هل هي رسالة لماكرون على خلفية دعوته لإنشاء جيش أوروبي موحد؟

استفاق الفرنسيون في الساعة السابعة والنصف من صباح يوم السبت الموافق لـ17 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 على انطلاق إضراب حركة (السترات الصفراء – Les gilets jaunes)، التي أعلنت عن إقامة آلاف التجمعات في المناطق الفرنسية المختلفة، احتجاجًا على رفع رسوم المحروقات التي بلغت 20٪ تقريبًا منذ بداية العام، فضلًا عن الزيادة المُحسَّنة على ضريبة الوقود التي كان قد أعلنها الرئيس إيمانويل ماكرون – Emmanuel Macron مُؤخَّرًا. تلت الاحتجاجات العديد من التحليلات السياسيّة التي تباينت بين وصف الحركة بانتفاضة مجتمعية طبيعية على إجراءات الحكومة الصارمة، وبين آخرين اعتبروا أنَّ الحركة والاحتجاجات ما هي إلَّا رسالة صغيرة مُدبَّرة من قبل الولايات المتحدة على خلفية خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإنشاء جيش أوروبي موحد، داعيًا الدول الأوروبية إلى عدم الاكتفاء بالاعتماد على الولايات المتحدة، وذلك خلال مقابلة إذاعية بمناسبة الذكرى المئوية للحرب العالمية الأولى عبر إذاعة (أوروبا 1). ولمعرفة الأسباب والدوافع الرئيسة التي حركَّت السترات الصفراء نحاول في هذه المقال توضيح الأسباب والمحددات الأساسية التي ولَّدت الاحتجاجات الفرنسية.

 حركة السترات الصفراء.. من هم؟!

في البداية لا بد عن أن نستعرض نشأة حركة السترات الصفراء التي بدأت في عام 2018 عبر عريضة تم نشرها عبر الإنترنت ضد سياسات الحكومة الفرنسية المجحفة بحق الفرنسيين محققة ما يزيد عن 300 ألف توقيع بحلول منتصف أكتوبر (تشرين الأول)، تبعتها مظاهرات جماهيرية منتظمة بدأت في 17 نوفمبر، على خلفية الزيادة المتوقعة في عام 2019 في ضرائب الوقود، خاصة تلك التي فُرضت على الديزل موَّضحةً عبر منشور نشرته على صفحاتها باللغة الفرنسية مَفَادُه: نُشير إلى أننا لسنا جزءًا من أي منظمة (أو حزب سياسي)، هذه الاحتجاجات شعبية من الألف إلى الياء.

وقد سُمِّيَتْ الحركة الشعبية المناهضة لغلاء المعيشة في فرنسا بـحركة السترات الصفراء؛ لأن المتظاهرين يرتدون سُترات صفراء عاكِسة للضوء مُستَمَدَّة من قانون فرنسي دخل حيّز التنفيذ في 2008، يوصي جميع قائدي السيارات بحمل سترات صفراء مُميّزة وارتدائها عند الخروج على الطريق في حالات الطوارئ كجزء من معدات السلامة.

أثر ضرائب الوقود على الحياة المعيشية في فرنسا

دعمت الحكومة الفرنسية إنتاج محركات الديزل منذ خمسينات القرن العشرين عبر خفض ضريبة القيمة المضافة على الشركات المنتجة للسيارات مساهمة في انتشار سيارات الديزل في فرنسا، إلَّا أنَّ هذه السياسة لم تدم بعد انضمام فرنسا للاتحاد الأوروبي وإلى العديد من اتفاقات الحد من تغيُّر المناخ العالمي. لتَفرُض ضرائب مُضافة بالتزامن مع ارتفاع أسعار البنزين والديزل كضريبة الاستهلاك المحلي على منتجات الطاقة (TIPCE)، التي تطال الكميات المشتراة من المحروقات (وهي غير مرتبطة بسعر النفط العالمي) وتزداد هذه الضريبة على الديزل كل عام بهدف جعل ضرائبه أقرب إلى البنزين، بالإضافة إلى ضريبة القيمة المضافة المحسوبة على مجموع سعر شراء المحروقات بمعدل مستقرًا عند 20% منذ 2014، بعد أن كان 19.6% بين عامي 2000 – 2014.

وبذلك ارتفع سعر وقود الديزل، وهو الوقود الأكثر استخدامًا في السيارات الفرنسية، بنحو 23% خلال الأشهر الـ12 الماضية إلى متوسط 1.51 يورو (1.32 جنيه إسترليني، 1.71 دولارًا) لكل لتر، وهو أعلى مستوى له منذ أوائل العقد الأول من القرن الحالي. في وقت ارتفعت فيه أسعار النفط العالمية قبل أن تعود مرة أُخرى، إلّا أنَّ حكومة الرئيس الفرنسي ماكرون رفعت ضريبة الهيدروكربون هذه السنة بمقدار 7.6 سنت لكل لتر على الديزل و3.9 سنتات على البنزين، كجزء من حملة لاستخادام السيارات النظيفة والحد من الإعتماد على الوقود. كما نصَّ القرار بفرض زيادة إضافية قدرها 6.5 سنتًا على الديزل و2.9 سنتًا على البنزين في 1 يناير (كانون الثاني) 2019. مُلقيًا الرئيس الفرنسي اللوم من جهته على أسعار النفط العالمية كونها السبب في ارتفاع ثلاثة أرباع الأسعار. مُضيفًا: هناك الحاجة إلى مزيد من الضرائب على الوقود الأحفوري لتمويل استثمارات الطاقة المتجددة.

هل رفع الضرائب على سعر الوقود هو السبب الوحيد لاشتعال الغضب؟

في الحقيقة لا، فهناك عوامل رئيسة أُخرى تراكمية جعلت من حياة الفرنسيين صعبة على مر السنوات الماضية نذكر أهمَّها:

  1. ارتفاع معدل البطالة: عانت فرنسا من ارتفاع معدلات البطالة منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008 مثلما عانت دول الاتحاد الأوروبي الأُخرى، ولكن في الوقت الذي تحسنت فيه البطالة بالنسبة للدول الأوروبية الأخرى، استمرت الأزمة المالية في التأثير على إنتاجية فرنسا وقدرتها التنافسية، ففرنسا وفقًا للإحصاءات لديها رابع أعلى معدل للبطالة بين الدول الأوروبية بمعدل يقارب 10% والذي يلي كُلًا من اليونان وإسبانيا وإيطاليا، وأكثر من ضعف مستوى البطالة في ألمانيا وبريطانيا.
    كل ذلك جعل من قضايا البطالة من أهم العناوين الرئيسة التي تواجه فرنسا على طاولة الإصلاحات والوعود الحكومية وتسيَّدت العنوان الرئيس في البرامج الانتخابية الرئاسية لعام 2017، باعتبار البطالة المرتفعة المستمرة هي استنزاف للاقتصاد الفرنسي، فشبكات الأمن الاجتماعي التي يجب أن تستوعب العاطلين عن العمل ستنمو وتدعمها نسبة صغيرة من السكان. وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب أمر مثير للقلق بشكل خاص لأنه يعرقل تنمية المهارات وتراكم الثروة للجيل الذي ينبغي أن يدفع الاقتصاد في العقود المقبلة.
  2. تناقص القدرة التنافسية: على الرغم من أنَّ الاستثمار الأجنبي المباشر في فرنسا هو الأعلى منذ 10 سنوات عند 44 مليار يورو، – أي بزيادة قدرها 12 مليار منذ عام 2016 – وعلى الرغم من انخفاض عجز الحساب الجاري في فرنسا من 16.7 مليار يورو في عام 2016 إلى 13.1 مليار يورو (16.14 مليار دولار) في عام 2017، وهو ما يُرجع جزئيًا إلى أن عائدات السياحة الصحية التي ساعدت في تعويض فاتورة الطاقة الخاصة بالدول. إلَّا أنَّ فرنسا تُعاني من عجز في الحساب الجاري كل عام منذ عام 2006، ومرد ذلك إلى أنَّ فرنسا تستورد أكثر مما تصدره. ففي عام 2014، ولتلافي ذلك تم إطلاق نظام ائتمان ضريبة الرواتب لمساعدة الشركات الفرنسية على أن تكون أكثر قدرة على المنافسة، إلا أنها لا تزال تجد صعوبة في منافسة الشركات الألمانية. ولعلَّ ذلك مردَّه وفق ما أعلنته «رويترز» في تقريرها عن سبب تناقص القدرة التنافسية الفرنسية أنَّ العديد من الشركات الفرنسية لا تستطيع العثور على العمالة الماهرة الكافية لتلبية طلباتها؛ الأمر الذي يعوق من التعافي الاقتصادي.
  3. النمو البطيء: كان من المتوقع أن ينخفض ​​معدل النمو الاقتصادي في فرنسا من 2.3% إلى 1.7% في عام 2018 باعتبار أنَّ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في فرنسا ارتفع في السنوات الأخيرة بنسبة 1.85% لعام 2017 نتيجة تخفيض الحكومة للإنفاق. إلَّا أنَّ ارتفاع أسعار النفط واليورو القوي والتهديدات بحرب تجارية عالمية وعدم اليقين السياسي في أوروبا كان له عامل قوي في تباطؤ نمو البلاد. ففرنسا لديها قطاع عام كبير للغاية حيث تُمَثِّل الشركات 57% من الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي. إلَّا أنَّ حسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هذه الشركات الفرنسية تعاني من عبء ضريبي ثقيل من شأنه أن يحد من الحوافز للعمل والإنقاذ والاستثمار. فضلًا عن أنَّ الإنفاق الحكومي غير مستهدف بشكل كاف. فالدين الحكومي وصل إلى ما يقرب من 90% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ58% قبل عقد من الزمن؛ نتيجة ارتفاع نسبة الإنفاق الحكومي من الناتج المحلي الإجمالي على البرامج الاجتماعية والرعاية الاجتماعية مقارنةً بالاقتصاديات الرئيسة الأخرى؛ مما ولَّد الحاجة ماسة إلى المزيد من الأموال للسيطرة على الإنفاق العام.

على الرغم من أنَّ حركة السترات الصفراء حسب ما أُعلن أنَّها لا تملك قائد معترف به، ولا هيكل أو انتماء رسمي يوحّد الناخبين، في بلد غالبًا ما تتم إدارة احتجاجاته بإحكام بواسطة أحزاب سياسية أو نقابية. إلا أنَّ مجموع المواطنين انساقوا خلفها، ولعلَّ السبب يعود إلى فشل سياسة حكومة الرئيس الفرنسي ماكرون في استعادة ثقتهم، فالرئيس الفرنسي البالغ من العمر 40 عامًا انتُخب في العام الماضي بناء على تعهدات بتغيير وجه السياسة الفرنسية وخلق المزيد من الوظائف وتحسين حياة الناس. بما يمتلكه من الشباب، والطاقة، والرسالة الإيجابية لحزب سياسي جديد تمامًا، لا ينسجم مع اليمين ولا اليسار. وبدا أنَّه لا يحمل أي أمتعة سياسية. نظر إليه الكثيرون على أنَّه منقذ محتمل وصوِّتوا له بعد أن تعبوا من السياسيين المهنيين متطلعين لنوع مختلف من القادة. شخص يمكنه فهم مخاوفهم الاجتماعية والاقتصادية طويلة الجذور وتقديم حلول عملية واقعية. إلَّا أنَّ سياسته الفعلية كانت تُغرِّد باتجاه آخر متابعًا ذات البرنامج النيوليبرالي الذي اتبعه أسلافه في ثمانينيات القرن العشرين التي تسببت في إلحاق الضرر بالأفقر ومساعدة الأثرياء على أن يصبحوا أكثر ثراء.

ولعلَّ الافتقار إلى التعاطف لسياسات ملائمة للأعمال، والتطلع نحو ضرورة حماية البيئة ومكافحة تغير المناخ في وقت يعاني فيه المواطنين من تدني العدالة الاجتماعية،ساعد في تشكيل نظرة الشعب الفرنسي نحو ماكرون كسياسي متكبر ومتميز وصديق للأثرياء بعيدًا كل البعد عن قومياتهم العادية التي تكافح من أجل تلبية احتياجاتهم. معتبرين أنفسهم الخاسرين في عالم تهيمن عليه النخب الدولية الذين لا يبدو أنهم يهتمون أو يفهمون ما يمرون به جاعلًا من تجاهل ضريبة الوقود التي حاول فرضها على الأشخاص الذين يشعرون بالفعل بقلقهم الاقتصادي القشة التي قصمت ظهر البعير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد