صفحاته إلا زيادة في الصدامات الدولية، وكان منها أن هناك حربً عالمية ثالثة بين التنين الصيني والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها بسبب صعود الصين، وتقديرات لتصدع كيانات واستحداث كيانات جديدة، واندلاع ثورات في المنطقة العربية، وصراع بين الدول على موارد المياه والغاز، لأن عدد البشر في تزايد وبقعة الأرض كما هي، وظهور البلطجة والابتزاز على شكل العلاقات الدولية وهي ظاهرة غير عقلانية، ولكن كل هذا ولم نكتف لأنه ظهر ما لم يكن بالحسبان، وهو وباء كوفيد-19؛ مما أدى إلى انهيار في النظام الصحي على مستوى العالم، ولم يفهم العالم بأنه يتعامل مع حالة نادرة كانت السبب في نشر الفزع والخوف بين الناس، وليس هناك أي سياسة للتعامل مع هذا المرض غير إغلاق الدول على نفسها؛ مما سبب انهيارًا للاقتصاد، وبعد النصف الأول من العام 2020 وانتشار الفيروس في كل العالم لم ينجح الإغلاق في عدم تفشي الفيروس، واتجهت كل الدول المتقدمة منها إلى إجراءات حادة غيرت شكل الحياة المعتادة. واستدعت إلى الذاكرة مراحل التاريخ الصعبة مثل الإنفلونزا الأمريكية التي ظهرت، وكان على سكان العالم أن يلزموا منازلهم أو يقبلوا بمناعة القطيع، فكان على الجميع الحفاظ على المسافات بينهم أفرادً ودولًا، حتى حملت المرحلة شعار «التباعد».

فعلى الرغم من تطور البحث العلمي والاهتمام به والتقدم في مجال الطب، لم تجر محاصرة الوباء وإنقاذ العالم بلقاح أو مصل، مما أشاع الأفكار الفلسفية والخرافات والتآمرية من طرح مجموعة من الأسئلة الوجودية داخل المجتمعات وسيكون التعامل معها صعبًا حتى بعد التوصل إلى لقاح أو مصل.

فلهذا يجب تغيير طريقة التفكير في التعامل مع المحن، لأن التفكير فيما لا يمكن التفكير فيه أمر واقعي تمامًا في وقتنا هذا، وهناك قصة أكاديمية طويلة، تتعلق بتجاوز مجرد تطوير مناهج تنبؤ ما لا يمكن تنبؤه، فكل شىء يمكن أن يكون سببًا لإعادة العالم إلى الخلف أو سببًا في توقف كامل للحضارات من بداية التعليم حتى الطيران والوصول إلى الفضاء، واذا تتطلب منا ضرورة أن نفكر في الطريقة التقليدية القديمة بأن دائمًا هناك بجعة سوداء فلا بد أن نبحث عن بجع أبيض؛ لأن القواعد خلال الفترة السابقة تغيرت وأصبحنا نستخدم مصطلحات لا تستخدم إلا في الجغرافيا وعلوم الفضاء، الكرة الأرضية بدلًا من العالم، بسبب جائحة كوفيد-19 مع عدم الأمن.

العلم هو الذي سيجد حلولًا للمشكلة مع وجود أفكار فلسفية بأن المنح تخرج من المحن، ولكن هل من المنطق بأن الأمور ستعود إلى ما كانت عليه سابقًا أو نحو أوضاع عادية، مع توقع غير المتوقع طوال الوقت، والاستعداد له، مع جائحة كوفيد-19 هناك قطاعات تأثرت بما شهد العالم، وقطاعات تكنولوجية أخرى أفضل فتراتها، هل من الممكن بأن عقول الأشخاص وقيـم المجتمعـات وحالة البيئة أكثر توازنًا، إن ما أريد أن أصل إليه أن كل شــيء قد تغير، وإذا كانت نظم التعليم أو العمل وغيرها قد تغيرت فماذا علينا أن نفعل مع ما تحمله الذاكرة لهذا العام ونحن ذاهبون باتجاه عام جديد؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد