عرضنا في الجزء الأول من هذا المقال الظروف والأجواء الجيوسياسية التي كانت تعيشها اليمن، وعن أسباب اختيار حسن البنا لها كمحطة انطلاق لبناء دولة الإسلام النموذجية، وأن جهود التوفيق بين اليمنيين كانت تمضي على قدم وساق بسلاسة تفوق التوقعات، وقد أثمرت عن توقيع النخب اليمنية على الميثاق الوطني الذي يحول اليمن إلى دولة إسلامية شوروية بالجمع بين الأسس الفكرية الموجودة في الفكر الشافعي والزيدي.

في هذه الأجواء حصل ما خلط الأوراق كلها؛ إذ تم تسريب إشاعة بوفاة الإمام يحيى – دبرها غالبًا ولي العهد أحمد – وصلت إلى أسماع المعارضة في عدن، الذين بادروا مباشرة وفي مخالفة للإجراءات المتفق عليها إلى نشر إعلان الميثاق الوطني مع أسماء الموقعين عليه، وإعلان عبد الله الوزير كإمام جديد لليمن في ظل حكومة دستورية. أدى هذا الإعلان بطبيعة الحال إلى بلبلة كبيرة، حاول المتفقون على التغيير أن يتفادوها بعدة إجراءات، كان أولها إنكار الوزير أي تطلع له للإمامة وقسمه على ذلك بأغلظ الأيمان أمام الإمام يحيى وأمام الناس في مقال نشرته جريدة الإيمان الناطقة باسم القصر الإمامي خاصة بعد وصول برقيات المباركة له من بعض الحكومات العربية والإسلامية بجهود حسن البنا. وثاني الخطوات كانت في محاولة التيار الذي يرى في ولي العهد أحمد شخصية مناسبة للإمامة الانطلاق اليه معترفين له بصحة الميثاق والموقعين عليه، مع إنكار تسميتهم للإمام القادم، واستغلال الفرصة بمحاولة إقناعه أن يكون هو الإمام الذي يحول اليمن إلى (الملكية الدستورية). وحدث بالضبط ما توقعه الورتلاني من رفض أحمد أي تقييد إضافي على سلطاته، وتشبيهه نفسه بعثمان بن عفان رضي الله عنه الذي رفض أن يخلع ثوبًا ألبسه الله إياه. وحين تم تهديده بنفس مصير الخليفة الثالث، قطب جبينه واستعار الشطر الأول من البيت الشعري المشهور لسعد بن معاذ «لبث قليلًا يتبع الهيجا حمل» في إشارة إلى استعداده للموت في سبيل ما يؤمن به وأنهى النقاش بابتسامة منذرة بالخطر.

وفوق هذا فقد تسربت الروح الثورية والحانقة على حكم الإمام يحيى إلى بعض الشباب الثوري الذين انطلقوا في أعمال عنف وتفجير وتوزيع للمنشورات المنادية بالثورة بصريح العبارة؛ الأمر الذي جعل المناخ السياسي في صنعاء ملتهبًا، فالإمام يحيى صار متحفزًا بشدة، وقد أرسل في استدعاء ابنه أحمد (رجل المهام الصعبة) من تعز ليبدأ غالبًا حملة قمع واسعة وليفكك خيوط المؤامرة التي صارت واضحة للعيان. ما أرغم المعارضة على الاختيار بين أمرين: إما الانسحاب إلى عدن والمخاطرة بتضييع كل جهود التنسيق الجبارة التي تمت، أو التعجيل بتنفيذ المخطط دون الانتظار إلى وفاة الإمام الذي كان في عقده الثامن وهو ما تم.

ففي صباح يوم الثلاثاء 15 فبراير (شباط) 1948 وإثر فتوى تلقاها الشيخ القبلي ناصر القردعي من عبد الله الوزير بجواز قتل الإمام يحيى، اعترض القردعي ومن معه سيارة الإمام يحيى وقام بقتله وبجواره رئيس وزرائه العمري المؤيد للثورة وحفيده الطفل الذي لم يكمل سبع سنوات جميعهم قتلوا مع الإمام العجوز.

كان دوي هذا الاغتيال كبيرًا داخليًا وخارجيًا. فقد صُدم أهل صنعاء وغالبية العوام من الزيدية باغتيال أكبر علمائهم قبل أن يكون حاكمهم، وتعمق الاستياء بمقتل رئيس الوزراء عبدالله العمري الذي كان محبوبًا من أهل صنعاء. هذا الاستياء سيدفع ثمنه الثوار غاليًا لاحقًا، حيث حرموا من الدعم الشعبي حين احتاجوا إليه. بينما كان الأثر خارجيًا أكثر فداحة ووضوحًا من الداخل، فقد تسبب الاغتيال بتحويل مواقف القيادات والحكومات التي أبدت تعاطفها سابقًا مع مطالب التغيير في اليمن إلى النقيض، بل إن بعض من وعدوا بدعم رجالات حركة الدستور صراحة انقلبوا على الثوار بسبب هذا الاغتيال وعلى رأسهم حكومات العراق، وسوريا، والسعودية، التي لم تشفع صداقة ملكها عبد العزيز بن سعود مع الإمام الجديد عبد الله الوزير من تقليل دعمه وتدخله وتصريحه لرجالات الدستور حين طلبوا دعمه الموعود أنه توافق معهم على الإصلاح والتغيير بعد وفاة الإمام يحيى بشكل طبيعي، لا على اغتياله كما حدث.

ورغم موجه الامتعاض التي خلفها اغتيال الإمام يحيى، إلا أنه كان بالإمكان تجاوزها داخليًا من خلال العطايا والإكراميات التي تم توزيعها على أهل صنعاء ومشايخها وعقال حاراتها، وخارجيًا عبر التحركات الدبلوماسية عالية المستوى التي بدأت منذ اللحظات الأولى للنظام الجديد. كان الخطر الأكبر متمثلًا بشخص ولي العهد أحمد بن يحيى حاكم تعز وقتها، الذي غادر تعز باتجاه الشمال فور وصول خبر الاغتيال، وإعلان النظام الجديد في صنعاء، ولم تنجح محاولات اغتياله بسبب حسن تدبيره وتوقعه لها، بالإضافة إلى بطء الدستوريين في التحرك والتأخيرات الكبيرة في انتقال المعلومات بينهم. وحين نجح احمد بالوصول إلى منطقة تهامة شمال غرب صنعاء، مارس أساليب خداع متعددة بإيحائه استسلامه للأمر الواقع وتقديمه اللجوء إلى السعودية؛ الأمر الذي أوقف تحرك قوة عسكرية كانت قد تجهزت لمطاردته والإيقاع به مبكرًا، ما أتاح له الوقت الكافي ليعيد تنظيم صفوفه ليتواصل مع القبائل ويؤلبهم لدخول صنعاء، ويعد بإباحتها لهم سبعة أيام لنهبها إذا ما ساعدوه في القضاء على خصومه.

وتمر الأيام والإمام أحمد، الذي أعلن لنفسه الإمامة وسمى نفسه بالناصر لدين الله، يحشد القبائل ويتقدم تجاه صنعاء ويحيط بها إحاطة السوار بالمعصم شيئا فشيئًا، بينما كل قرارات الدولة الدستورية الوليدة في صنعاء لا يكاد ينفذ منها شيء، إلا تحركات دبلوماسية تستدعي الاعتراف من الجامعة العربية، وتحاول استئجار الطائرات الحربية للدفاع عن صنعاء، والانتظار لجيش قادم من المناطق الشافعية أفراده لا يتعاطفون مع الإمام الزيدي القتيل وابنه المنادي بالثأر له. وقد تم تحريك بعض الحملات العسكرية لردع تقدم الإمام أحمد، والتي كانت نتيجتها مخزية، فإحدى هذه الحملات على سبيل المثال انطلقت بقوة كافية من السيارات والمدرعات، لكن مؤنتها من الذخيرة كانت غير مناسبة للسلاح الذي يحمله المقاتلون، مما تسبب بانسحابهم بعد فترة بسيطة جدًا من بداية المعركة. وتتكرر الأخطاء الإدارية واللوجستية باستمرار في أغلب تفاصيل الأيام التي تلت سيطرة الدستوريين على صنعاء، الأمر الذي اوصلهم للنهاية المحتومة.

فبعد دخول صنعاء، كانت الروح المعنوية للثوار عالية للغاية، والثقة التي اكتسبوها من برقيات المباركة والتأييد الداخلية والخارجية جعلتهم يتصرفون كأن الأمر قد تم، وأن تهديد أحمد ليس إلا فقاعة بسيطة! فكان تركيزهم على قضايا سياسية مرتبطة بالإعمار وغيرها من التي يضيع فيها الجهد والوقت كأنهم في وضع سلم لا خوف فيه. وحين ادركوا فداحة الخطر، كانت ردود الأفعال ضعيفة ويغلب عليها طابع الإنكار للواقع المقترب منهم. يقول أحمد الشامي الذي كان سكرتير مجلس الوزراء في حكومة الدستور. كان الشلل قد استحكم، فقد كنا نتخذ القرارات الحاسمة على الورق ليلًا، ولا ننفذ منها شيئا صباحًا.. فقد تم الاتفاق على إرسال ما يقارب 11 وفد عسكري وسياسي لتقوية الوضع والجبهة الداخلية، أربعة منها انهزمت بسبب سوء الإعداد أو لأخطاء عسكرية فادحة، وما تبقى منها لم يتم تنفيذها من الأساس.

وبعد شهر من إعلان اليمن مملكة دستورية شوروية، وتقلد النخبة اليمنية المتأثرة بالحركة الإسلامية الوليدة لمقاليد الحكم، دخل الإمام أحمد بن حميد الدين صنعاء مع جحافل من القبائل التي استباحت صنعاء سبعة أيام بلياليها، لينهي واحدة من أولى محاولات الخروج على الحكم الملكي المطلق في العالم العربي في القرن الماضي بإعدام أغلب المشاركين فيها، ويطوي صفحة الدولة الإسلامية النموذجية التي حاول الإخوان المسلمون الأوائل هندستها. ورغم ذلك فقد بقيت جذوة الرفض لدولة الإمامة متقدة بين النخب اليمنية، وحين أعادوا الكرة بعد 13 عامًا، اختاروا هذه المرة الفكر الجمهوري الصريح المستمد من تبشيرات جمال عبد الناصر دون بيعة تقوم على أركان المذهب الزيدي، ولكن لهذه الثورة مصير وحكاية أخرى.

أسباب فشل ثورة الدستور

كانت ثورة نخبوية عمادها أحلام وطموحات الرعيل الأول من رجال الإخوان والمثقفين من نخبة رجالات الدولة اليمنية وبعض الشباب المثقف المتحمس، بينما غالبية الشعب من أبناء المدن – والأهم منهم أبناء القبائل – كانوا غير متفاعلين او متحمسين مع هذه الثورة وأفكارها، بل استاءوا بشدة من حادثة قتل الامام يحيى ومن معه ناهيك عن توجسهم من الأفكار الجديدة التي حملتها الثورة، حتى أن لفظة دستور أو دستوري صارت من أقبح السباب بين العامة نتيجة تعبئتهم برفض هذه الأفكار. وعلاوة على الرفض الداخلي، كان الرفض الخارجي من حكومات الدول العربية أكثر حدة، فبينما كان رئيس الوزراء العراقي (صالح جبر) من المتعاطفين مع الثورة والواعدين بدعمها بكل ما تحتاج، فقد سقطت حكومته قبل الثورة بأيام قليلة، وكان من خلفه (محمد الصدر) مستاءً للغاية من قتل الإمام يحيى وتحول موقف العراق من داعم إلى معادي!

ومما يظهر أن مهندسي ومنتسبي هذه الثورة كانوا منفصلين تمامًا عن الواقع اليمني بتعقيداته، فقد كانوا معولين للغاية على مكانة الإمام الدستوري الجديد عبدالله الوزير بين القبائل الزيدية، ومقللين لخطر سيف الإسلام احمد، وعلى الرغم من إدراكهم في بداية المطاف لأهمية القضاء على أحمد قبل ان يستفحل خطره، إلا أن كثرة برقيات التأييد والمباركة داخليًا وخارجيا قد خدرتهم. بينما الواقع أن مكانة الوزير قد تخلخلت بشدة إثر اغتياله للإمام يحيي، والسيف أحمد كان يستمر في أضعاف هذه المكانة بإشاعة تعاون الوزير مع الكفار كما سبق الإشارة اليه. وفوق كل هذا انشغلت الحكومة الجديدة والثوار بنقاشات حول مشاريع عمرانية وتجاذبات حول المناصب خلخلت صفوفهم وضيعت جهودهم من ان تتركز على الخطر الأكبر المحيط بصنعاء.

ومن أكبر الأسباب كذلك التعويل الكبير على دور الجامعة العربية وتحريك الإخوان المسلمين لحلفائهم في الأنظمة والحكومات العربية بما يدعم الثوار في اليمن، فالإمام الوزير يرفض مغادرة صنعاء المعرضة للخطر إلى مناطق أكثر أمانًا من الناحية العسكرية مثل رداع أو تعز لتخوفه من أن يؤدي خروجه من صنعاء إلى تعقيد موقفه السياسي في جامعة الدول العربية وحرمانه من الدعم العربي الذي لم يأت قط. وبالرغم من الجهود السياسية الكبيرة والصادقة التي تمت من قبل الإخوان وحلفائهم، إلا أنها كانت منعزلة تمامًا عن الواقع اليمني الذي يزداد صعوبة في وجه الثوار، وتفتحًا أمام الإمام أحمد.

ولا شك أن الانقسام الكبير والتباين بين أفكار ودوافع الثوار وظهورها على السطح في أكثر الأوقات حساسية قد لعب دورًا عظيمًا في قتل الثورة بهذه السرعة، ودليل على أن التنسيق والتجميع الذي قام به الإخوان المسلمون بين الفرقاء كان سطحيًا وغير كامل. يورد الشامي في كتابه نقلًا عن محمد الفسيل أحد المشاركين في ثورتي 1948 و1962، أن جيشًا من المناطق الشافعية كان متجها إلى صنعاء لإمدادها بمن يدافع عنها هجوم القبائل الوشيك، وكان التعويل عليهم كبيرًا خاصة وأن اهل صنعاء وحاميتها ذوي الغالبية الزيدية كان يعوزهم الحماس بعد مقتل أكبر علمائهم، لكن بحسب قول الفسيل، تأخر الجيش بعرقلة من المعارض الكبير أحمد نعمان لمن يقود هذا الجيش في منطقة المخادر قبل صنعاء، وقوله له دع الإمام الزيدي يأكل الإمام الزيدي ثم نأتي لننقذ الجميع. وبهذا لم يصل الجيش الذي كان من المفترض أن يحمي صنعاء أبدًا ولم يسلم الإمام الزيدي (الوزير) والمعارضون الشوافع من سيف الإمام أحمد حين وصل صنعاء. كما أن الإمام الجديد رفض كثير من التحركات العسكرية المهمة تخوفًا من نية الثوار الانقلاب عليه، بل إن واحدًا من المقربين من الوزير قال بعد انتهاء الثورة أن الإمام الجديد كان يساير الثوار وقتها وينوي التخلص منهم بعد تثبيت أقدامه.

وأخيرًا يبقى السبب الرئيس وراء فشل الثورة متمثلًا في شخصية من كان يواجهها، الإمام أحمد بن حميد الدين، الذي كان رجل سياسة محنك لا يشق له غبار، وكانت مناوراته السياسية والعسكرية دومًا تسبق الثوار بخطوة في اللحظات الحاسمة. وما يدعم ان شخصية الإمام احمد كانت المعرقل الأساس للثورات هو تمكنه من احباط عدة محاولات للثورة والانقلاب عليه بعدها (إحداها بدعم أمريكي)، وعدم تمكن اليمنيين من تغيير نظام الحكم إلا بعد وفاته عام 1962.

ومع تعدد الأسباب تبقى الحقيقة أن ثورة 48 في اليمن كانت ربما المحاولة الأولى لتطبيق الفكر الإسلامي السياسي المعاصر، والتي لم يكتب لها النجاح، ومن يدري أي عالم كنا لنعيشه لو لم تفشل هذه التجربة الفريدة من نوعها في ذلك الوقت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد