أغلب فئات الشعب اليمني اليوم بأمس الحاجة إلى وفرة المتطلبات الأساسية من رغيف خبز ودواء ومياة صالحة للشرب والاستخدام نتيجة قلة هطول الأمطار لهذا العام بذاتها، ربما قد شكلت عجزا مخيف جدا لأغلب الفئات المجتمعية المتعايشة كون المخزون الاحتياطي للمياه قد نفذ بشكل كامل، والاعتماد قد صار على مياة الينابيع والآبار المتواجدة في كل منطقة، وهذا في حد ذاته قد يسبب كارثة حقيقية في حال حل النضوب والجفاف على المنطقة بسبب أن أغلب المواطنين قد اعتمدوا على صهاريج لا تكفي بالغرض متجاوزة أسعار جنونية، وأضيف إلى تلك المعاناة معاناة أخرى هي أشد وأفجع من معاناة ما سبق ذكره فالاحتكار للمادة أو السعلة الغذائية وجشع التجار الذين هم اليوم شركاء في صنع معاناة الشعب عبر التلاعب اللا مسئول في أسعار السلع الأساسية – والتي تمثل موادا ضرورية لأكثر من خمسة وعشرين مليون مواطن يمني – ما زال أسعارها في تذبذب مستمر ونحو الأعلى قيمة نظرا لطبيعة الوضع وما يشهده الواقع الحياتي من تقلبات الحرب، ومن هذه النقطة تمكن ثلة من التجار أن يضع السعر الذي يعود عليه بالربح الوفير متغافل حجم التقشف الذي قد يصل إليه حال المواطن غير القادر على دفع الضعف، والمعاناة التي قد تترتب عليها تلك الزيادة الظالمة وغير الحقه.

ربما السبب يعود لغياب الدولة وعدم وجود رقابة لهذا الجانب هو من مكن وشجع التجار أن يصنعوا ويتفننوا في ألاعيبهم القذرة لأجل خلاص المواطن البسيط العادي وجعله أسير لقمة عيشه الصعبة، وكذلك الاحتكار القائم بحق السلعة وتخزينها هو من جعل الطلب على زيادة مستمرة من قبل المواطن المقتدر دون الوصول إلى مرحلة الاكتفاء والاطمئنان مما عقد طبيعة وانسيابية السوق المحلي وجعلها في حاله تخويف من القادم، فالسعر الحقيقي للدقيق اليوم وحسب تصريح الشركة المنتجة قد يصل إلى المستهلك بمقدار خمسة ألف ريال يمني، ما يعادل 15 دولار بصرف اليوم، لم يحدث هذا بالرغم من التصريح والتهريج من قبل من يخصه الأمر في وزارة الصناعة والتجارة في الواقع سعر الدقيق تجاوز العشرة الآلف بالريال اليمني أي ما يعادل 30 دولار بعد التراجع من أحد عشر ألف ريال في ذروة الأزمة التي افتعلها الحصار وتداعيات الحرب والتاجر المحتكر أيضا، أما بالنسبة لسعر دبة الغاز المنزلي، فهي الأعنف عن سابقة وقد مرت كثيرا في مرحلة الاختفاء، ومن ثم الظهور، وبسعر غير ثابت، فأول الأسعار بعد انعدام دام فترة وصل سعرها عند أصحاب السوق السوداء والمحلات التجارية عديمت الضمير إلى ثمانية ألف ريال مع عدم الشرط لتتراجع بعد عملية احتكار لفترة إلى أربعة ألف وستمائة ريال يمني ما يعادل 20 دولار أمريكي، بالرغم من أن سعرها الحقيقي في الشركة المنتجة لم يتعد ثلاثة دولار مرافق ذلك تعبئة غير خاضعة للرقابة أو السلامة الوقائية.

هذا وغيره هو ما يحدث في حق المواطن من إهلاك وخلس دون النظر إلى حال الوضع، وما قد يخلفه من مجاعة، وخاصة ونحن على عتبة انهيار كامل لكل مقومات الدولة التي أصبحت اليوم أطلال باقية يتضارب على أشباحها المتصارعين.. لم يكن الحال كما هو للمواطن الذي كل يوم وهو على موعد جديد مع محطات المعانات في وطنه المسلوب المصلوب، بل هو اليوم يعيش ما تبقى من حياته تحت حرب قائمة لا يعلم متى الخلاص منها؟ إضافة إلى معاناة ومآس قاسية، وغلاء معيشي هو الأعنف منذ فترات طويلة مرافقا له أزمة استطاعت أن تأكل الأخضر واليابس، فكل ما احتاط به المواطن طيلة مراحل عمره قد ذهب بعيدا مقاوما به صخب الغلاء المعيشي وطفح الحياة وضيمها.. هذا ما خلفته لعبة السياسة القذرة ومكابرات نخبها التي تآمرت على صلبة وهلاكه فلم تكن يوما على إدراك مع ما ستخلفه المرحلة من تراكمات رثة لا يقوى على تحمله.

كل المتصارعين على الساحة اليمنية هم شركاء في دمار الوطن والمواطن بداية من أكبرهم إلى ما بعده وصولا إلى تاجر بسطة وصاحب مخبز، فكل هؤلاء يبحثون عن طريق الرزق السهل الذي يمكنهم من الارتقاء بمستواهم المعيشي حتى لو كان على عرق وكد المواطن البسيط الذي هو اليوم يموت تكرار من أزمة لا سابق له، فكل ما كان بقدوره قد عمله بدا من البحث عن كيس دقيق في دهاليز السوق السوداء ومحلات الغاز وطوابير المحطات وصولا إلى البحث عن بدائل تمكنه من مواصلة العيش بكرامة بعيدا عن الإذلال والخضوع لمذلة الآخرون.. من هذه البدائل قد عاد الحال إلى البحث عن بديل المشتقات النفطية وأخواتها؛ فذهب مغامرا لشراء الطاقات البديلة بأضعاف الأسعار، واستخدم وقود الحطب كبديل أساسي عن دبة الغازل، إضافة الى تخزينه كمية هائلة من حبوب الذرة الذي كان يوما ما منسيا في براميل محكمة الغطاء.

للمواطن اليمني حقا أن يعيش، بالرغم من هذه الظروف العصيبة والمريرة فهو لا زال مكابدا ألم الجوع وقهر الفقر المدقع حتى آخر رمق أخير في حياته!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد