مينا الأصفر.. هكذا كانوا يلقبونه، إشارة إلى لون شعره الأصفر. مينا هو زميلنا في حصة اللغة الألمانية الخاصة في ثانية ثانوي التي كنا نتعاطاها عند مس “زيزيت” أو مس “زوزا”، مثلما كان “روماني عادل” يطلق عليها، وهو نفسه الذي أطلق لقب “مينا الأصفر” على مينا زميلنا في الحصة الخاصة.

مينا كان الضحية الذي شاء حظه العسر أن يقع في قبضة تلك الشلة ويزاملهم طوال ساعتين مرتين أسبوعين كل اثنين وخميس في حصة الألماني.

هكذا دائمًا تتكرر القصة في كل حصة خصوصي أو في كل فصل مدرسي. يصبح أحدهم مسيطرًا، شديد الثقة بالنفس، فاشلًا دراسيًا في أغلب الأحوال وحوله شلته ومساعدوه، والقليل من الضعفاء يصبحون هم الضحايا، والباقي من المحايدين.

هكذا كانت حصة الألماني مع الفارق أن المسيطرين “روماني عادل” و”بيتر إسحق” من المتفوقين دراسيًا وكرويًا، عتيدو الثقة بالنفس، مستواهم المادي عادي أو لنقل متوسطًا، أما “مينا” ولسوء حظه، ضعيف الشخصية إلى حد يدعو للرثاء، ضعيف المستوى دراسيًا، هادئ، لا يبدو عليه أنه يعي أصلًا معنى الثقة بالنفس، بالرغم من مستواه المادي الذي يبدو مرتفعًا، فهو الوحيد من بين أقراننا الذي يأتي إلى الحصة على ظهر سيارته الملاكي “فيات 128” حمراء.

أتخيل “مينا” وهو يلعن حظه العسر الذي أوقعه داخل تلك المجموعة التي تضم المتفوقين بالذات. ربما توقع من مس “زيزيت” اهتمامًا علميًا أكثر بتلك المجموعة فأراد أن يحظى بجرعة من ذلك الاهتمام. ربما، أو ربما لأن تلك المجموعة معظمها من المسيحين مما قد يعطيه شعورًا مفقودًا بالأمان. ربما.

أعتقد أن تلك الساعات الأربع أسبوعيًا كانت هي الجحيم بعينه لـ”مينا”، فمنذ أول دقيقة فور وصوله، والجميع يتناوب عليه بالسخرية، بالتلميح واللمز والغمز تارة، وبالصراحة الشديدة تارة أخرى، مستغلين كل فرصة تغيب فيها “زوزا” عن الدرس، ولسوء حظ مينا العسر أن “زوزا ” قد أنجبت ابنها البكر منذ أقل من شهر من بداية العام الدراسي، والطفل الرضيع يحتاج إلى دقائق من الرضاعة، تختلسهم “زوزا” من وقت الحصة لإرضاع الصغير، ويستغلهم “روماني” في إمتاع الجميع وتسليتهم على “مينا” وأمثاله، جاعلًا من مينا بطلًا للمسرحية الساخرة التي يقيمها في تلك الدقائق المعدودة، والتي تنتهي فجأة فور أن تفتح “زوزا” الباب لتعود لاستكمال الشرح مرة أخرى.

الحقيقة أن قلبي كان يكاد أن ينفطر ضيقًا على “مينا”، ليس حبًا فيه أو قربًا منه، وإنما لأنه كان “بيصعب” عليّ جدًا، لكني بالطبع كنت أتحاشى التدخل خشية أن يصيبي ما يصيبه فأشاركه الحمل ونصبح نحن الاثنان تحت نير سخريتهم اللاذعة، أو ربما لأني كنت أستمتع بما يحدث بالرغم من ضيقي، فأجد ابتسامة أو ضحكة قد تسللت إلى شفتيّ خلسة فور سماع “إفيه” محترم يطلقه روماني بصوته العالي الرنان على مينا.

أما “جورج” صديق عمري كان يصيبه ما يحدث بالغثيان، لكرهه الشديد للطبقية والسخرية من ضعف الضعفاء، وبالرغم من تفوق جورج علميًا وقوة شخصيته، إلا أني لم أره مرة واحدة يبتسم على ما كان يحدث، بل يقلب شفتيه تبرمًا وغيظًا، لكنه مثلي كان سلبيًا لم يتدخل ولو مرة لإنقاذه من براثن الوحوش الكاسرة روماني وبيتر.

مرت الأيام وانتهت حصة الألماني وانتهت ثانوية عامة بدون رجعة، وكما كان متوقعًا، التحق الثلاثي المتفوق “روماني” و”بيتر” و”جورج” بكلية الطب، أما “مينا” الأصفر فقد التحق بالحقوق على “قد” مجموعه الهزيل، ومرت سنوات لم نسمع فيها أي أخبار عن مينا الأصفر، أما الثلاثي جورج وروماني وبيتر فلا يزالون يرزحون تحت نير الطب وسنواته السبع.

حتى حدثت المفاجأة ورأيناه صدفة في سيارته الفارهة التي تحمل شعار النيابة العامة.

نعم وياللصدمة، لقد تخرج مينا الأصفر في كلية الحقوق وأصبح وكيلًا للنيابة العامة، والثلاثي المتفوق لا يزال في كلية الطب، علمنا بعدها من أحد أقربائه أن مينا هو الابن الذكر الوحيد لأب وأم يعملان في الطب منذ أمد، وعمة وعم يعملان في الطب ويحققان شهرة عالية لم يرزق أحدهما بأبناء على الإطلاق، ليصبح مينا الأصفر هو الوريث الوحيد لكل هؤلاء، ألحقه والداه بالنيابة العامة بعد دفع المعلوم الذي كان وقتها مائة وخمسين ألفًا والعهدة على الرواي.

مرت الأيام طويلة، وتخرج الثلاثي جورج وبيتر وجورج، وتعين الاثنان الأولان في محافظتهم طبقًا لتقدير التخرج، أما جورج ولحظه العسر التحق بالعمل كطبيب ممارس في مستشفى هزيل في إحدى قرى سوهاج بمرتب لا يتجاوز الثلاثمائة جنيه على أفضل تقدير.
ذات ليلة شديدة السواد انزوى فيها القمر، وفي منتصفها تقريبًا دوى صوت صراخ وعويل نساء كثيرات في تلك المستشفى الصغيرة المترامية على أطراف القرية، ابنهن أصيب في حادثة وهاهم يهرعون به إلى المستشفى أملًا في إنقاذه.
ولسوء الحظ كان جورج هو الطبيب المناوب في تلك الليلة.

هب جورج كالمعتاد محاولًا إنقاذ الطفل لكن الإصابة كبيرة والأمر يحتاج تدخلًا جراحيًا مباشرًا في مستشفى لا يوجد بها ولا مخدر ولا خيوط طبية ولا محاليل، والأهم أنه لا يوجد طبيب تخدير مناوب، نصح جورج الأهل أن يسرعوا إلى مستشفى سوهاج العام لإنقاذ الطفل ربما يجدون العون هناك، لكنهم بالطبع هاجوا وماجوا متخيلين أنه يقصر في عمله. اتصل جورج بمدير المستفى الذي أيده في قراره ونصحه أن يحاول تهدئة الأهل المذعورين، وبالفعل بعد الكثير من الصياح والتهديد لم يجد الأهل مفرًا من الذهاب إلى المستشفى العام، وقد حدث وتم إنقاذ الطفل.

جورج عسر الحظ منذ أن عرفته، ساخر طوال الوقت من الظروف المحيطة، سياسي من الطراز الأول، مثقف بدرجة تكاد أن تكون خطرًا عليه، لكنه كما ذكرت عسر الحظ أغلبه.

ويشاء القدر أن يكون عم الطفل المصاب موظفًا في النيابة العامة، مجرد موظف. في اليوم التالي لحادثة الطفل يستلم جورج استدعاءً للتحقيق في الواقعة المتهم فيها بالتقصير من عم الطفل المصاب.

يقف وكيل النيابة “بألاطة” محدثًا جورج: إيه يا “كورج” (ساخرًا من الاسم متعمدًا عدم وضع ألقاب)، مزعل أستاذ “فلان” ليه؟ – هكذا أصبح موظف النيابة حامل الدبلوم أستاذًا أما خريج الطب ونائب طب العظام وطالب الماجستير فأصبح مجرد “كورج”.

شرح جورج الموقف مفصلًا، وطلب شهادة مدير المستشفى الذي اتصل به جورج لاستشارته فتملص من الأمر خشية المسئولية كعادة المسئولين في بلادنا، وهكذا أصبح جورج وحيدًا وأصابع الاتهام الرسمي تتجه إليه بالتقصير، محملًا بوكيل نيابة يرغب في “عمل الواجب” مع الموظف ابن بلده ودينه، وأسقط الأمر في يدي جورج.

اتصل جورج مستنجدًا بـ”روماني” الذي اتصل بدروه بـ”مينا بيه” طالبًا المساعدة، الذي اتصل بـ”ترتان بيه” وكيل نيابة سوهاج طالبًا منه إنهاء الموضوع بشكل ودي عشان “جورج” تبعه ويخصه، ولم يتوانَ “فلان” بيه في عمل الواجب مع “مينا بيه” بالرغم من عدم سابق المعرفة بينهم، لكنه طلب من جورج إما أن يعتذر ويعترف بخطئه لأستاذ “فلان” ويطلب منه السماح والعفو، وإما أن يبيت الليلة في الحجز مع المجرمين، وهذا أقصى ما يستطيع فعله خدمة وتحية لـ”مينا” بيه، وهكذا فعل “كورج”، واعتذر محنيًا رأسه عن خطأ لم يرتكبه، وقبَّل رأسه وأقفل الموضوع، بعدما انكسر كبرياؤه إلى الأبد.
إنه حقًا زمن مينا الأصفر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الأحداث والأشخاص الواردة في القصة السابقة خيالية ولا تمت للواقع بصلة، وأي تشابه بينها وبين الواقع هو محض صدفة
عرض التعليقات
تحميل المزيد