واضح للعيان أن التحدي الذي يواجه سياسة الأمم المتحدة في اليمن، هو إدارة المعضلات، والتوترات العديدة التي نشأت بعد 21 سبتمبر (أيلول) 2014 بين جماعة الحوثي، ودول الجوار، وهذا ما يطلق عليه نزاع خارجي، والحديث عن أفراد المجتمع الإقليمي، ورعاة الملاحة الدولية. وفي الحقيقة لا توجد ثمة طريقة بسيطة، ومباشرة، وحلول لتعزيز الثقة لما بعد الحرب ما بين أفراد المجتمع اليمني، أي السلطة الشرعية، وجماعة الحوثي، وهذا مشكل ونزاع داخلي.

يبرز هنا تساؤل عن التبعات السياسية لهكذا سياسة حل تتبعها الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، ومن خلفها الأمم المتحدة، إذ فُصل النزاع الداخلي عن النزاع الخارجي، بل تجاهلوا النزاع الداخلي اليمني عبر تغيير بند قواعد الحل للأزمة اليمنية والمسماة «المشاكل الرئيسية للصراع». إذ دعا وزير الدفاع الأمريكي، جيمس ماتيس، أطراف الصراع اليمني كافة لوقف إطلاق النار خلال 30 يومًا، والدخول في مفاوضات جادة، لإنهاء الحرب في البلاد. كما شدد ماتيس على ضرورة أن يوقف إطلاق النار على قاعدة انسحاب الحوثيين من الحدود مع السعودية. في حين سبق ذلك وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، إذ قال: «ينبغي أن تبدأ مشاورات جوهرية مع المبعوث الخاص للأمم المتحدة؛ لتنفيذ تدابير بناء الثقة لحل المشاكل الرئيسية للصراع، وتجريد الحدود من السلاح.

كيفية تحديد أولويات الجهود الدولية؟

تصرفات جماعة الحوثي يعبر عنها فعل غير مشروع دوليًّا، وهي الالتزام بالتوقف، وعدم التكرار بفئة خاصة من الأفعال غير المشروعة، وهي تلك الأفعال التي تحدث مع حدود المملكة العربية السعودية، كالهجمات العسكرية بالمقذوفات، وطائرات الدرونز، والصوارخ الباليستية، لكن المواد المتعلقة بمسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًّا من قبل جماعة الحوثي، والتي على رأسها الانقلاب، واستعادة السلطة الشرعية في اليمن، لم تجد طريقها إلى النور بعد. ما يجعلنا نتقدم بعدد من القضايا الجوهرية التي تهم اليمنيين، وتعد بندًا من بنود المشاكل الرئيسية للصراع، وجزء لا يتجزأ من النزاع الخارجي محط الاهتمامات الدولية.

1- الاستراتيجية الكبرى لليمنيين: المنطق المهيمن في اليمن، هل هو النظام والقانون، أم القوة، وبالتالي فجل الحديث يركز على تنفيذ المرجعيات الدولية المتفق عليها دوليًّا، وهي: 1- المبادرة الخليجية. -2وثيقة مخرجات الحوار الوطني الشامل، والدستور الاتحادي الجديد 3- قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة، هذا إذا كان المجتمع الدولي جادًا في حلحلة النزاع الداخلي بمنطق النظام، والقانون، أما التركيز على النزاع الخارجي فقط؛ فذلك موقع آخر تجاوز المشكل اليمني الرئيس، وجعل من منطق القوة لجماعة الحوثي الميليشاوية هو الغالب.

2– مناقشة الاستجابة السياسية: يبدو أن جماعة الحوثي تتهرب من المفاوضات في الشأن الداخلي اليمني، كونها تدرك أنها مطالبة بتنازلات كبيرة، وأهمها تنفيذ القرار الدولي 2216. وفي المقابل فأصبحت مشاكل الصراع في اليمن ضمن مربع الأفعال غير المشروعة دوليًّا، إذا تجاوزنا قرار مجلس الأمن الدولي 2216، وركزنا على التفاوض معها فيما يخص الهجمات على الحدود، وهذا يعطينا بعدًا دوليًّا خطيرًا بأنها تمارس فوضى إقليمية، وتفرض أجندتها أمرًا واقعيًّا بديلًا، ويقبل بها، وبخطرها، ولا يمكن ردعها، أو وضع حد لها، ولأنشطتها المستقبلية.

3- الحديث عن نظام ما بعد الحرب: لو فرضنا وحدثت مناطق منزوعة السلاح ما بين جماعة الحوثي، ودول الجوار، وخصوصًا على الحدود اليمنية السعودية، فهل يدرك المجتمع الدولي أن اليمنيين عمالة عابرة للحدود، وتبعات كارثية على الاقتصاد اليمني سيترتب عن تلك الأمور، وكذلك هل يعني ذلك انتهاء خطر جماعة الحوثي؟ أم أن ذلك سيمكنها من الاستقواء، وفرض أجندة، وشروط مستقبلية تتجاوز الحدود، والمنطق، والنظام، والقانون بما فيها السماح لجماعة الحوثي بتدمير العلاقات اليمنية السعودية بشكل خاص، والخليجية اليمنية بشكل عام.

4- مسئولية الدول عن الأفعال غير المشروعة: نواجه اليوم شرعية النظام اليمني الذي أسقط بانقلاب 21 سبتمبر 2014 بشرعية المصالح المشتركة لغير اليمنيين، لكن يتوجب الانتباه بأن السعي العقلاني للمصالح المشتركة يجب أن يسير وفق مصلحة الشعب اليمني كله، وليس بأجندة جماعة منقلبة على سلطة الشعب اليمني الشرعية، والمعترف بها دوليًّا.

هل بالإمكان التفوق على سياسة القوة وتضارب المصالح في اليمن؟

الجماعات ذات السمات السياسية المناطقية، أو العنصرية، أو السلالية التي قد تخرج عن إطار الدولة، لتقيم علاقات مع وحدات دولية خارجية بغض النظر عن موافقة، أو عدم موافقة الدول التي ينضون تحت لوائها مثل بعض جماعات الحراك الجنوبي، وجماعة الحوثي تجعل من النزاع الداخلي يتحول إلى أجندة نزاع خارجي، وهذا على ما يبدو مضامين التصريحات الأمريكية، والأممية بهذا الخصوص.

تواجه اليمن اليوم مجموعة من الفاعلين، والذين تخطوا إطار الدولة بعد انقلاب 21 سبتمبر– أيلول 2014، وهم ليسوا بمؤهلين للقيام بتمثيل الدولة؛ لأنهم يمثلون 10% من سكان الجمهورية اليمنية. وعليه فتدابير بناء الثقة بين أطراف الصراع المسلح في اليمن تعد اللبنة الأساسية في معاجلة التوترات التي نشأت مع الجوار الإقليمي، والدولي، ولذلك لا بد من تسوية سلمية للصراع داخل اليمن ضمن إطار دولة جامعة، وشاملة، ولا بد من اتخاذ هكذا إجراءات عبر ثلاث مراحل:

1– الإجراءات السياسية والتفاوضية لبناء الثقة:الحلول، والمعالجات القادمة في كيفية إعادة التوازن السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي بين اليمنيين، وهي جزء من حل النزاع الخارجي من بوابة التفاهمات الداخلية في اليمن عبر التزام جماعة الحوثي إنهاء انقلابها بشكل عملي ومباشر، دون انهيار لمؤسسات الدولة فيها، وما من خيار إلا تسليم السلطة في مواقع سيطرة ميليشيا الحوثي لشخصيات عسكرية، وسياسية محايدة، ووطنية، ويجري تأهيلها للقيام بهذا الدور لإحداث توازن أكثر فاعلية ضد المنافسين، وهي القيادات الدينية، والتقليدية الميليشاوية لجماعة الحوثي، وتجنب الحلول التوافقية، أو الضعيفة.

2– الإجراءات العسكرية والأمنية لبناء الثقة: عبر إقامة مناطق منزوعة السلاح في كل مواقع التماس، والاشتباكات العسكرية داخل اليمن، وكذلك الشريط الحدودي للتقليل من حدوث اشتباكات مباشرة قادم الأيام، ومن ثم السير قدمًا بمشروع إعادة هيكلة القوات الميليشاوية في شمال اليمن، وتأسيس قوة عريضة مستقلة باسم العمليات الخاصة تكون رشيقة، وحديثة التسليح، وقادرة على التحرك لتلبية الواجبات، وعندما يتطلب الأمر، وبأقصر مسافة زمنية.

3- الإجراءات الاقتصادية، والإنسانية، والاجتماعية، والثقافية لبناء الثقة :عبر إجراءات واقعية تفسح المجال لتحسين العلاقات ما بين أطراف الصراع، وهي إطلاق المعتقلين بدون قيد، أو شرط، ورفع الإقامة الجبرية عن أعضاء البرلمان، والعديد من القيادات الاعتبارية المؤتمرية، وغير المؤتمرية الحزبية، وإنهاء حظر مغادرة العاصمة صنعاء، وبقية المدن الواقعة تحت سيطرة جماعة الحوثي، والسماح للجميع بالعودة إلى مناطقهم، والانتقال في اليمن بدون عوائق، أو مساءلات .كذلك عدم التعرض، أو الإساءة لكل من يريد التعبير عن رأيه، وإيصال صوته في مناطق سيطرة جماعة الحوثي، بما فيها التظاهرات، والاحتجاجات السلمية، والمشروعة. أخيرًا لا بد، وتوحيد الوعاء الإيرادي تحت إدارة وإشراف البنك المركزي في العاصمة عدن، ودعم جهود دفع الأجور، والمرتبات، بدون فرض قيود، واشتراطات مسبقة؛ لما فيه مصلحة جميع اليمنيين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اليمن, دولي, سياسي

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد