في مشهد هزلي جديد تحالفت أخيرًا 8 دول عربية على هدف عسكري مشترك, ليس الهدف طبعا استهداف الصهاينة, ولا إنهاء معاناة الشعب السوري, ولا إنهاء المجازر الطائفية التي تحدث على يد جيش الحشد الشيعي وداعش في العراق, بل لقصف اليمن, وزيادة معاناة الشعب اليمني الذي يعيش في حروب أهلية منذ تسعينات القرن الماضي, أما الهدفان المعلنان وهما الأكثر هزلا من الفعل نفسه, فهما حماية شرعية الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي والذي كان نائبا لعلي عبد الله صالح ولكن جاءت به المبادرة الخليجية ليصبح أول رئيس يمني بعد الثورة اليمنية, وحماية أهل السنة من التمدد الشيعي الإيراني في اليمن, وهم الذين سكتوا عن التدخل الإيراني في العراق.

ومن المثير للسخرية حقا ادعاء التحالف الذي يضم السعودية ومصر والإمارات والبحرين والكويت وقطر والسودان والأردن والمغرب عن حمايته لخيار الشعب اليمني وشرعية أول رئيس له بعد الثورة وشرعية نتائج الاستفتاء (فاز باستفتاء ولم يترشح أمامه أحد), في حين أن قوات التحالف تشارك فيها دولتان محكومتان بانقلابين عسكريين (مصر والسودان), و4 دول مؤيدة للانقلاب العسكري في مصر (كل دول مجلس التعاون الخليجي باستثناء قطر واليمن دعمت الانقلاب ماديا وسياسيا) والثورة المضادة التي يقودها خليفة حفتر في ليبيا.

وتلك الدول كانت قد وقفت سابقا مع نظام علي عبد الله صالح ودعمته ماديا وسياسيا ضد الثورة اليمنية وساهموا في تشويه الثورة والثوار والدعاية ضدها, ولكنهم اضطروا في النهاية للتضحية به في المبادرة الخليجية من أجل الالتفاف على الثورة واختزال انتصار الثورة في تغيير شخص علي عبد الله صالح فقط وتعيين نائبه عبد ربه منصور هادي والذي كان ساكتا عن كل فساده. حاربت السعودية وحلفاؤها الثورة من أجل حماية العرش السعودي والعروش الخليجية وحتى لا تتسرب الثورة لشعوب تلك المنطقة, ويحاربون الحوثيين من أجل حماية عروشهم ومصالحهم من عدوهم الإقليمي.

أما الدول ذات الحظ الأقل في الثروات النفطية مثل مصر والسودان والأردن فهي تقوم مقام الشاويش الذي يحمي تلك الأنظمة (السودان تعتبر جديدة في الموضوع بعد تصالحها الأخير مع المحور السعودي), ويضحي بأبناء شعبه من أجل حماية عروش ملوك وأمراء الخليج, مقابل المال (الرز) الذي يذهب في النهاية لكروش الحكام وكبار الضباط ورجال الأعمال أصحاب الصفقات الضخمة مع دول الخليج, وتحت ستار الوحدة العربية والدفاع العربي المشترك, يتم إنهاك قوى فقراء العرب من أجل حماية العروش وتعزيز الصراعات العربية- العربية والإسلامية- الإسلامية, لا للحماية من الخطر الصهيوني.

والنظام المصري وعمله الدائم كشرطي لحماية الخليج عامة والسعودية خاصة خير دليل على ذلك؛ فسابقا شارك النظام المصري بدعم صدام حسين في الحرب العراقية الإيرانية بأمر من الحكومات الخليجية, ذلك لأن صدام حسين كان خط دفاعهم وقتها ضد تمدد الثورة الإيرانية لدول الخليج, ولما صار صدام حسين عدوهم ومهددًا لعروشهم, شارك الجيش المصري في عملية عاصفة الصحراء لطرد الاحتلال العراقي للكويت ومنع صدام حسين من الدخول للسعودية والإطاحة بعرش آل سعود.

ورغم أنه حتى الآن مشاركة مصر في الحرب ليست كمشاركتها في عاصفة الصحراء, ولكنها تشارك بقوة في الضربات الجوية, كما تدعم السعودية بحريا, ولم يبق لها سوى التدخل البري في حالة فشل السعودية في القضاء على الحوثيين أو على الأقل في الوصول لحل سياسي في اليمن.

