بات اليمن دولة منهارة وهشة، وخير دليل يقدم على ذلك هو وضوح عودة التقسيم الجغرافي لليمن إلى ما قبل 1990، وكذلك توسعت دائرة النعرات القبلية، والحزبية، والمناطقية، والعنصرية إلى مستوى من الصعب التحكم به. ألم يكشف هذه الهشاشة مدى توسع نشاط الميليشيات المسلحة والتنظيمات الإرهابية، بل تشكل جيوش ظل تدار من دول الجوار، وفي أحسن أحوالها من قبل أطراف سياسية يمنية موالية للنظام أو كانت جزءًا من النظام والذي طالبنا بتغيره منذ ثورة 11 فبراير (شباط) 2011.

بالرجوع إلى تعريف الدولة الفاشلة: هي الدولة التي لا تقدر أو لا ترغب في حماية مواطنيها من العنف أو الدمار، وترى نفسها فوق القانون، وبالتالي تطلق يدها في ممارسة العنف والعدوان ضد مواطنيها والآخرين، وارتكاب الشنائع «الديمقراطية» بشكل يجرّد مؤسساتها من أي جوهر ديمقراطي حقيقي، وهذا قد يطبق على الدولة في العاصمة صنعاء والمسمى «الانقلاب» أو سلطة الأمر الواقع.

لكن.. ماذا عن السلطة الشرعية في العاصمة عدن؟

لقد جعلت اليمن دولة وليدة منذ تحرير مدينة عدن، ليس بمقدورها توفير الأمن والخدمات للمواطنين، ناهيك عن دفع فاتورة الأجور والمرتبات، وليكبر حجم الفشل في اليمن، فقد كان لزامًا عليها عدم دفع فاتورة الأجور والمرتبات لكل موظفي الدولة في اليمن بحجج عديدة، والتي أبرزها تصريحات وزير الدولة في الإمارات أنور قرقاش بتاريخ 17 ديسمبر (كانون الأول) 2017، إذ قال: إن جماعة الحوثي تسيطر على دخل اليمن المقدر بما بين 3.5 و5 مليارات دولار سنويًّا، إذ تقوم بإنفاقها لدعم ميليشياتها، وبهذا التصريح يؤكد أن التحالف العربي جعل من اليمن دولة فاشلة ممثلة بالسلطة الشرعية، تتنصل من دعم ورعاية مواطنيها؛ بل قد جعل من صناع القرار في السلطة الشرعية «ينظرون لهكذا مسائل بأنها ليست أولوية وطنية» بل ما يؤكد هذا الفشل بأن التدخل الخليجي كان وما يزال لحماية وتأمين المصالح الخليجية فقط.

نحن في اليمن نواجه صناعة للدولة الفاشلة من قبل 21 سبتمبر (أيلول) 2014، وجعل اليمن دولة محكومة ومنقوصة السيادة، إذ تمتلك بعض الدول الإقليمية الخليجية الحق في القيام بعمل عسكري، والتدخل في شؤونها، لينتهي الأمر بالسيطرة عليها، هذا ما حدث ويحدث بالضبط.

كيف خُطط لتكون اليمن دولة فاشلة من قبل دول
الخليج؟

«منذ عقود واليمن بين فكي كماشة العربية السعودية، ومع نهاية 2017 أصبحت اليمن بكل أسف ما بين سندان العربية السعودية ومطرقة الإمارات العربية المتحدة».

ألم تخطط دول الخليج منذ 2011 إلى جعل اليمن ذات حكومة مركزية ضعيفة أو غير فعالة، حتى إنها لا تملك إلا القليل من السيطرة على جزء كبير من أراضيها، وهذا ما تحقق سنة 2015، وما يزال يدار بهكذا نمط في نهاية 2017.

تطورات دراماتيكية ستشهدها اليمن، مع اقتناع جل اليمنيين بأنهم ضحايا لمخطط خليجي ودولي، يهدف إلى السيطرة على اليمن وثرواتها، واستمرار قتل الشعب اليمني وتجويعه.

دومًا يتحدث التخطيط الاستراتيجي في منظومة الأمم المتحدة، بأن دول الجوار أو العالم عندما تتدخل لمساعدة الدول التي تعاني من غياب الأمن والاستقرار، لا تخلو أهدافها المعلنة وغير المعلنة من تدريب جيش وطني وإعداده وبنائه، مهمته التقدم باستمرار لإحكام السيطرة على كامل أراضي الدولة وحماية المواطنين، وعندما نقول إحكام السيطرة فإن حماية المواطنين وتجنيبهم أضرار النزاع المسلح أبرز الأولويات، بما فيها الإغاثة والخدمات، ودفع فاتورة الأجور والمرتبات لكل أبناء الوطن وبشكل منتظم.

على سبيل المثال فالملاحظ أن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «OCHA»: عقد مؤتمر مفتوح في فندق تاج سبأ في العاصمة صنعاء بتاريخ 18 ديسمبر 2018، لعرض خطة الاستجابة الإنسانية لسنة 2018 الخاصة باليمن، والتي تتمثل في تخفيف المعاناة الإنسانية في اليمن من خلال تنسيق العمل الإنساني الفعال والقائم على المبادئ؛ ومناصرة قضايا المتضررين من السكان اليمنيين؛ وجمع المعلومات وتحليلها وتبادلها مع الشركاء والجمهور، وخصوا المنظمات المحلية اليمنية وكوادر وزارات التخطيط والتعاون الدولي؛ وهدف المؤتمر إلى حشد تمويل الأنشطة الإنسانية وتنظيمه. لقد قدم التقرير معلومات غاية في الأهمية، إذ وصف الوضع الإنساني في اليمن بالكارثي، وفي حالة لم ترتفع الأصوات بمساعدة اليمن؛ فالكارثة قد تصل إلى حد لا يمكن وضع حلول لها، وكذلك فإن المساعدات قد تتوجه صوب مناطق أخرى في العالم.

ما يحدث في اليمن بأن قرارات مجلس الأمن الدولي لم تستخدم بما يتوافق مع التخطيط الاستراتيجي لمنظمة الأمم المتحدة، وأجندته المصاغة في بروتوكولات الهيئة الأممية ومواثيقها.

لماذا يراد لليمن استقلال محكوم ومنقوص؟

الحديث هنا عن سيادة منقوصة ومحكومة في اليمن، بل خطط للسيطرة على اليمن وثرواته.

«فوبيا شديدة تنتاب دول الخليج من حدوث معجزة توحد طاقات اليمنيين وقدراتهم في صنعاء وعدن ومأرب وصعدة والمكلا، فهناك ستتحرر اليمن من الوصاية، وتكبر اليمن بقوتها العسكرية والدفاعية والصاروخية، ومعها تنهض اليمن اقتصاديًا وتنمويًا بمعزل عن أجندات دول الخليج ومصالحها، وما هو أكبر من دول الخليج».

لقد استفادت دول الخليج من الصراع الدائر بين اليمنيين أنفسهم على الثورة في 2011، ومن ثم المقاومة في 2014، بكونها حكرًا على طرف دون آخر، ومن ثم كبر المشكل اليمني ليصبح طرفًا عدوًا وآخر يحمل مشروعًا طائفيًّا وسلاليًّا، وغيرها من أبرز مفاعيل الاستقلال المنقوص والتي استغلتها دول الخليج أيما استغلال، بل الكارثة بأن تنبهت لها إيران، وتماهت معها سياسيًّا بكل مهارة.

لقد استمر الطعن في كل الفاعلين الوطنيين والثوريين، ليصل الأمر إلى تصفيتهم ونفيهم ومصادرة قرارهم الوطني أثناء الحرب الأهلية التي شهدتها وتشهدها اليمن، لتتبلور فكرة بأن الثورة مخترقة ولا تعبر عن كل فئات المجتمع اليمني، ولكونها مخترقة فلم تعد هناك قضية وطنية.

ما يراد إيضاحه بأن المبادرة الخليجية كانت ثورة مضادة بامتياز، لكن مخرجات الحوار الوطني الشامل، ومسودة الدستور الاتحادي نجحت في إفشالها، وذلك مهد ليدخل الشعب اليمني في تحد جديد، وهو ما بات يعرف اليوم ظاهريًّا بالانقلاب، لكنه في الحقيقة مخططًا جعل اليمن بلدًا تحت سيادة محكومة ومنقوصة.

تختصر الحكاية في اليمن: بأن اليمن تعرض لتدخلات خارجية سافرة خلال فترة زمنية محصورة ما بين 2007– 2017، من قبل دول أبرزها: السعودية والإمارات وقطر والتي تورطت بشكل سافر في الشأن اليمني، وهذه الورطة هي التي ساعدت دولة كإيران لتجد لها موضع قدم في اليمن، ووفقًـًا لهكذا تدخل فميثاق الأمم المتحدة الإنساني ينظر إلى اليمن والشعب اليمني ضحية لكل هذه التدخلات، وموروث المشاكل والنزاعات بين دول الخليج ذاتها.

هناك تطورات عسكرية ميدانية تؤكد إمكانية تشكل جبهة موحدة يمنية لمواجهة المحتل الخليجي في اليمن، عبر كاميكازي بحري مضاد للقطع البحرية وآخر بري مضاد للدبابات.

ألف يوم من قتل الأبرياء في اليمن، وسبع سنوات من عمر المخطط الخليجي في اليمن. أين القانون الإنساني الدولي من جرائم القتل والحرب التي ترتكب بحق أبناء الشعب اليمني؟! ألم يحن الأوان لمحاسبة مرتكبيها؟! «بالفعل سيادة محكومة ومنقوصة، وجرائم حرب وانتهاك سافر لحقوق الإنسان في اليمن، وخرق واضح للقانون الإنساني الدولي وغياب المحاسبة، والتي تشرعن وتعطي الحق كل الحق للقوة الصاروخية اليمنية باستهداف مدن الخليج وتحديدًا الرياض وأبوظبي».

نتوقع في قادم الأيام أن تتمكن القوة الصاروخية في اليمن من إنتاج صواريخ مزودة بغاز السارين، والخردل، والجمرة الخبيثة.

لذلك نحن في اليمن في أمس الحاجة لتجاوز التحديات الراهنة وهي الوقوف في موقف دفاع عن حقوق المواطن اليمني وكذلك السيادة الوطنية. نحتاج في اليمن إلى مراقبة دولية لحقوق الإنسان، وفي الوقت ذاته محاكمة منتهكي حقوق الإنسان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب عالم بلا سيادة :الدول بين المراوغة والمسئولية تأليف : برتران بادي
عرض التعليقات
تحميل المزيد