وأخيرًا استقر الرئيس اليمني «عبد ربه منصور» في عاصمة الجنوب عدن، التي فر إليها في الـ21 من فبراير (شباط) العام 2015م، إثر الانقلاب عليه، ومحاصرته في منزله، من قبل القوى المدعومة من إيران، والتي يمثلها الرئيس اليمني المخلوع «علي صالح» وجماعة «الحوثي».

فرار هادي إلى عدن أعقبه فرار آخر إلى عمان، ومنها إلى السعودية في أعقاب الاجتياح اليمني الشمالي لعدن أواخر مارس (أذار) من العام ذاته.

ظل هادي الذي ينحدر من الجنوب، وتحديدًا من بلدة الوضيع في أبين، في السعودية التي دخلت حربًا لدعم الشرعية اليمنية ومنع التمدد الإيراني في المنطقة، وصدًا لنظام الملالي، وما يشكله من خطر على العرب والخليج، لأكثر من عام، قبل أن يعود أخيرًا إلى عدن، وهي العودة التي يبدو أنه سيستقر بعدها، خاصة في ظل التذمر السعودي من عدم جدية الحلفاء في شمال اليمن بالقتال ضد الحوثيين.

عودة هادي واستقراره في قصر معاشيق شكل بارقة أمل في إعادة بناء مؤسسات الدولة التي تعرضت للتدمير على يد قوى العدوان الشمالية اليمنية، كان الأول في منتصف العام 1994م أي بعد مرور أربعة أعوام على توقيع اتفاقية الوحدة بين البلدين الجارين، والعدوان الأخير الذي تعرضت له عدن، وكان أبشع من سابقه.

دمر العدوانان كل مقومات الحياة في عدن العاصمة التاريخية لليمن الجنوبي أو (الجنوب العربي)، فالكثير من مؤسسات الدولة دمرت، وأخرى سيطر عليها نافذون شماليون موالون للمخلوع صالح.

كثيرة هي المؤسسات الحكومية والصناعية التي غدت بعد يوليو (تموز) 1994م ملكًا للقيادات الشمالية.

بعد الحرب الأخيرة، وانتصار القوات الجنوبية على «مليشيات الحوثي» وقوات صالح المعتدية، ظن الجنوبيون أن تاريخًا وعهدًا جديدًا بدأت ترتسم ملامحه من عاصمة بلادهم، خاصة في ظل الدعم والاهتمام الذي توليه حكومة الإمارات العربية المتحدة لقطاعات الشرطة والأمن وتأسيس وحدات أمنية عسكرية في الجنوب.

في مساء الـ5 من يناير (كانون الثاني) الجاري، التقيت قياديًا عسكريًا في الجيش الوطني، جلست بالقرب منه في أحد المقاهي الشعبية بالشيخ عثمان، فوجئت أنها المرة الأولى التي أرى فيها ضابطا جنوبيًا يتجول بحرية بلا سلاح، باستثناء نجله الذي يحمل سلاحا آليًا ويجلس إلى جواره.

الكثير من الضباط الجنوبيين باتوا عرضة للاغتيالات والتصفيات، على يد عناصر مجهولة، يقول مسئولون «إنها مدعومة من قوى يمنية في صنعاء».

منذ العام 1992 والقيادات العسكرية الجنوبية والمدنية تتعرض لتصفيات على يد عناصر تصنف على أنها إرهابية، لكن تصفيتها للجنوبيين يضع قوى الشمال في دائرة الاتهام.

فالجنوبيون يعتقدون أنهم مستهدفون من الاغتيالات، حتى الرئيس هادي ووزير دفاعه «محمد ناصر أحمد» تعرضا لمحاولات اغتيال عدة في صنعاء، في حين أن لا أحد من القيادات والضباط الشماليين تعرض لعملية اغتيال.

اقتربت من الضابط وسلمت عليه، كان محرجًا مني؛ لأني تركته حتى الانتهاء من الطعام. قال لي دون مقدمات «الحمد لله! لقد أصبحنا نتذوق طعم السمك بكل حرية».

قلت له «ولكن البلد على ما يبدو لم يتحرر بعد، ألا تتفق معي في ذلك؟» أجاب «يا عزيزي هناك من يحارب الشرعية من داخل الشرعية، هناك وزراء وقيادات في الشرعية وفي قصر معاشيق يعملون للانقلاب أكثر مما يعملون للشرعية».

ثم أردف «ليس هناك في الجنوب أي ملامح لبناء مؤسسات عسكرية وطنية تحفظ الأمن والاستقرار، بل هناك من يريد إفراغ الجنوب من كل شيء، حتى يتسنى للقوات الشمالية التي تعد في مأرب إعادة السيطرة على الجنوب تحت ذريعة عدم وجود قوات أمن وجيش».

وتابع «قد لا تصدق لو قلت لك إن الشرعية ممثلة في الجنرال علي محسن الأحمر لا تدعم إلا وحدات عسكرية (في الجنوب) تدين بالولاء لإخوان اليمن». بصريح العبارة يقول «محسن يريد بناء جيش إخواني على غرار الحرس الجمهوري التابع لصالح، والهدف من هذا، ليس محاربة القوى الموالية لإيران، ولكن لكي يبسط سيطرته بشكل أقوى على منابع النفط في الجنوب».

يؤكد «أن الدعم الذي تقدمه الإمارات العربية المتحدة، تنقصه الأمانة لدى القيادات والمسئولين في الجنوب، ناهيك عن أن أطرافًا لا تريد بناء وحدات أمنية حقيقية في الجنوب».

دعم كبير قدمته حكومة «أبو ظبي»، لكن وفقًا للكثير من القيادات العسكرية، فإن هذا الدعم يواجه مشكلتي الفساد وعدم الرغبة لبعض القوى في بناء جيش وأمن وطنيين.

حاولت الإمارات بشتى الوسائل بناء وحدات عسكرية أمنية، قبل أن تلجأ إلى تشكيل وحدات الحزام الأمني، وهي القوة الوحيدة التي استطاعت تحقيق انتصارات على العناصر الإرهابية، وباتت تعمم في معظم المدن الجنوبية،لكن هذه القوات تتعرض لحرب إعلامية من قبل جماعات تنتمي لحزب الإصلاح يتزعمها نائب الرئيس اليمني، فهذه الوحدات الأمنية باتت تثير غضبهم، الأمر الذي جعل السياسيين يشيرون بأصابع الاتهام إلى وقوف الأحمر وراء الجماعات الإرهابية التي تضرب مدن الجنوب.

مساعٍ حثيثة تقوم بها قيادات عسكرية وأخرى من المقاومة لتأسيس وحدات عسكرية، لكن عملية التشكيل سرعان ما تتعرض لهجمات، حيث قتل وجرح المئات من العسكريين في هجمات انتحارية، استهدفت قواعد عسكرية في مدينة عدن.

إفشال عملية بناء مؤسسات عسكرية وأمنية في الجنوب، مهمة رئيسة لقوى الشمال اليمني، ومحاولة إيجاد صراع مناطقي بين الجنوبيين؛ لأنهم يدركون أن تجربة الصراع الطائفي قد لا تطبق بتاتًا في الجنوب، فالصراع المناطقي هو الورقة الوحيدة والأخيرة التي تعتقد صنعاء أنه من خلالها يمكن استعادة السيطرة على الجنوب حتى دون قتال.

أحداث الـ13 من يناير (كانون الثاني) 1986م، هي من تعمل صنعاء بكل طوائفها على إعادة إنتاجها مرة أخرى بين الجنوبيين، ليسهل عليها إعادة تحكمها بالجنوب، بعد أن شعرت أنها فقدت السيطرة في أعقاب هزيمة قواتها في عدن وباقي المدن الجنوبية منتصف يوليو (تموز) من العام قبل الماضي.

الصراع في الماضي لم يكن صراعًا بين أبناء الجنوب وحدهم، بل كان هناك طرف آخر يجب ألا يستثنى من التصالح والتسامح الجنوبي، هذا الطرف يتمثل في أبناء اليمن الشمالي الذين كانوا لاجئين أو هاربين ووصلوا إلى هرم السلطة، وكانوا جزء لا يتجزأ من الصراع الذي هو في الأساس صراع على السلطة.

يعتقد الكثير أن حصر التصالح والتسامح بين أبناء الجنوب وحدهم ليس كافيًا، بل يجب أن يشمل التصالح والتسامح مع أبناء الشمال اليمني، وخاصة أبناء تعز الذين هربوا من حكم الإمام وصالح لاحقًا إلى الجنوب، وكانوا جزء من الصراع السياسي في عدن، لكن هناك من لا يهمه بحث تفاصيل اقتتال 86م بقدر ما يهمه الدفع نحو صراع جديد قد يكون نهاية لحلم الجنوبيين في استعادة دولتهم السابقة.

اقتتال الجنوبيين فيما بينهم تعتقد صنعاء أنه الورقة الأخيرة لإيجاد مبرر لإعادة احتلال الجنوب.

التصالح والتسامح الجنوبي، يعتقد القيادي في الحراك الجنوبي «يحيى غالب الشعيبي» أنه مفتاح النصر لعاصفة الحزم، وأنه لولا التصالح والتسامح الجنوبي الذي أشهر في الـ13 من يناير (كانون الثاني) 2006م لما تحقق الانتصار على مليشيات الحوثي وقوات المخلوع صالح.

الشعيبي قال «إن التصالح والتسامح الجنوبي شكل قاعدة صلبة لتحقيق الانتصارات لعاصفة الحزم».

وأضاف الشعيبي، وهو سياسي جنوبي، أن «التصالح والتسامح له دلالات، وهذا يؤكد قدرة الجنوبيين على تحويل الانكسارات إلى انتصارات».. مؤكدا أن التصالح والتسامح كان قاعدة صلبة لانطلاق الحراك الجنوبي المطالب باستقلال الجنوب، ثم شكل قاعدة صلبة أخرى لانتصارات عاصفة الحزم في الجنوب.

وقال إن «الانقلابيين بعد أن تم طردهم من الجنوب يسعون لزرع الفتنة فيه، واستهداف عناصر الانتصار الذي تحقق على القوى الممولة من الخارج».

التصالح والتسامح الجنوبي، كان السبب في احتضان الجنوبيين للرئيس هادي الذي فر من صنعاء عقب محاصرته فيها لأكثر من شهر إثر انقلاب يناير (كانون الثاني) 2015م.

والجنوبيون هم الذين أفشلوا انتخابات هادي في الـ21 من فبراير (شباط) 2012م، جراء رفضهم تنظيم عملية انتخابه في عدن وباقي مدن الجنوب بما في ذلك بلدة الوضيع مسقط رأسه، حيث رفض أفراد قبيلة هادي انتخابه باعتبار أنه يمثل الوحدة اليمنية.

وعد سياسيون جنوبيون حينها انتخاب هادي خطوة لشرعنة احتلال بلادهم، قبل أن يطيح به الانقلابيون من الحكم لاحقًا بعد أن فشلوا في محاولة اغتياله بصنعاء يوم الـ5 من ديسمبر (كانون الأول) 2013م أثناء اقتحام مسلحين لمشفى العرضي الذي كان الرئيس هادي فيه لزيارة ابن شقيقه الذي لقي حتفه في الهجوم.

يجاهد الكثير من قادة المقاومة الجنوبية بينهم القيادي «أديب العيسى» في بناء جيش وطني وأجهزة أمن وطنية، لكن صعوبات تواجه هذه الجهود.

محاولات العيسي وقيادات أخرى لم تقتصر على المطالبة بتنفيذ قرارات الرئيس هادي القاضية بدمج أفراد المقاومة في الجيش الوطني والأمن، ويؤكد عسكريون أن تلك القرارات لم تنفذ بالشكل المطلوب.

شكل أديب العيسي ومعه قيادات من مختلف محافظات الجنوب ائتلاف القيادة العامة للمقاومة الجنوبية، وهو مكون سياسي هدفه بحث مطالب الجنوبيين وتمكينهم في القرار السياسي والعسكري في الجنوب.

تحاول قيادة الائتلاف الضغط نحو إعادة تأهيل الكليات العسكرية والأمنية في عدن التي دمرتها حرب العام 1994م، وإعادة فتحها يعني إعادة بناء جيش وطني يدين بالولاء للوطن ويحفظ مصالح البلد والاقليم.

الهجمات الإرهابية التي استهدفت قوات الجيش والأمن في عدن، يقول عقيد في الجيش أن هدفها إفشال عملية تأسيس جيش وطني في الجنوب، على العكس مما يحدث في مأرب، حيث تقدم السعودية بشكل متواصل دعمًا عسكريًا ضخمًا لقوات شمالية تدين بالولاء لجماعة الإخوان، الأمر الذي يعزز فرضية فشل السعودية في تأمين حدودها، فهي تبني جيشًا قد يهددها في المستقبل إن فكرت بإيقاف الدعم المادي والعسكري له.

آخر إحصائية كشفت عنها مصادر حكومية يمنية تفيد بأن قوام الجيش في مأرب يزيد على 100 ألف جندي وضابط يقودهم الجنرال الإخواني «محمد علي المقدشي».

هذا الرقم الكبير والترسانة العسكرية الضخمة في مأرب، لم تحقق أي تقدم يذكر ضد قوات صالح ومليشيات الحوثي، حيث لا تزال بلدة صرواح في مأرب بيد الحوثيين، في حين فشلت قوات الشرعية في إحداث أي اختراق في جبهة نهم لأكثر من عام ونيف، غير أن التقدم يحصل إعلاميًا فقط، أما على الأرض فالقوات لا تقاتل، كما يقول مراقبون؛ وإلا لكانت قد وصلت صنعاء.

100 ألف ويزيد القوة البشرية لجيش الشرعية في مأرب، عجزت عن تحرير بلدة صرواح التي استعادها الحوثيون أكثر من مرة.

تتفوق الشرعية في مأرب كقوة بشرية وتسليح على الحوثيين، لكن من يقود الجيش هناك لا يريد حسم المعركة، وانما إطالتها؛ لـ«غرض في نفس يعقوب».

الجنرال علي محسن الأحمر يبتز السعودية من أجل إعطاء تطمينات بأن اليمن سيظل موحدًا، وأن تمنع الرياض استقلال الجنوب.

ابتزاز الأحمر للرياض قد يدفعها إلى التضحية بالحليف الجنوبي لمصلحة الجنرال الأحمر الذي اهتزت ثقة الرياض به مؤخرًا، ويحاول أن يطمئنها بتحقيق انتصار قريب، ويضع شروطه لتحرير صنعاء من الحوثيين وقوات المخلوع صالح.

استمرار السعودية في دعم القوات العسكرية في مأرب، وعرقلة بناء جيش وطني في عدن، قد يفقد الجنوبيين ثقتهم بالتحالف العربي الذي تقوده الرياض، وكذا بالحكومة الشرعية.

فالرئيس هادي الذي عاد مؤخرًا إلى عدن مطالبًا على الأقل بإعادة وسائل إعلام الحكومة الرسمية في عدن، لكن هذا لن يحصل في القريب، ما لم يطمئن الأحمر على من يعمل في وزارة الإعلام، وان يكونوا من الموالين له في السياسة الإعلامية.

هادي أصدر قرارات تعيين جديدة في الإعلام، سلم بموجبها الوزارة للجنرال الأحمر؛ الأمر الذي قد يعيد تلفزيون وإذاعة عدن بخطاب معاد للجنوبيين وقضيتهم التي ناضلوا من أجلها طويلًا.

المعينون في وزارة الاعلام كوكلاء، بعضهم عارض هادي لسنوات طويلة، وأبرزهم «نجيب غلاب» الذي شتم الجنوبيين كثيرًا.

يعتقد جنوبيون أن الأحمر يعمل على استعادة مقومات دولة في عدن خاصة به، بدءً من مكاتب الوزارات، لكي يتسنى له العودة سياسيًا وعسكريًا في بلد أمطر سكانها بقذائف الكاتيوشا، أثناء قيادته لقوات صالح في حرب العام 1994م.

يبدو المشهد ضبابيًا أمام الجنوبيين، فهم لا يعلمون ما هو مستقبل قضيتهم، في ظل أن الكثير من الأطراف الشمالية تركت الحرب ضد الانقلابيين، ولجأت إلى البناء استعدادًا لمرحلة ما بعد الحرب ومواجهة الجنوبيين تحت شعار الدفاع عن الوحدة.

ليس أمام الرئيس هادي إلا القيام بخطوات تطمين للجنوبيين، قبل أن يفقدوا ثقتهم به وبحكومته الشرعية، تتمثل هذه الخطوات تفعيل مؤسسات الدولة ودعم إعادة تأهيل ما خلفته حروب الشمال من دمار، وإعادة فتح وسائل الإعلام، وأن تكون هذه الوسائل معبرة عن قضيتهم، وتعيين نائب له يكون من الحراك الجنوبي، يعبر عن تطلعات الجنوبيين، حتى يشعر الجنوبيون أنهم شركاء فاعلون في الحكومة الشرعية، وتكسب الشرعية والتحالف من كان لهم الدور الأبرز في معركة تحرير الجنوب.

بناء هادي ثقة جديدة مع الحراك الجنوبي، قد تسهم في إعادة التوازن والضغط على الأطراف الأخرى لتحقيق انتصارات في شمال اليمن، التي يبدو أن الأطراف هناك تسعى لإطالة أمد الحرب، والدخول في تسوية سياسية تبقى اليمن بين الحياة والموت.

الجنوبيون اليوم، يطالبون بموقف جاد من حكومة الرئيس هادي، سواء بالمضي قدمًا في التحالف ضد الانقلابيين، وإنهاء الحرب، واستعادة الجنوبيين واليمنيين لكامل حقوقهم المشروعة، في العيش بسلام واستقرار، أو إنهاء هذا التحالف الذي قد لا يكون في مصلحة الحكومة الشرعية، وقد يفتح بابًا أمام الأطماع الخارجية للدخول في معترك قد ينتهي بفشل إقامة دولة في الجنوب والشمال معًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اليمن
عرض التعليقات
تحميل المزيد