ومن الملفت للانتباه أن الإعلام المؤيد للانقلاب صار يستخدم نفس المفردات التي يستخدمها معارضوه في وصف الانقلاب, فهم يصفون ما حدث بأنه انقلاب على الشرعية المتمثلة في الرئيس هادي, رغم تأييدهم لانقلاب آخر في مصر ضد رئيس أتى بانتخاب شعبي وليس استفتاء أتت به مبادرة خليجية لخداع الشعب اليمني والالتفاف على ثورته بعد أن أسقط شرعية النظام السابق, كما ستعطي تلك الحرب للسيسي صك الغفران من متديني الخليج المصابين بفوبيا التشيع, الذين يهللون لأي حاكم يقاتل الشيعة مهما بلغت جرائمه ضد أهل السنة.

ومن الأكاذيب التي تروج لتلميع تلك الحملة العسكرية لدى الجماهير هي أكذوبة الدفاع عن أهل السنة, والتي تصاعدت نبرتها بعد الثورة الإيرانية, والتي حولت نظام البعث العراقي العلماني إلى حامي حمى أهل السنة, بل وصل الأمر لأن شبه العالم الباكستاني “إحسان إلهي ظهير” صدام حسين بسعد ابن أبي وقاص, وشبه الإعلام الخليجي حرب صدام العبثية ضد إيران بمعركة القادسية. وساهمت المؤسسة الدينية الخليجية وحاملو منهجها في تضخيم الخطر الشيعي والخطر الإيراني, وتقديمه على الخطر الصهيوني, بدعوى أن إيران تريد تغيير مذهب أهل السنة (رغم صمتهم التام على حملات التنصير التي انتشرت بقوة مؤخرا في العالم العربي).

ووصل الأمر بهم إلى توجيه اتهامات مستمرة إلى حماس بالتشيع ونشر التشيع في غزة بسبب شرائهم الأسلحة من إيران, وينشرون تقارير كاذبة عن نشر التشيع في غزة لتشويه حماس في نظر مريدي التيار الديني الخليجي. ومن المؤسف أن تلك الأكاذيب لا يرددها أنصار الأنظمة فقط بل صار يرددها خصوم حماس من التيارات الإسلامية الأخرى صاحبة العداء التاريخي مع الإخوان, وكله من أجل كسب أرضية لدى الجمهور السني الذي صار مقتنعا بعد غسيل المخ أن الحرب الطائفية ضد إيران أولى من الحرب الوجودية ضد اليهود.

ولم نرَ لتلك الأنظمة نصرة لأهل السنة الذين يقتلون في سوريا على يد الميليشيات الإيرانية, ويسكتون عن جرائم بشار(رغم معارضتهم الكلامية له) خوفا من وصول الحركات الإسلامية الثورية إلى السلطة, فسقف معارضة الخليج لبشار الأسد هو رغبتهم في وصول ثوار الفنادق والمؤتمرات الدولية إلى السلطة, ونرى سكوتهم التام عن جرائم الميليشيات الطائفية الشيعية في العراق منذ الغزوالأمريكي وإلى الآن, بل حدث تحالف بينهم مؤخرًا خوفا من التمدد الداعشي.

وعلى الجانب الآخر نرى نفاق وازدواجية إيران وحلفائها, فهم يدعمون وصول الميليشيات المسلحة بقوة السلاح للسلطة في اليمن ويرفضونه في سوريا, يدعمون شرعية بشار الأسد ويرفضون شرعية عبد ربه منصور هادي, يهاجمون التحالف في اليمن ويصفونه بالتحالف الأمريكي الصهيوني بينما يتحالفون معه في العراق.

وفي النهاية إن حرب اليمن الجديدة ليست إلا حربًا على نفوذ إقليمي بين السعودية وإيران, وحرب حماية العرش السعودي, ليست عاصفة حزم بل هي عاصفة نفاق, أما بالنسبة للنظام المصري فهي “عاصفة الرز” التي ستملأ جيوب كبار الضباط ورجال الأعمال في مصر نظير العمل كمرتزقة وكشاويش لحراسة العرش السعودي.

اللهم احفظ اليمن وأهل اليمن وخلصها من الميليشيات الحوثية ومن العدوان السعودي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد