يمثل الانتماء الطائفي للجماعات المسلحة في شمال اليمن أحد أبرز الأسباب التي يمكن لها أن تقف في وجه إيجاد حليف استراتيجي حقيقي لدول الخليج في اليمن.

أفرزت الحرب التي افتعلها الحوثيون وحليفهم الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح تباينا بين مواقف عدن وصنعاء، ففي صنعاء شعارات مناهضة لدول الخليج وفي عدن مؤيدة.

الحرب التي يقول الحوثيون انهم يشنونها (وفقا لشعاراتهم) ضد أمريكا وإسرائيل، باتت في صنعاء، ترتفع ضد دول الخليج.

في صنعاء العاصمة المحتلة من قبل الحوثيين وقوات المخلوع صالح – كما تقول الحكومة- باتت الشعارات المعادية لدول الخليج والسعودية تحديدا، تتزاحم فيما بينها على الجدران وفي الجسور، لتعبر عن غضب شعبي جارف ضد دول الخليج، تقف خلفه آلة إعلامية إيرانية تعمل جاهدة للدفع نحو اقتتال طائفي في المنطقة.

يختلف الحال في عدن العاصمة الجنوبية المحررة، حيث تنتصب أعلام دول التحالف فوق أقسام الشرطة والمرافق الحكومية والخاصة وعلى المركبات، كما تنتصب لوحات عملاقة تتضمن صورًا ضخمة لقادة وأمراء دول الخليج العربي.

في عدن يخرج المواطنون في تظاهرات شبه أسبوعية مؤيدة للتحالف العربي، وفي صنعاء تخرج تظاهرات مماثلة ولكن مناوئة.

الحرب التي خاضتها دولة التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ضد ميليشيات الحوثي والقوات الموالية للرئيس المخلوع علي عبدالله صالح أتت بطلب واستنجاد من غالبية الشعب اليمني، عبر رئيس شرعي منتخب، هو عبدربه منصور هادي.

ففي صنعاء تتزاحم الشعارات المناهضة لدول التحالف العربي والخليج والإمارات والكويت، حيث يصف اليمنيون الشماليون في صنعاء تلك الدول بالعميلة لإسرائيل وأمريكا، على عكس مدينة عدن العاصمة الجنوبية التي باتت شوارعها تتزين بصور قادة الخليج.

لم تكن طهران لتحصل على حليف استراتيجي معاد لدول الخليج في اليمن بمحض الصدفة، فالجذور التاريخية للحركة الزيدية في صنعاء تعود إلى فارس، حيث استعان سيف بن ذي يزن قبل نحو 1500 سنة بالمدد الإيراني لدعم معركته ضد الوجود الحبشي في اليمن، لتدفع إيران حينها بالآلاف من المقاتلين – هم عبارة عن سجناء ومجرمين مدانين في السجون الفارسية- للقتال إلى صف قوات سيف بن ذي يزن.

وعقب انتصار سيف بن ذي يزن، بقي من بقي على قيد الحياة من الفرس في صنعاء كمواطنين من أبناء البلد العربي الواقع في شبه الجزيرة العربية.

التركيبة السكانية لصنعاء

مثلت التركيبة الديموغرافية لسكان العاصمة اليمنية صنعاء والبلدات المجاورة لها بيئة خصبة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، العدو اللدود لدول الخليج، وتحديدًا المملكة العربية السعودية الجارة الكبرى لليمن، لاستغلالها ضمن حربها للسيطرة على الخليج العربي.

تبنت إيران بمختلف الوسائل والطرق الحركة الحوثية الشيعية في بلدة مران بصعدة، لتكون الذراع الطولى لها في حربها ضد دول الخليج واليمن، وكموطئ قدم لتحقيق أجندتها في المنطقة العربية بعد أن نجحت في لبنان.

سخّرت طهران أجهزة التلفزة ووسائل الإعلام التي تمتلكها وتلك التي تدعمها، وتتواجد أغلبها في الضاحية الجنوبية في لبنان معقل حزب الله اللبناني الموالي لطهران، من تجييش الطائفة الزيدية في صنعاء ضد دول الخليج، قبل وأثناء الحرب الحالية التي حاولت فيها مليشيات الحوثي المدعومة من طهران بالتحالف مع الرئيس اليمني المخلوع علي عبدالله صالح من تنفيذ انقلاب على حكم الرئيس عبدربه منصور هادي الذي خلف صالح المخلوع أثر ما عرف بثورات الربيع العربي.

بلدات ريفية تابعة لصنعاء بأسماء إيرانية

في العام 2013م، جلس عضو في المؤتمر خلال استراحة إحدى الجلسات في فندق الموفنبيك بصنعاء على طاولة مستديرة، ليتحدث إلى مجموعة من أعضاء المؤتمر من جنوب اليمن ليكشف لهم أن صنعاء وبلداتها الريفية هي بلدات ومدن بأسماء إيرانية فارسية، لم يكن ذلك مستغرباً، فاليمنيون يدركون لماذا أطلق اسم (سنحان) على مسقط رأس الرئيس اليمني المخلوع، كذلك الحال ببلدات أخرى كخولان، وهمدان وغيرها من البلدات المتاخمة لصنعاء والتي تنتهي أسماؤها في الغالب بمقطع (ان) كإيران وطهران، وهي أسماء فارسية.

يقول عضو الحوار اليمني في تسجيل مرئي بث على نطاق واسع إن الفرس حينما دخلوا اليمن تطبعت أسماء مناطق في إيران على مناطق أخرى في اليمن، مستدلاً بـ”سنحان، خولان، همدان”.

تمكنت إيران من ايجاد حليف استراتيجي ذي مرجعية دينية – الشيعة الاثني عشرية- في مطلع تسعينات القرن الماضي من خلال دعم وتبني جماعة (الشباب المؤمن) الذين أصبحوا في فترة قصيرة جماعة الحوثيين الشيعية ليدشنوا في العام 2004م بداية ستة حروب مع الحكومة اليمنية كانت السعودية حاضرة في الحرب الأخيرة بالقتال البري والجوي.

كان لدى المملكة العربية السعودية حلفاء يمنيون زيديون، تدفع لهم مرتبات شهرية مغرية؛ يتأطرون ضمن جماعة الإخوان المسلمين، وهي جماعة وحزب سياسي أنشئ في مطلع تسعينيات القرن الماضي على يد الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح، وتزعمه الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر حليف ورجل السعودية الأول.

والتجمع اليمني للإصلاح (إخوان اليمن) كان يصور قادته للمملكة العربية السعودية بأنهم يعتنقون الفكر الوهابي، على الرغم من أن قياداته العليا ذات مرجعية زيدية، يكون ولاؤها في الغالب للمذهب على حساب الانتماء السياسي.

استطاعت السياسة الزيدية ان توزع التحالفات بين دول الخليج وإيران بين أطراف الصراع على الخليج العربي، فالزيديون باتوا اليوم هم قادة مليشيات جماعة الحوثي وقادة عسكريون يقودون قوات الحرس الجمهوري التي يتزعمها نجل صالح، في حين يتزعم القوات المناوئة لهم اللواء محمد المقدشي، أحد رجال صالح الذي يقول إنه انشق عن نظام صالح وأعلن ولاءه للسعودية، عن طريق الشرعية اليمنية.

في الـ4 من سبتمبر 2015، استهدِفت قوات التحالف العربي في بلدة صافر بمأرب بصاروخ اصابها مباشرة، ما أسفر عن سقوط عشرات الشهداء والجرحى أغلبهم إماراتيون.

وقد أجمع الكثير من الساسة اليمنيين والخليجيين على أن ما حصل في مأرب هو خيانة من قبل قيادات عسكرية تابعة للإخوان المسلمين، مستدلين بأن الإحداثي الذي رسم الهدف لمطلقي الصاروخ كان دقيقًا للغاية.

وحاصرت الاتهامات اللواء محمد المقدشي باعتباره المسئول الأول عن الجيش اليمني والقوات في مأرب.

اللواء المقدشي والكثير من القيادات العسكرية والسياسية الزيدية، وبعض المراقبين لا يعتقدون أنها قد تستمر في إعلان الولاء للسعودية، فصالح لديه شخصيات وقيادات يحركها كقطع الشطرنج، فقد سبق لقيادات موالية لصالح أن أعلنت انشقاقها عن حكمه وتأييدها لما عرف بثورات الربيع العربي التي أطاحت به، لتكون نتيجة ذلك أن المخلوع حصل على الحصانة من الملاحقة، هو ومن عمل معه، في الحكم الممتد لأكثر من 33 عاماً، كانت مليئة بالجرائم والحروب، لعل أبرزها شنه لحرب 1994م على الجنوب في منتصف تسعينيات القرن الماضي، كما سبقتها حرب 86م في الجنوب، وأكدت وثائق ويكليكس أن صالح هو من كان يقف خلف معركة الصراع بين الجنوبيين في عدن، وأخيرًا دعمه للحوثيين لاجتياح عدن.

التعويل على الحل السياسي

لا يبدو أن الحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها دوليًا، وكذا دول التحالف العربي الداعمة للشرعية في اليمن تعول على مفاوضات جنيف2، في التزام الحوثيين والرئيس اليمني المخلوع علي عبدالله صالح، بتنفيذ القرار الأممي رقم 2216.

فالمعروف عن الحوثيين وصالح أنهم لم يلتزموا بالكثير من المعاهدات لعل أبرزها وثيقة الحوار اليمني واتفاق السلم والشراكة الموقع عقب اجتياح المتمردين لصنعاء في الـ21 سبتمبر من العام 2014م.

كما يبدو أن الحل السياسي للمشكلة اليمنية لا يمكن أن يتم في ظل تعنت إيران على المضي قدما في قتال اليمنيين، وتوعد زعيم المتمردين في خطاب له يوم الـ24 من أكتوبر باجتياح الأراضي السعودية.

لن تبقى دول الخليج في مأمن في حالة تم إبعاد الحوثيين وصالح من المشهد السياسي بأية تسوية سياسية، فالخطر قد يظل قائماً، ويتمثل في جماعة الإخوان المسلمين.

فمع قرب موعد انعقاد مؤتمر جنيف 2 سلمت ميليشيات جماعة الإخوان المسلمين مناطق كانت تسيطر عليها طواعية للمتمردين، كما حصل في بلدة دمت بإب، كما أن تفجير كلية في مدينة إب اليمنية من قبل انتحاري كان يرتدي ملابس نسائية – كما زعمت وكالات أنباء- يندرج ضمن اوراق الضغط التي من الممكن استخدامها في محادثات جنيف2؛ فالتفجير الانتحاري الذي لم ينتج عنه سقوط ضحايا وكان تفجيرًا مبهما، الهدف منه “لفت نظر القوى المتحالفة على محاربة ما تسميه بالإرهاب”.

فالحوثيون وصالح استخدموا القاعدة والتنظيمات الإرهابية المسلحة لابتزاز الغرب وجلب مزيد من الدعم العسكري واللوجستي الذي كانت الولايات المتحدة الأمريكية تقدمه لصالح في حروبه العبثية التي كان يديرها تحت غطاء محاربة الإرهاب لكن في الحقيقة هو من صنع الإرهاب بدءًا بإنشائه تجمع الإصلاح الإسلامي واحتضان العائدين من جبال تورا بورا في أفغانستان وانتهاء بالحوثيين والجماعات المسلحة الأخرى.

فالإخوان المسلمون الذين يقولون إنهم يقاتلون في صف الشرعية اليمنية باتوا اليوم يسهلون للحوثيين وميليشيات المخلوع احتلال المدن الجنوبية، وذلك كورقة ضغط على التحالف لتحقيق رغبات سياسية، والبحث عن مستقبل آمن للجماعة، التي تم تصنيفها قبل عامين بأنها جماعة إرهابية.

البحث عن حليف سياسي في الحرب اليمنية

جاوزت الحرب التي شنتها قوات التحالف العربي في اليمن شهرها السابع منذ انطلاق أولى ضربات عاصفة الحزم، ولكنها حتى اليوم لم تتمكن من إزاحة الحوثيين عن الحضور السياسي في صنعاء، لكنها إلى حد ما قد تمكنت بالفعل من تحجيم تلك القوة وتحييد القدرات الكبيرة لهم من خلال ضرب البنية التحتية للمليشيات وقوات المخلوع صالح.

يمثل إيجاد حليف سياسي حقيقي للحوثيين في صنعاء المعضلة الأكبر في مواجهة قوات التحالف العربية التي تحاول جاهدة إعادة الحكومة اليمنية الشرعية من منفاها إلى صنعاء.

كما يمثل الواقع السياسي المعقد أحد أبرز التحديات التي تواجه دول التحالف وإمكانية خلق حليف استراتيجي حقيقي على الأرض في شمال اليمن.

تمكن المخلوع صالح وجماعة ميليشيا الحوثي من خلق حالة من العداء السياسي ضد المملكة العربية على نطاق واسع في شمال اليمن مستفيدين من حالة الحصار التي فرضت على اليمن وحجم الأضرار الكبيرة التي تسببت بها الغارات الجوية التي شنها طيران التحالف العربي خلال الفترة الماضية.

يمثل الانتماء الطائفي للجماعات المسلحة في شمال اليمن أحد أبرز الأسباب التي يمكن لها أن تقف في مواجهة إيجاد حليف استراتيجي حقيقي لدول الخليج في اليمن.

في جنوب اليمن تمكنت قوات التحالف العربية من إيجاد حليف سياسي وعسكري حقيقي مستفيدة من حجم حالة الرفض الموجودة في الجنوب للقوى السياسية في شمال اليمن التي ظلت متحكمة بالمشهد السياسي على الأرض لعقود طويلة.

ولكن الأمر على خلاف ذلك في شمال اليمن يمثل سكان المناطق الزيدية غالبية المقاتلين الذين انخرطوا في جبهات القتال المناوئة للحكومة الشرعية اليمنية، جميع المقاتلين في هذه المناطق باتوا على يقين أن الحرب التي اندلعت والتغييرات السياسية في اليمن خلال السنوات الماضية كان الهدف منها إقصاء الزيديين عن الخارطة السياسية اليمنية وهو الأمر الذي كان يخضع لسيطرة الزيديين لفترة طويلة تمتد إلى قرون مضت.

تمثل هشاشة التحالفات السياسية السابقة في شمال اليمن أحد أبرز المعوقات السياسية التي تقف في مواجهة إيجاد تحالف سياسي عربي حقيقي في اليمن، وتتهم القوى السياسية في شمال اليمن أنها لاتزال غير جادة في إبرام اتفاق تحالف سياسي مع المملكة العربية السعودية أو أي من دول الخليج.

منذ الـ16 من اغسطس 2015 لاتزال قوات عربية وأخرى موالية للرئيس هادي تراوح مكانها في محافظة مأرب شمال اليمن، وشكّل ضعف التحالفات العسكرية والقبلية لصالح دول التحالف المعضلة الأكبر في تحرك هذه القوات.

يرى الكثير من زعماء القبائل في شمال اليمن في الحرب الدائرة فرصة للكسب غير المشروع؛ لذلك تلجأ الكثير من هذه الزعامات إلى إبرام اتفاقات تحالف هشة مستفيدة من حجم الدعم المالي والعسكري الذي تقدمه قوات التحالف العربية لجبهات القتال على أمل تحقيق انتصار عسكري على الأرض في اليمن لكن دون جدوى.

في الـ21 من سبتمبر 2014 سقطت العاصمة اليمنية صنعاء بيد ميليشيات الحوثي وحينها ظن كثيرون أن جماعات مسلحة مرتبطة بحزب الإصلاح يمكن لها أن تتحرك لمواجهة عملية السيطرة لكن القوات التابعة للحزب الإسلامي لم تتحرك.

تمثل صعوبة التحالف بين دول التحالف العربي وحزب الإصلاح أحد أبرز معضلات التحالف الحقيقية على الأرض في اليمن، وترفض الامارات وهي أحد أبرز قوى التحالف العربي أية شراكة سياسية حقيقية على الأرض مع الإخوان المسلمين.

ورغم ان الإدارة السعودية صنفت جماعة الإخوان المسلمين كحركة إرهابية قبل أكثر من عامين إلا أن صقور الإدارة السعودية الحالية أبدوا حالة من المرونة في التعامل مع قيادات الإخوان في اليمن لمواجهة حالة التمدد التي قام بها الحوثيون في اليمن.

يمثل ضعف القوى السياسية اليمنية الأخرى المناوئة للحوثيين في صنعاء أحد أبرز الإشكاليات التي تقف في وجه إيجاد حليف سياسي حقيقي لدول التحالف العربي في صنعاء .

بأحد الشوارع المهملة في صنعاء يقع مقر الحزب الاشتراكي اليمني أحد أبرز الأحزاب اليمنية، ورغم التاريخ العريق لهذا الحزب إلا أنه لم يتمكن من خلق أية قاعدة شعبية حقيقية له في شمال اليمن وتحديدًا في صنعاء ومثل الحزب الاشتراكي كانت هنالك أحزاب يمنية أخرى بينها الناصري وغيره من الأحزاب.

حجم السيطرة التي فرضها حزب المؤتمر الشعبي العام وهو الحزب الذي يقوده الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح طوال سنوات مضت مكنت الحزب من العودة إلى الواجهة عقب إزاحته عن الحكم جزئيًا في العام 2011.

افتقدت الكثير من الأحزاب اليمنية الأخرى إلى حضور سياسي حقيقي على الأرض وهو ما فوت عليها فرصة الحضور الشعبي في شمال اليمن وتحديدًا في العاصمة اليمنية صنعاء.

عقب سيطرة جماعة الحوثيين على العاصمة اليمنية صنعاء لجأت الجماعة إلى فرض قيود مشددة على حرية التعبير والتظاهر، الأمر الذي حرم القوى السياسية والشعبية التي تريد أن تشكل تحالفًا محتملاً ضدها من تسجيل أي حضور سياسي حقيقي على الأرض.

تمثل جميع هذه الأسباب أحد أبرز عوامل عدم قدرة القوى السياسية اليمنية على إيجاد تحالف سياسي حقيقي على الأرض مناوئ للحوثيين وصالح في شمال اليمن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد