أعلن دونالد ترامب نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى مدينة القدس معترفًا بذلك أنّها العاصمة الأبدية لليهود. محققًا بذلك الوعد الذي وعد به اليهود قبل عام. مدينة القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلّم إلى السماء في ليلة الإسراء والمعراج، هل سيتركها المسلمون العرب كما تركوا دمشق وبيروت والقاهرة وصنعاء.

ثمانٌ وستون سنة مضت على إعلان قيام اسرائيل ومباركة أمريكا لهذا القرار بموافقة رئيسها آنذاك هاري ترومان. في مايو (أيار) 1948، قبل الإعلان، اتصل ترومان بوزير خارجية إسرائيل بن غوريون وحاول إقناعه بتأجيل القرار، ولكن بن غوريون عزم على الاستمرار وحدث بينه وبين ترومان لقاء خَلُصَ إلى إقناع ترومان بالموافقة على قيام دولة إسرائيل، لكنّ بن غوريون لمّح في مقابلة متلفزة أنّ أوّل حاخام في إسرائيل «حاييم هرتسوغ»، قال لترومان قبل أسابيع من الإعلان: «لقد وضعك الله في رحم أمك حتى يتمكن الشعب اليهودي من القيام بدولة». بعدها خرج ترومان ببيان عام يعترف باستقلال دولة إسرائيل.

مرّر الكونغرس الأمريكي قوانين منذ عام 1995 يُعلن فيها أنّ القدس عاصمة أبدية لإسرائيل وطلب من السفارة الانتقال إلى القدس، لكن الرؤساء الذين توالوا على السلطة (بيل كلينتون، جورج بوش الابن ثم أوباما) لم يُصادقوا على هذه القوانين، بل كان لهم أدوار أخرى مهّدت للاعتراف بالقدس كعاصمة لليهود.

مايك بنس نائب ترامب ومن الحزب الجمهوري – نفس حزب ترامب – قال في كلمة له في 23 مارس (آذار) 2010 (موجهًا الكلام للرئيس الأمريكي باراك أوباما) في الكونغرس الأمريكي بعد لقائه لبنيامين نتنياهو «أحث الرئيس على وقف كل هذا الحديث عن المستوطنات في القدس، والبدء في التركيز على منع التهديد والإرهاب النووي الإيراني المتزايد. الشعب الأمريكي والكونغرس الأمريكي يقفان كجزء واحد لدعم دولة إسرائيل».

وفي كلمة أخرى لبنس موجهة للشعب اليهودي في 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 قال: «دونالد ترامب وإنا نقف مع إسرائيل لأن كفاح إسرائيل هو كفاحنا، ولأن قضية إسرائيل هي قضيتنا، نقف مع إسرائيل لنفس الأسباب التي يقف بها الناس الطيبون في كل مكان مع إسرائيل، نقف مع إسرائيل لأن قضيتها عادلة، ولأن قيمها هي قيمنا ولأن مصيرها هو مصيرنا. إسرائيل لا تُعتبر فقط حليفنا الأقوى في المنطقة، وكما قلت لسنوات عديدة، إسرائيل هي أعز حلفائنا في العالم».

في 20 يناير (كانون الثاني) 2017 استلم دونالد ترامب الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية وأخذ الجزية من الحكّام العرب ورقص رقصة المُنتصر معهم، ثم توجّه لينال رضى حاخامات إسرائيل كما نال ترومان رضى الحاخام هرتسوغ، وبعد سنة تقريبًا في 06 نوفمبر (كانون الأول) 2017، كان لا بد أن يقف مايك بنس برفقة دونالد ترامب في لحظة إعلان نقل السفارة والاعتراف بالقدس كعاصمة لدولة إسرائيل.

لماذا لم يُعلن عن الاعتراف بالقدس كعاصمة لدولة إسرائيل المزعومة في سنوات مضت؟ لماذا هذا الوقت بالتحديد؟

لقد كانت هناك مقدّمات لإعلان هذا القرار وأوّلها بسط النفوذ الإيراني لسيطرته من طهران مرورًا ببغداد ودمشق ثم بيروت. إيران في العلن هي عدو لأمريكا وتطلق شعارات خلّبية من تحرير القدس والموت لإسرائيل، ولكن هي في الحقيقة تمهّد الطريق للوصول إلى حلم إسرائيل الكبرى (من الفرات إلى النيل). وثانيًا تمهيد روسيا لهذا الإعلان بالسيطرة على كل شيء في سوريا ما عدا مناطق نفوذ إيران، حيث تعتبر روسيا من المُنفّذين لمخططات أبناء صهيون على الأرض.

تتوالى النّكبة ثم النّكسة إلى أن وصلنا للضّياع، فكلّ الدول المشاركة في قمع الثورات العربية في كل من (تونس وليبيا وسوريا واليمن ومصر والعراق) نزلوا إلى ساحة المعركة بحجّة القضاء على الإرهاب. وكان من بين هذه الدول التي أخمدت الثورات دولٌ عربيةٌ والدليل على ذلك تصريحات نتنياهو التي أدلاها بعد قرار ترامب فقال: «إنّ هناك رغبة كبيرة لدى الدول العربية للاعتراف بإسرائيل. وأن هناك رغبة شعبية عربية ببناء علاقات معنا».

لم أرَ دولة عربية أو حاكمًا عربيًا وقف موقفًا يشهد له التاريخ. كلها تنديدات وتحذيرات وكلام لا يسمن و لا يغني من جوع. وعلى كل الأحوال فنحن باعتبارنا شعبًا عربيًا مُسلمًا فقدنا الأمل والرجاء منهم، فقسم منهم تابعون للغرب لا يقوى إلا على زوجته، والقسم الآخر باع عرضه وشرفه لأمريكا وإسرائيل.

وحتى على الصعيد الشعبي كانت ردود الأفعال مُخجلة، فهذا الذي يتحدّث عن الحلّ واسترجاع الحقوق تحت مظلة الشرعيّة الدوليّة، وذاك الذي يعوّل على الأمم المتحدة والقانون الدولي والضمير الإنساني والعالمي.

ما هي الشرعيّة الدولية أو القانون الدولي الذي تتحدثون عنه؟ وعن أيّ أمم متحدة، وعن أي ضمير إنسانيّ تتحدثون؟ هل تتحدثون عن شرعيّة المجازر بحق الفلسطينيين التي لا تحصى والتي قام بها اليهود في فلسطين؟ أم تتحدثون عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن والقانون الدوليّ الذي دافع عن اليهود على مدار 70 سنة وأكثر، وأبلغُ برهان الآن يحدث أمام أعيننا وأعين كل العالم والضمير الإنساني، وهو دفاع روسيا المستميت في مجلس الأمن واعتراضها 11 مرة طيلة سبع سنوات على قرار (فقط يُدين) بشار الأسد المُجرم؟ ماهي الشرعيّة التي تتحدثون عنها؟ لا أعرف بماذا تَهرفون.

لا تعوّلوا على أحد أيّها المسلمون وزلزلوا عروش الطغاة من حولكم. فلن تتحرر عقولكم ولن تتحرّر القدس وفلسطين وبلاد الشام وبلاد المسلمين إلا بعد زوال الطغاة الحاكمين لكم. فمعارك وغزوات الفيسبوك وهاشتاغات التويتر لا تُحرّر القدس، واجعلوا قضية القدس وفلسطين قضيّة إسلامية حتى تتحرر، وانهجوا نهج الخليفة عُمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما دخل مدينة القدس عام (14 للهجرة – 636 للميلاد) بعد أن انتصر الجيش الإسلامي بقيادة أبي عبيدة بن الجراح، وتسلّم عُمر المدينة بنفسه، فكتب مع أهل الذمة «العُهدة العُمرية» وهي وثيقة منحتهم الحرية الدينية، وغيّر اسم المدينة من «إيلياء» إلى القدس، ونصّت الوثيقة ألا يُساكنهم أحد من اليهود. هذه هي المعارك الحقيقية والعهود التي تُحرّر القدس وتحفظ كرامتها.
واحذروا أيها العرب المسلمون من شرٍ قد اقترب، فهذه الخطوة التي أقدم عليها ترامب ستتبعها خطوات أخرى سوف تقتل رجالكم وتستحيي نساءكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد