فى المقال السابق عن الحق التاريخي فى عسير ونجران وسائر عموم المخلاف السليمانى أوجزنا ما هو ثابت لليمن من حق فى ذلك الإقليم، والذى هو جزء من اليمن الطبيعية؛ كما دونته كتب الرحالة الذين توافدوا على اليمن عبر عقود وعهود، كما عبرت عن هذا الحق أيضاً الوثائق التاريخية وخرائط التقسيمات الإدارية العثمانية، وهى صاحبة السيادة على المنطقة ما قبل وأثناء وجود آل سعود المدعين بالحق فى حكم عسير .

 

ولانتزاع الأراضى اليمنية لصالح السعوديين كان لابد من العمل على خلق واقع جديد بتخطيط ورعاية بريطانية يعطى فيه من لا يملك من لا يستحق.

 

كان الصراع فى المنطقة على أشده بين قوى محلية طامحة للسيطرة والنفوذ وهى اليمن والسعودية حيث دعم طموح الأولى الحق التاريخى فى تلك الاراضى التى يدور حولها الصراع والأمل المشروع فى وحدة التراب اليمنى مستندة على رغبة الشعب اليمنى نفسه فى تحقيق هذا الأمل ، بينما اعتمدت السعودية فى طموحها على ما اكتسبته من قوة عسكرية على الأرض، ودعم سياسي لا محدود من قوة استعمارية طامعة تقبع قريبة جدا فى قاعدة عدن، وتتوغل فى أراضى الحقوق التاريخية لليمن عبر محمياتها والسلاطين التابعين لها والمرتبطين معها باتفاقيات الحماية.

 

تأسست الإمارة الإدريسية على يد السيد محمد بن على الإدريسى الذى كان قبل إعلان إمارته قد غادر إلى مصر طلبا للدراسة فى جامعة الأزهر ومنها انتقل إلى واحة الجغبوب فى ليبيا ثم إلى واحة الكُفرة  ليتتلمذ على يد الإمام محمد المهدى السنوسي إلى أن تم استدعاؤه على عجل من قبل والده وشيوخ القبائل فى عسير فاستجاب لهم وعاد فى عام 1905م، وبقى مع والده قرابة العام إلى أن توفى فقام مقام والده بشئون الدعوة والإرشاد، ثم تولى محمد بن على بن محمد الإدريسى أميراً وحاكما على المنطقة، وفى العام 1909م اُعلن عن تأسيس الإمارة الإدريسية والتى كانت عاصمتها صبيا وميناؤها جازان على البحر الأحمر.

 

كانت سيطرة الأدارسة هشة على المجموعات القبلية فى عسير، فالأدارسة لم يكونوا جزء من تاريخ المنطقة، بل هم من الأجانب الوافدين الذين يرجع أصلهم إلى مدينة فاس بالمغرب، حيث ينتسبون إلى إدريس الأزهر بن إدريس الأكبر الحسني، الذي أسس دولة الأدارسة في المغرب.

 

وفد جدهم السيد أحمد الذى لم يكن له جذور قبلية أو عائلية فى عسير وأقام في صبيا فولد السيد محمد الإدريسي جد مؤسس الإمارة فيها، وعلى الرغم من ذلك فقد تمكن الإدريسى من طرد العثمانيين من عسير حين ثار وقبائل تهامة ضدهم فأجلوهم بعد معركة عرفت باسم ” الحفاير” فى يونيو عام 1911م ، والتى ساهم فيها الإيطاليون كحلفاء للإدريسى بأن قاموا بالقضاء على السفن الحربية للأتراك والتى كانت متواجدة بميناء جازان، كما أمدوه بالاحتياجات العسكرية والمؤن.

 

وفى عام 1914م حال نشوب الحرب العالمية الأولى احتفظ الإدريسى بعلاقات جيدة مع بريطانيا أثمرت عن معاهدة ولاء للإنجليز وقعت فى 15 فبراير عام 1915م، مكنته من تسلم الحديدة بعد انتهاء الحرب، وكان الإمام يحيي قد بدأ فى التحرك تجاه الشمال، حيث الإمارة الادريسية في عسير مطالبا بما له من حقوق رافضاً الاعتراف بحكم الإدارسة فتدخلت بريطانيا عام 1915م لترعى عقد معاهدة بين الادريسى وابن سعود عرفت بمعاهدة “دارين” التى تمت برعاية إنجليزية بحضور النقيب ويليام هنري شكسبير.

 

كما قام الإنجليز بتقديم المنح المالية للإدريسى منذ عام 1917م لتقويته ضد الإمام يحيى والذى كان قد أعلن أنّ المناطق الداخلية في جنوب اليمن هى جزء من ميراث أجداده، وأن اليمن يجب أن يبقى موحدا تحت حكمه وعليه فقد دخل في صدام مع بريطانيا التى قامت باحتلال الحديدة ومناطق الشريط الساحلي الغربي التي تمثل البوابة الوحيدة التي تطل منها اليمن على العالم وذلك مطلع العام 1919م ، فكان أن قامت القوات اليمنية في نفس العام  باستعادة مناطق (الضالع، الشعيب، الاجعور، القطيب).

 

ردت بريطانيا على ذلك بأن منحت الحديدة والشريط الساحلى على البحر الأحمر للأدارسة خصوم الإمام يحيي ومكنتهم من الاحتفاظ بتلك المناطق.

 

فالشاهد من تاريخ نشأة تلك الإمارة أنها قد قامت بجهود دول أجنبية تمثلت فيما قدمته إيطاليا ثم بريطانيا من دعم ومساعدات وأنها قد قامت لخدمة الأغراض الاستعمارية لتلك الدول، فإيطاليا تدخلت تدفعها حالة التنافس المعلن مع بريطانيا فى منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

 

أما بريطانيا فكانت بدعمها للإمارة الادريسية فى عسير تجابه عدوها التاريخى المتمثل فى الدولة العثمانية صاحبة السيادة (الاسمية) فى المنطقة، وتحد من نفوذ منافستها الاستعمارية إيطاليا، وتطوق عدوها العنيد الإمام يحيي المطالب بحقوقه فى الأراضى تحت حكمهم فى عدن ومحمياتها، ولشغله عن الحرب التى شنها بالفعل بهدف استرداد أراضيه (المحتلة) ، تلك الحرب التى جعلت الإمام  يتأخر عن الالتفات إلى ( عسير) فلم يطرق أبوابها إلاّ متأخرا بينما كانت خطوات ابن سعود إلى المنطقة أسرع، حينها رأت بريطانية أن إضعاف الإمام يحيي وشغله عن حربهم ولتأمين قاعدتهم المهمة فى عدن سيتحقق بتسليم عسير إلى حليفهم السرى ابن سعود التى أصبحت مهيئة لذلك بوجود الأدارسة.

 

وفى العام 1919م كان عبد العزيز قد استطاع الوصول إلى أبها قريباً من مناطق الإدريسى الذى استشعر الخطر خاصة وأن الإمام يحيي المطالب بالحق فى عسير كان يتهيأ لحربه من أجل استرداد الحديدة فعقد الإدريسى معاهدة حماية مع عبد العزيز آل سعود سلطان نجد وملحقاتها  فى 30 أغسطس 1920م.

 

كان الإمام منشغلاً بتعزيز قواته في المحور الجنوبي، وقام بفتح جبهة أخرى في المحور الشرقي حيث دخلت القوات اليمنية إلى البيضاء عام 1923م، وتوغلت في إمارة العلوي ومناطق الأميري والمسبعي والعواذل العليا عام 1924م ووصلت إلى العواذل السفلى عام 1926م.

 

وتفاقمت الأوضاع بالصورة التى جعلت بريطانيا ترسل وفدا تفاوضياً إلى صنعاء عام 1926م برئاسة السير (جلبرت كليتون) واستمرت المفاوضات لمدة 26 يوماً، ولكنها انتهت بالفشل الذريع حيث أصر الإمام على عدم الإعتراف بالحدود التى رسمتها تركيا وبريطانيا لليمن عام 1914م، حيث اعتبر أن الاتفاقية لا تلزم اليمنيين في شيء؛ لأنها بين دولتين محتلتين، كما أعلن رفضه الانسحاب من المناطق التى احتلها فى المحميات.

 

وتوفي محمد على الإدريسي العام 1923م ليتولى بعده ابنه علي بن محمد الإدريسي، الذى واجهته بعض المشاكل مع عمه الحسن الإدريسى الذى كان يرى نفسه أحق بالحكم من ابن أخيه بينما تمسك علي بن محمد بحقه، كونه الوريث الشرعى لوالده فانتقل من صبيا متخذا من مدينة جازان قاعدة له وعاصمة لحكمه، واشتعل الاقتتال بينهما، وفى ديسمبر 1925م تدخل عبد العزيز بن سعود مقتنصاً حالة الضعف والانقسام السائدة وبدعاوى الصلح والتوفيق استطاع أن يثبت الحسن بن محمد الإدريسى ويخلع على بن محمد الإدريسى الذى رحل إلى مكه عام 1926م.

 

وبعد أن تولى الحسن الإدريسى الحكم عام 1926م، استطاع الإمام يحيي استرداد ميناء الحديدة  ثم تحركت قواته صوب جازان حتى أصبحت على بعد حوالى80 كيلومتر منها، فحاول الحسن الإدريسى الحصول على مساعدة إيطاليا، لكنه فشل، فألتجأ إلى بريطانيا لمساعدته على وقف تقدم الإمام يحيي فأدارت له ظهرها لإجباره على التعامل مع حليفها ابن سعود، ولكن الحسن الإدريسى عرض على الإمام يحيي أن يتم الصلح بينهما على أن يحتفظ بموجبه على السيادة الداخلية للإمارة فى ظل الحماية اليمنية، وتحت تاج المملكة المتوكلية فكان أن رفض الإمام يحيي العرض وأصر على إنزال الحسن الإدريسى عن الحكم فلم يجد الأخير أمامه إلا عبد العزيز ـ كما أرادت بريطانيا ـ الذى قام في شهر أكتوبر عام 1926م بتوقيع معاهدة أصبحت إمارة الحسن الإدريسي بموجبها تحت الحماية السعودية.

 

وكان من ضمن بنود المعاهدة ما نص على أنه  (لا يحق للحسن الإدريسي إشهار الحرب أو إبرام الصلح مع أي جهة إلا بموافقة الحكومة السعودية) وطبقا للمعاهدة وصل أول مندوب سعودى الذى اتخذ من جازان مقراً للمندوبية السعودية، وبالتدريج أصبحت المندوبية السعودية هى الحاكم الفعلى للإمارة حتى وصل الأمر إلى إنزال العلم الأميرى الإدريسى ورفع العلم السعودى محله، ومنعت المساجد من ذكر اسم الحسن الإدريسى فى الخطبة، فانتفض الحسن الإدريسي ضد الهيمنة السعودية إلا أن عبد العزيز تمكن من القضاء على هذه الحركة وفرض على الإدريسى اتفاقية تنص على أن تكون سلطته شكلية، وتنص على انتقال السلطة إلى عبد العزيز بعد وفاة الحسن الإدريسى.

 

وبذلك انتهت السلطة الفعلية للإمارة الإدريسية التى نشأت عام 1906م (اُعلن عن قيامها فعليا سنة 1909م) وسقطت فعليا بعد اتفاقية عام 1926م، وقصر فترتها هذا لا يمنحها أية حقوق تاريخية يمكن أن تترتب عليها آثار كالتى أوجدتها تلك الإمارة المصطنعة والتى بموجبها تدعي السعودية حقوقا فى أراض لم تدخل تحت حكم الأدارسة إلا مدة عشرين عاما فقط، ولم يتجاوز دور تلك الإمارة دور المحلل الذى أتى به مخادع (بريطانيا) ليثبت حقاً لمن لا يستحق (السعودية) ولينشئ وضعاً جديداً هو الباطل بعينه يمس كياناً ثابتاً تاريخيا ألا وهو (اليمن).

 

وفى نوفمبر1932م، وبمساعدة من السلطة فى الحجاز أعلن الحسن الإدريسي تمرده بأن قام باعتقال أعضاء المندوبية السعودية فى جازان، فقام عبد العزيز بإرسال حملة مجهزة بأسلحة إنجليزية حديثة بقيادة خالد بن لوئ الذى استطاع اجتياح أراضى الإمارة، ووصل فى نهاية نوفمبر من نفس العام إلى جازان.

 

وفى ديسمبر حاول الإدريسى تدارك الهزيمة بحشد القبائل المؤيدة ودخل بمعركة فاصلة هى معركة ” المضايا ” التى انتهت بهزيمة الإدريسى الذى فر ومن معه أولاً إلى ميدى على ساحل البحر الأحمر ومنها إلى صنعاء فالتحقوا بالإمام يحيي أوائل عام 1933م وبحلول فبراير من نفس العام كانت قوات عبد العزيز قد فرضت سيطرتها على كامل الأراضى اليمنية التى كانت خاضعة للإمارة الإدريسية.

 

وبلجوء الحسن الإدريسى إلى اليمن تفاقم الخلاف بين عبد العزيز والإمام يحيي حيث رفض الأخير تسليم الحسن الإدريسى لعبد العزيز، بعدها قام الإمام بتحريك قواته فى إبريل 1933م؛ لتتوغل فى نجران وفى أكتوبر من نفس العام كانت قواته قد سيطرت على بلدة بدر الجنوب وعلى أثر ذلك وجه عبد العزيز إنذاراً للإمام بتسليم الأدارسة وسحب قواته من المنطقة، وكان من جراء ذلك أن عُقد لقاء بين مندوبين لعبد العزيز والإمام يحيي فى الفترة بين فبراير ومارس 1934م فى مدينة أبها للوصول إلى اتفاق، ولكن باءت اللقاءات بالفشل، فأرسل عبد العزيز حملتين عسكريتين الأولى بقيادة نجله سعود قاصدة نجران والثانية بقيادة نجله فيصل ومقصدها تهامه، فشلت الأولى فى تحقيق أغراضها لمقاومة شديدة واجهتها ولصعوبة التضاريس بينما استطاعت حملة فيصل إحتلال الحديدة، ثم عُقدت اتفاقية هدنة وقعت فى منتصف مايو 1934م بين فيصل وعبد الله الوزير أحد مساعدي الإمام انسحبت بموجبها القوات السعودية من الحديدة مقابل تسليم الإدارسة إلى عبد العزيز.

 

وانتهت المرحلة الأولى من النزاع بتوقيع معاهدة الطائف عام 1934م، التى تمسك فيها ابن سعود بسلطة الأمر الواقع وبما تحت يديه من قوة مسلحة دعمته بها بريطانيا، بالإضافة إلى ما اكتسبه من قوة قانونية (مزيفة) حصل عليها من الاتفاقيات مع أولئك الأدارسة الذين لم تثبت لهم أية حقوق تاريخية فى عسير، أما الإمام يحيي فقد أكره على قبول المعاهدة بعد أن أصبحت قواته بين فكى كماشة السعوديين من الشمال وبريطانيا من الجنوب، ربما آملا أن يستطيع استخلاص ما فقده من أراض بموجب الاتفاقية التى نص بندها الرئيس:

 

أن مدة سريان المعاهدة عشرين عاماً على أن تجدد من تلقاء نفسها، ما لم يعرب أحد الطرفين أو كلاهما عن رغبته في تعديلها، وظل اليمنيون يتمسكون بعدم ديمومة الاتفاقية وكونها غير نهائية فى ظل وجود بند ينص على تجديدها كل 20 سنة برضا الطرفين، واعتبار أن هذا البند يسمح لليمنيين بتعديل الاتفاقية وما تحويه من أحكام خاصة بالحدود، بل بكافة بنود الإتفاقية، كما اعتبر اليمنيون أن تنازل الإمام يحيي عن حقوق تاريخية يمنية ثابتة تم من قبيل التجاوز من الإمام وفى ظل ظروف الحرب التى ربما فرضت عليه أن يذعن ويقبل بذلك التنازل، ودون أن يعني ذلك التزام من أتى بعده إلى سدة الحكم فى صنعاء بالتنازل الذى قبله الإمام ووقع عليه، كما اعتبر البعض أن المقصد من الاتفاقية لا يخرجها عن كونها تنظم لوضع أراضي يمنية منحت رعايتها للجانب السعودي لمدة من الزمن تقدر بعشرين عاماَ قابلة للتجديد أو للإلغاء.

 

المقال القادم عن اتفاقية الطائف وتداعياتها على اليمن …

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات