قد تأخذك بعض كلماته إلى مكان آخر في هذا العالم، زمان يختلف عن ما نعيش فيه، تلك التفاصيل الدقيقة والتي تجعلنا نشعر وكأننا قد انتقلنا إلى زمانٍ غير زماننا، وأصبحنا نجلس إلى جواره على «سطح» أحد الأبنية القديمة المتهالكة، والصامدة في الوقت نفسه في حي السيدة زينب، الذي ينتمي إليه الكاتب «يحيى حقي».

قوة ألفاظه وبراعته في تصوير الأحداث، ووصفها بكل دقة جاء جليًا في مجموعته القصصية «سارق الكحل»، والتي تكونت من 4 قصص هي: «كأن – سارق الكحل – امرأة مسكينة – الفراش الشاغر»، وهي تنتمي إلى الأدب الاجتماعي الساخر.

قد يخفى على البعض المعرفة الكبيرة بحياة الكاتب «يحيى حقي» ونشأته في حي السيدة زينب، أحد أعرق أحياء القاهرة القديمة، وربما ظهر ذلك في سرده لتفاصيل كثيرة من واقع الحارة المصرية القديمة، وسط جدرانها التي حملت عبق التاريخ وأصالته، وبين شجن دافئ يظهر كلما تذكرت شوارع الحي، أو رأيت مبانيه الصامدة أمام الزمان، وبعد عمله بالمحاماة، اتجه إلى العمل مديرًا لدار الكتب، ورئيس تحرير مجلة «المجلة» لثماني سنوات كاملة، وهذا ربما يظهر مدى ثقل موهبته الأدبية، وحُجته ولغته العربية القوية؛ التي جعلته يصيغ ما يُريده بأدق وأصدق وأقوى العبارات، فكانت مصدر قوة في سرده للأحداث وتفصيلاتها، وإن غلب عليها النقد لما حوله من أحداث وشخصيات، ليمتزج هنا القاص والناقد، ويظهر ذلك كله في عمل واحد يعبر بكل تفاصيله عن واقع الحياة آنذاك.  

وقد تطرق الكاتب في مجموعته إلى عدة نقاط هامة، ربما كان أبرزها تلك التي تضمنتها القصة الثانية «سارق الكحل»، والقصة الثالثة «امرأة مسكينة»، حيث شغل فيها حيزًا كبيرًا من اهتمامه بالمرأة المصرية، ودورها المؤثر في مختلف نواحي الحياة؛ سواء إن كانت أمًا أو زوجة أو ابنة أو حتى جدة، فقد ظهر ذلك جليًا في قصته «امرأة مسكينة»؛ والتي تتحدث عن «فتحية» تلك السيدة التي تعرض زوجها لوعكة صحية، ودخل على إثرها المشفى، ورغم عدم تحديد الكاتب لسبب الوعكة التي تعرض لها «فؤاد» بطل القصة، إلا أنه جعل القارئ يعيش مع حياة «فتحية» بكل تفاصيلها اليومية ومشكلاتها، بداية من علاقتها بزوجها ووقوفها إلى جواره، حتى استطاع الحصول على وظيفة مرموقة، وعودة ميراثه بحكم قضائي، وعلى الرغم من خيانته لها، إلا أنها ظلت ترعاه وتسعى إلى تحسن حالته، بل إنها قررت العمل؛ لتستطيع كسب قوتها، وقوت ابنتها، ورضيعها، وحماتها التي تسكن معهم في البيت نفسه، ولم تكتفِ بهذا بل إنها أظهرت نجاحًا كبيرًا في عملها؛ جعلها محط إعجاب الكثيرين من زملائها، وربما حقد وحسد بعضهم، فهي بصمودها وشخصيتها القوية، حملت على عاتقها رعاية أسرتها، بل وتحقيق طموحها من خلال عملها الجديد.

كما أنه لم يغفل دور «آمال» تلك الفتاة الصغيرة ابنة «فتحية»، والتي تحولت – رغم صغر سنها – إلى أم لأخيها الرضيع «ميمي»، حتى أنها أخذت ترعاه في أوقات غياب والدتها.

فهو في كل هذه الحالات يرى قوة المرأة وشدتها، حنانها وعطفها، رومانسيتها وأنوثتها، مُظهرًا بكل هذا مدى إعجابه بدور المرأة الهام في الأسرة وانحيازه لها، وربما ظهر هذا متناقضًا بعض الشيء في اختياره لعنوان قصته «امرأة مسكينة» رغم أنها ليست كذلك، في محاولة منه لتأكيد قوتها وصمودها وليس عجزها وضعفها، فهي لم تجلس في منزلها حزينة باكية على ما أصابها، بل تمردت على هذه الحياة، وتحملت المسئولية في الوقت الصعب.

أما في قصته الثالثة «سارق الكحل» فالأمر لم يختلف كثيرًا عن سابقتها رغم اختلاف أحداث القصة وأبطالها؛ فالبطلة هذه المرة كانت الزوجة المحبة لزوجها إلى أبعد الحدود، كانت «وجيهة» تلك العروس التي سكنت الطابق العلوي من منزل راوي هذه القصة، وزوجها «مصطفى» العاشق الحالم الذي أحب زوجته كثيرًا، بصورة أظهرها الكاتب كقصص الحب الأسطورية الخالدة، وحتى بعد موتها حزن عليها حزنًا شديدًا، إلا أن حزنه لم يدم طويلًا، لتمر الأيام وينسى «مصطفى» حبه لـ«وجيهة»، ويتزوج بأخرى.

ورغم التسلسل المنطقي في أحداث القصة، إلا أن الكاتب أظهر براعة حقيقية في وصفه الدقيق لكل المشاعر والأحاسيس التي يكنها كلا الطرفين للآخر، من نظرات «مصطفى» لـ«وجيهة»، التي تكاد أن – تأكلها بعينيه على حد تعبيره – وأيضًا حالته حين يعود مسرعًا إلى المنزل للقاء «وجيهة»، ونزوله المتعثر على الدرج حتى يكاد أن يسقط على وجهه وهو ملتفت إليها، وحتى في استخدامه لجملة: «الأعمى يتبين أنهما واقعان في حب عنيف»، جميعها كانت تبرهن على هذه العاطفة الجياشة من «مصطفى» لزوجته، وهو لم يغفل أيضًا إظهار حب «وجيهة» عندما استخدم جملة: «من أجله وحده ابتسامتها، فإن غاب غابت»، ولكنه عاد ليظهر أيضًا تعاطفه مع المرأة، وكيف أظهر زواج زوجها من غيرها بخيانة لها حتى بعد موتها، وفيه تعمد تكرار بعض الجمل لإظهار هذا التناقض في شخصية الرجل الذي ماتت زوجته، ولكن رغم هذا كله لم يخفِ حقيقة هذه الحياة، وإنها لا بد أن تستمر، وأيضًا تصويره لصورها المتعاقبة من أفراح وأحزان، فلا عجب أن نسمع الزوج المكلوم بالأمس، يأتي متهللًا فرحًا اليوم ليقول لجاره: «بذمتك أرأيت يا عم كم هي جميلة.. زوجتي القطقوطة؟»، فتتحول بقدرة قادر منيته في الحياة من أن يتزوج شقراء، إلى زواجه من سمراء.

قد يرى القارئ أن القصتين الثانية والثالثة قد افتقدتا نوعًا ما إلى التشويق والمتعة الفنية، فالقصتان ليستا بالقوة الفنية من الناحية السردية والحبكة، حيث إن الكاتب أظهر فقط  نماذج نراها في حياتنا كل يوم، دون خلق ما هو جديد أو غير مألوف لنا، إلا أن الاختلاف الحقيقي بهاتين القصتين يكمن في اهتمامه بالتفاصيل الدقيقة، التي تجعلك تشعر وكأنك تعيش مع أبطال القصة، وأنك قد أصبحت جزءًا منها، رغم أن الإسهاب في استخدام تلك التفاصيل وهذه المصطلحات، وحتى الدارجة منها قد يخل بتفاعل القارئ وتأثره بالأحداث، ولكنه على صعيد آخر يعطي للعمل وزنًا وقيمة أدبية كبيرة، فقد برع حقيقة في وصفه للحارة المصرية ومبانيها وطرقاتها، وحتى هيئة قاطنيها.

وعلى اختلاف كبير عن ما جاءت به القصتان السابقتان من الوضوح والبساطة والسلاسة في سرد أحداثها وأفكارها، بل ربما معانيها المباشرة الزائدة عن الحد في بعض الأحيان، تأتي على النقيض تمامًا القصة الأولى «كأن»؛ وكأن الكاتب هنا أراد أن ينقلنا من حالة القراءة والتمعن في المعاني والأحداث والتعجب لأحوال الدنيا – كما حدث في القصتين السابقتين -، إلى حالة أخرى تشعر فيها وكأنك تائه بين سطورها، وكأنه قذف بك إلى بحر من الغموض واسع لا نهاية له، قد يجد البعض من الناس في هذا الغموض الذي أحاط بالقصة تشويقًا يجعل من قراءتها متعة كبيرة، وتحديًا آخر له؛ ليفهم حقيقة ما يرمي إليه الكاتب من كلماته، وربما يشعر البعض الآخر بالضجر ويمل من سطرها الأول، ولكن حقيقة ما تتميز به هذه القصة هو إظهار ذلك الجانب النفسي لطبيعة الإنسان البشرية؛ هروبه من الواقع والغوص في تفاصيل الماضي، ليصور لنا المشهد، وكأن شيئًا ما قد ربطه بذلك المجرم الواقف خلف القضبان بداخل قاعة المحاكمة، ذلك الحبل الذي يربط بين ماضيهم وما تبقى من مستقبلهم، وتسرد القصة أيضًا أحاسيس دفينة متخبطة، ومشاعر مضطربة لذلك المجرم، بسبب نشأته غير السوية، من خلال علاقته بأخيه ووالديه، ورغم صعوبة تقبل القارئ لها في بعض الأحيان، وعدم فهمه لها من الوهلة الأولى، إلا أنها تخلق حالة من التفاعل ربما بالنقد السلبي لها، أو بالإعجاب بمحتواها، وتحمل معها تساؤلات كثيرة للقارئ تجعلنا نستغرق في قراءتها لنصل إلى المغزى الحقيقي لها.

وعلى النقيض تمامًا عن كل ما سبق، تأتي القصة الرابعة والأخيرة «الفراش الشاغر» لنترك معها كل المنطق ونذهب معها في رحلة إلى النفس البشرية، محاولين معها التمعن في هذا الحس الإنساني الكبير الذي تدرك معه، وبمرور الوقت أنه ربما كان عليك الجلوس والنظر قليلًا لما هو حولك؛ لتفهم حقيقة هذه الدنيا كما وصفها الكاتب لبطلنا.

القصة اختلفت تمامًا عن باقي المجموعة القصصية؛ لأنها جمعت بين الغموض في البداية بسبب اختياره لبعض الألفاظ العميقة مثل قصته الأولى، والتي جعلتها تبدو مثل الأحجية، حيث يحاول القارئ معها جمعها لتتكون أمامه الصورة كاملة، وبين السرد الأدبي الواضح المعالم، من خلال عرضه لحياة شاب قرر التمرد على كل شيء في هذه الحياة، حتى حياته ودراسته وعمله، ويختار طريقًا جديدًا يثير الكثير من التساؤلات لديه، هل هؤلاء الأحياء ما هم إلا أموات يتحركون وهم موتى بداخلهم؟ وهل يذهب الموتى إلى عالمهم الآخر؛ شوقًا لخالقهم، أم هروبًا من هذه الدنيا التي ضاقت بهم؟، وفي النهاية يقرر أن يذهب إلى حيث يسوقه قلبه مهما كانت غرابة أو قسوة الطريق الذي انتهى إليه؛ حيث إن تلك اللذة التي يشعر بها حين يقوم بتغسيل أحد الموتى، أو حين يراه ممددًا أمامه، وينظر إليه متمعنًا في ملامحه وهيئته، هي كل ما يريد على حد وصف الكاتب، ولذا فقد استقر على أن يمضي قُدمًا في هذا الطريق الذي وجد فيه نفسه؛ ليدرك معه حقيقة ما حوله.  

ولم يغفل الكاتب في هذه القصة أيضًا عن التطرق إلى حياة أبناء هذا الحي الفقير والبسيط، الذي ألقى بظلال بؤسه على أهل سكان شارع «الريحان» الفقراء، وتعمقه في وصف معاناتهم المادية والنفسية، والحياة التي ضاقت بهم؛ ليصيبهم داء البخل المادي والمعنوي على أنفسهم، ومن حولهم؛ لتصبح الحياة لديهم عبثًا لا قيمة لها.

وتجلت هذه التشبيهات من خلال ذكره لتفاصيل المكان، ومبانيه القديمة، وأيضًا وصفه للشخصيات، وملامحها، وهيئتها، وملابسهم التي كانوا يرتدونها، وليزيد الأمر قتامة اختار أن يصور لهذه الحالة التي تبعث إلى انقباض القلب، ونفور النفس البشرية منها، عن طريق وصفه لصبي المعلم وهو يترك مدخل الدكان، ويدخل إلى قاعة شبهها بالكهف المظلم الذي تختنق فيه نظرات المارة، وأيضًا وصفه المفصل للدكان المجاور للحانوتي، وكيف أنه استغرق في وصفه  للباذنجان المخلل الذي يبيعه صاحب هذا الدكان قائلًا: «كل باذنجانة أجهضت بذر أمعائها، متفسخة بالية اهترأ لحمها»، فالكلمة هنا في مكانها، فهو يعرف متى يقول ماذا وكيف، وهي براعة من الكاتب هنا أيضًا.

وهو لم يغفل أيضًا عن تلك الحالة التي عشنا فيها معه من خلال ربطه بين عالم الموتى وعالم الأحياء؛ لترى الحياة معه صغيرة وضيقة كضيق النعش الذي يحملك إلى حيث مثواك الأخير، ونرى معه أيضًا كيف ارتبط بطل قصته بهذا العمل وبقي به حتى لحظاته الأخيرة؛ ليترك الفراش شاغرًا في نهاية المطاف ينتظر نزيله الجديد.

ومن المفارقات في كتابات «حقي» في هذه المجموعة القصصية؛ أن ظهر بطل قصته الأولى «كأن» في قاعة المحكمة ينتظر حكم القاضي، وكذلك في قصته الأخيرة «الفراش الشاغر» جاء فيها بطلها طالب بالحقوق بعد عدة اختيارات سابقة استقر بعدها على دراسة القانون وكأنه قد وجد ضالته، لنرى ربط «حقي» لدراسته للقانون وبين أبطال قصصه، وكيف أن بطل قصته الأخيرة تمرد على ما درسه، وعاش في تلك المقارنة بين حكم القانون الصادر بناءً على الأوراق، وبين الحكم النافذ الذي تصدره علينا الحياة ومصيرنا فيها، وتجلى هذا أيضًا في مدى إدراك البطل لحقيقة القوانين في الأرض، وربطها بالحياة والواقع، وكيف يمكن أن نغيرها طالما كانت قوانين من وضع البشر، وليست كلمات منزلة من عند الله تأبى التغيير أو التحريف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد