تعد حركة 1948 – أو كما تعرف في اليمن بثورة الدستور – من أهم المنعطفات التاريخية في تاريخ الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي بأسره وليس اليمن فحسب، فهي واحدة من المرات القليلة التي وصل إلى الحكم فيها نخبة من رجال البلد ذوي التوجه الإسلامي الحركي الواضح، والذين تحركوا وانطلقوا في ضوء فكر إصلاحي سياسي قام بهندسته حسن البنا شخصيًّا، والسيد الفضيل الورتلاني الجزائري (الذي يصفه البعض بجيفارا الإخوان المسلمين). وعلى الرغم من أهمية هذا الحدث النادر في التاريخ الإسلامي المعاصر، غير أنه قليلًا ما يجري تسليط الضوء عليه إلا كإشارة عابرة في أثناء سرد مراحل التاريخ اليمني، دون أدني ذكر أو استخلاص للعبر في تاريخ التجارب الإسلامية المعاصرة للوصول إلى الحكم.

بعد سقوط الدولة العثمانية وشغور مقعد الخلافة كليًّا للمرة الثانية في التاريخ الإسلامي، استقلت اليمن رسميًّا عن الدولة العثمانية بعد أن كانت قد استقلت فعليًّا قبلها بسنوات تحت حكم الإمام يحيى حميد الدين، الذي كان يعد من أكبر علماء عصره في المذهب الزيدي. كانت دولة الإمام يحيى محاطة بالأعداء، فإلى الشرق والجنوب كان الاستعمار البريطاني في عدن والذي خاض مواجهات مع قوات الإمام يحيى، وإلى الشمال الدولة السعودية الوليدة التي ابتلعت منطقة نجران وجيزان وعسير بعد صراع عليها مع اليمن. وإلى جانب الصراعات العسكرية التي انهزمت فيها جيوش الإمام يحيى، كان الخطر الأكبر من وجهة نظر الإمام فكريًّا. ففي تلك الفترة كانت الأفكار الليبرالية والحداثية متفشية بطريقة غير مسبوقة في العالم الإسلامي والدول العربية، والتأثر بالأفكار المجتمعية والسياسية من الغرب على أشده كأثر مباشر للاستعمار الأوربي في المنطقة. ولم يقتصر الأمر على أولئك الذين صنعهم الاستعمار فقط، فكثير من النخب والزعامات العربية المقاومة للاستعمار، والتي صاغت أفكار وأنظمة الحكم وقتها في العالم العربي، كانت متأثرة بالأفكار الليبرالية التي كانت ترى الدين عائقًا يجب تنحية أثاره في ملعب السياسة والمجتمع.

في ظل هذا المناخ الفكري التغريبي المسيطر على العالم الإسلامي، والوضع الجيوسياسي والعسكري، أغلق الإمام يحيى على اليمن إغلاقًا تامًا، فمنع دخول الاستثمارات الأجنبية للتجارة والإعمار إلا بإذن خاص منه، وفرض قيودًا كثيرة على تنقل الناس والبضائع من اليمن وإليها، وعزى هذا الإغلاق إلى التخوف من أن يصيب اليمن ما أصاب غيرها من موجه التغريب، ويظهر هذا في كثير من مراسلاته الخاصة مع بعض أعيان اليمن ومسؤوليها. وصلنا منها كمثال مراسلاته الكتابية مع الشاب أحمد زبارة – الذي صار مفتي اليمن لاحقًا لما يزيد على الثلاثين عامًا- والذي هاجم فيها سياسات الإمام التي أفضت لمظالم ومفاسد كثيرة وفقر مدقع، دفعها ورفضها الإمام يحيى بتبريره خوفه على الشعب من موجات التغريب (انظر: رياح التغيير في اليمن للشامي). على الرغم من هذا، فقد كان الكثير من معارضي الإمام يحيى آنذاك يرفضون هذا التبرير، ويصرون على أن سبب هذا الإغلاق رغبة الإمام يحيى الاستبداد بالحكم عن طريق الإبقاء على الشعب فقيرًا جاهلًا لتسهل السيطرة عليه. والواقع أن شخصية الإمام يحيى محل خلاف وجدل كبيرين بين المثقفين اليمنيين والشارع اليمني حتى يومنا هذا، فالإمام يحيى شخصية معقدة وصفه القاضي الشماحي في كتابه الشهير: (اليمن – الحضارة والإنسان) «بصاحب القلب القاسي والعقلية الذكية المحنكة، التي جعلته لغزًا لا تقتدر أن تحكم عليه إذا عرفته وعشت في عهده: هل هو مستبد عادل أم مستبد جائر؟». وبغض النظر عن النية الحقيقية للإمام يحيى، فالواقع أن هذا الإغلاق تسبب في تأخر اليمن وتخلفها عن تقنيات العصر في ذلك الوقت. فخطوط الكهرباء غير متوفرة إلا لعدد محدود من المصالح الحكومية والقصور الخاصة بالإمام وأبنائه، والمستشفيات الحديثة غير موجودة، والصناعة – إن وجدت- ضعيفة متخلفة، والفقر يحيط بأغلب جوانب حياة الناس.

هذا الوضع الفريد أثار انتباه اتجاه فكري صاعد جديد في ذلك الزمان يرفض الأفكار التغريبية المسيطرة على الفضاء الفكري العربي والإسلامي، ويعترض في الوقت ذاته على أنظمة الحكم القديمة التي تستمد شرعيتها دينيًّا في إطار حكم أسرة واحدة تحافظ على الشريعة وتحمي وتصون بيضة الدين مقابل خضوع الناس لحكمهم وعدم خروجهم عليهم. كان التيار الفكري الجديد آنذاك يقدم تفسيرًا ثوريًّا جديدًا خلاصته أن سبب التخلف المادي والعسكري للدول المسلمة هو غياب وجود مبدأ الشورى بشكل فعال بين المسلمين لاختيار الحكام وعزلهم، وحصر آلية انتقال وتسليم الحكم بالتغلب ومن ثم بالتوريث. ومن هذا المنطلق شكل حسن البنا أولى الحركات السياسية التي سعت لترجمة هذا الفكر إلى واقع ملموس في بداية القرن الماضي. ومع سقوط الخلافة وضياع إمكانية تبني الدولة العثمانية لهذا الفكر، بدأ البنا بالبحث عن الأرض التي قد تمثل نواة صلبة لهذا المشروع الطموح، ولم يقتصر جهده وتفكيره فقط على محل ولادته مصر، فانطلق بفكره ودعوته إلى كثير من البلدان العربية والإسلامية. ومن ضمن هذه البلدان كان مشروعه في اليمن الأكثر طموحًا.

فالعزلة التي فرضها الإمام يحيى على اليمن رغم سلبياتها الكثيرة، فإنها حمت – حتى ذلك الوقت – اغلبية اليمنيين من عوام ونخب فكرية وحاكمة من موجه التغريب المنتشرة في باقي الدول العربية، والنظام الحاكم في اليمن يتمتع باستقلالية فريدة عن أي تبعية للقوى الاستعمارية، وفوق هذا وذاك ففلسفة الحكم القائم على المذهب الزيدي لا تعترف بفكرة ولاية العهد والتوريث، ورغم أن الإمام يحيى قد تقلد الإمامة بعد أبيه الإمام محمد، ورغم اعتبار أغلب النخب اليمنية أن سيف الإسلام أحمد ابن الإمام يحيى هو الإمام القادم، فإن الإمام يحيى لم يصرح بولاية العهد لابنه أحمد، ولم يعتبر تقلده الإمامة حقًّا شرعيًّا بالوراثة. وإذا أضفنا لكل هذا أن المذهب الزيدي -على خلاف الموجود والسائد عرفًا سياسيًّا ومذهبيًّا وقتها- يتيح للناس الخروج على الحاكم الظالم؛ ما يوفر أرضية شرعية خصبة لفكرة عزل الحاكم إذا ما أساء، ويتيح الإمكانية التشريعية لتغيير الحاكم دون الصدام مع الأحكام الفقهية الرافضة لذلك، إذا أضفنا هذا لكل ما سبقه من خصائص، فسنتفهم لماذا كانت اليمن خيارًا مثاليًّا لتكون نواةً للمشروع الإسلامي الجديد آنذاك.

لتحقيق هذا الغرض، أرسل البنا المفكر والحركي الشهير الفضيل الورتلاني الجزائري لليمن، ليقوم بالتجهيز لهذا التغيير تحت غطاء إنشاء شركة تجارية وافق عليها الإمام يحيى شخصيًّا؛ احترامًا لسمعة حسن البنا الإسلامية، بل إنه استقبل الفضيل الورتلاني استقبالًا رسميًّا واحتفى به هو و«ولي عهده» أحمد الذي كان حاكمًا لتعز وقتها. يروي أحمد الشامي (معاون وسكرتير) أحمد بن حميد الدين، أن سيف الإسلام (لقب عسكري كان يطلق على أحمد ابن الإمام يحيى وغيره من القيادات العسكرية) قد كلفه بمرافقته الفضيل الورتلاني ومساعدته في إنجاز أموره في اليمن. ويذكر أحمد الشامي في كتابه (رياح التغيير في اليمن) قصة مرافقته للورتلاني، ولحظة إسراره له بمهمته الحقيقية واستقطابه ليكون من ضمن الداعمين لمشروع حسن البنا في اليمن.
كانت الفكرة العملية لجعل اليمن مركزًا إسلاميًا إصلاحيًّا يتلخص بتحويلها إلى ما يشبه المملكة الدستورية، التي يكون للإمام فيها صلاحيات محدودة، يشرف عليه مجلس شورى فيه نخبة من (أهل الحل والعقد في البلد) ويكون لهم صلاحية تعيين الإمام وعزله، ويتم تأطير هذا كله بدستور يحدد صراحة صلاحيات مجلس الشورى، ويقلل من صلاحيات الإمام، ويشترط على الإمام تحقيق الإصلاح السياسي والاجتماعي في اليمن بإخراجها مع عزلتها وتطويرها، وتعزيز دورها في العالم الإسلامي لتلعب دورًا أكبر فيه من خلال ربطها بشبكة مستشارين عرب يستدعيهم الإمام. كان الهدف إذن إنشاء دولة متطورة منفتحة على محيطها العربي والإسلامي، يكون مركز ثقل الحكم فيها عند أهل الحل والعقد المحافظين إسلاميًّا لا الحاكم الفرد، ويكون هذا نظامًا مستقرًّا دائمًا، ليتسنى قولبته وتكراره كنظام حكم إسلامي شرعي يخرج من فكرة الحكم بالتغلب أو بالوراثة، ويكون فيه للمستشارين العرب (يختارهم الإخوان المسلمون) دور ناعم غير مباشر في تحديد سياسات الدولة بصورة رسمية. وكان الطريق لتحقيق هذا الهدف هو جمع النخب اليمنية الموجودة في زوايا السلطة والمعارضين لسياسات الإمام يحيى في الداخل والخارج، وإقناعهم بميثاق وطني يتضمن بنودًا تنقل اليمن من إمامة وحكم الفرد، إلى حكم الأمة والدستور، كما أنه يستحدث منصبًا جديدًا للمستشارين العرب يحدد فيه دورهم الحيوي ويميزه عن غيرهم، ويكسر به انغلاق اليمن السياسي أمام العالم العربي والإسلامي. ومربط الفرس هنا هو انتظار موت الإمام يحيى الذي جاوز الثمانين وقتها، واجتماع رجال اليمن الموقعين على هذا الميثاق وعرضه على شخصيات مختارة، من وافق منهم عليه وبايع الناس على بنوده، يتم مبايعته على هذا الشرط ليكون إمام اليمن الجديد.

استطاع الفضيل الورتلاني أن يحقق ما عجز كثير من اليمنيين عن تحقيقه، فقد تمكن من إقناع عدد كبير من الشخصيات السياسية والاجتماعية المختلفة أشد الاختلاف وجمعهم تحت مظلة الميثاق الوطني، وتمكن من التنسيق بينهم وتحقيق ترتيب عالي الكفاءة، كل هذا في ظل تحركات بالغة السرية، وخلافات شخصية وفكرية بين معارضة الخارج في عدن (وعلى رأسهم محمد نعمان والزبيري)، ومعارضة الداخل التي تصرح برغبتها في الإصلاح دون الانتقاد العلني للإمام يحيى مثل زيد الموشكي، أو حتى السياسيين الذين يتقلدون مناصب إدارية أو سياسية في النظام، والممتعضين من الوضع الحالي مثل حسين الكبسي، وأحمد الشامي، وعبد الله الوزير، وحتى بعض قيادات الجيش، وعلى رأسهم قائد الجيش ومدربه العراقي جمال جميل، بل إن الورتلاني نجح باستمالة أحد أبناء الإمام يحيى وجعله يوقع على الميثاق (الأمير إبراهيم بن يحيى).

كان العائق الأكبر متمثلًا في شخص (ولي العهد) سيف الإسلام أحمد، الذي كان يعد وقتها أقوى شخصية في اليمن، متفوقًا على والده الإمام في النفوذ والقدرة على الوصول إلى القبائل، وصاحب العلاقات الكثيرة والمتشعبة مع رجال العلم والشعر والأدب. وعلى الرغم من أنه لا يوازي والده في العلم الشرعي في المذهب الزيدي، فإن باقي صفاته السياسية والعسكرية كونه الوحيد الذي حقق انتصارات جزئية في الحرب مع المملكة السعودية، بالإضافة إلى قمعه عددًا من الثورات الداخلية؛ جعلت كثيرًا من رجال الدولة وأهل الحل والعقد يعدونه واقعيًّا إمام اليمن القادم بعد وفاة أبيه تجنبًا للخلاف والفوضى المتوقع حصولهما حين يموت الإمام يحيى ويتنازع المتنازعون على الإمامة. وعلى الرغم من عدم وجود مسوغ شرعي لصفة ولاية العهد في المذهب الزيدي، ورفض الإمام يحيى تسميه ابنه أحمد أو غيره وليًّا للعهد من منطلق التزامه بالمذهب الزيدي حين عُرض عليه فعل ذلك بقوله «للإمامة شروط، يحمل بعض أولادي شيئًا منها، ويحمل الآخر شيئًا، والبعض لا يعرف كوعه من بوعه»، إلا أن أحمد اعتبر الأمر منتهيًا ومحسومًا له بحكم تقدمه الكبير على جميع المرشحين في طريق الوصول إلى حكم اليمن، وأوعز إلى اتباعه أن يصفوه بولي العهد في المحافل والإعلام لتمهيد وترسيخ خلافته والده الحكم كأمر واقع. (انظر كتاب اليمن الجمهوري للبردوني، وكتاب رأس الحكمة في سيرة إمام الأمة لعبد الكريم مطهر)

يذكر الشامي في كتابه أن بعض الموقعين على الميثاق الوطني اقترحوا مبايعة سيف الإسلام أحمد، وعرض الميثاق الوطني عليه لاقتناعهم بكفاءته وصلاحيته للحكم، إلا أن الورتلاني نبههم لعبثية ذلك، فأحمد سيرى الميثاق الوطني تقييدًا لا داعي له ونزعًا لما هو حق شرعي له، ومن ثم فلن يقبل به أبدًا. لذلك اتجهت الأنظار تجاه عبد الله الوزير كأبرز مرشح للإمامة ضمن آخرين، فقد كان فقيهًا زيديًّا ورجل دولة معروفًا بعلاقاته الداخلية والخارجية مع الزعماء العرب، وعلى رأسهم الملك عبد العزيز آل سعود.

حتى هذه المرحلة كانت الأمور تمضي بسلاسة ودون كثير صعوبات، داخليًّا كما بينا في السطور السابقة، وخارجيًّا بجمع التأييد لتغيير السلطة في اليمن عن طريق علاقات الإخوان في حكومات سوريا ومصر والعراق، وعن طريق الصداقة والعلاقة الوطيدة بين عبد الله الوزير (المرشح للإمامة) وبين الملك عبد العزيز آل سعود. فتم ترتيب اعتراف سريع بالشرعية الجديدة ودعم مالي، بل عسكري أيضًا عن طريق حكومة العراق ذات العلاقة الطيبة مع الإخوان المسلمين، وكل هذا تحت عنوان إخراج اليمن من عزلتها.

لكن حدثًا مفاجئًا طرأ وغير الترتيبات كلها، وقلب الموازين رأسًا على عقب. نكمل هذا الحدث ونبين مصير الميثاق الوطني وجهود التغيير الإسلامية في اليمن في الجزء الثاني من هذا المقال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد