تكفير صحيفة يمنية، هو تكفير للمثقفين، هكذا عبر الكاتب والإعلامي اليمني عبد الرحمن غيلان في كتابه: الجماعات الدينية وتكفير المثقفين صحيفة الثقافية اليمينة نموذجًا، ويندد الكاتب بموجة تكفير المثقف اليمني المتواترة منذ سنوات من قبل الجماعات الدينية في اليمن.

سلط غيلان الضوء في كتابه على قضية التكفير في اليمن، وفي الوطن العربي عمومًا من قبل الجماعات الدينية التي ما انفكت تكفر كل خارج عن القوالب المرورثة، وقد اتخذ صحيفة الثقافية اليمنية نموذجًا، وهي قضية تكفير الصحيفة ورئيس تحريرها سمير اليوسفي لاتباعها منهجًا متحررًا ومتجددًا يدعو إلى التمحيص في الماضي ومراجعته.

وبين الكاتب في كتابه ما مرت به صحيفة الثقافية تحت شبح التكفير، والصراع الذي واجهته بسبب نشر رواية: صنعاء مدينة مفتوحة، للأديب الراحل محمد عبد الولي مدعين إساءتها للذات الإلهية، هذا إضافة إلى أسباب الصراع ومظاهره، مشددًا على موجة التهديد والإيذاء النفسي الذي تعرض له كتابها؛ لما كتبوه عن جدلية علاقة الجماعات الدينية الملتبسة بالمشهد الثقافي.

ونقد الكتاب العلاقة الملتبسة للجماعات الدينية بالدين وقصر وعييها بالعمل الثقافي وتعاطيها السلبي مع مبدأ الحرية مبينًا المرحلة التي وصلت إليها الجماعات الدينية في اليمن وموجة الحروب الثقافية التي قادها الإخوان المسلمون في اليمن، وذلك في محاولة منهم لإضعاف المثقفين والكتاب والمبدعين وأهمها المعركة التكفيرية التي قادها الشيخ عبد المجيد الزنداني ورجال دين آخرين ضد صحيفة الثقافية.

وقد تواترت في العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين تدخلات الجماعات الدينية وفتاواهم التكفيرية والتفسيقية والتبديعية ودعاوى الاحتساب التي علت منابر المساجد، والتي وصفت وقيمت الفنون الراقية في سياقات تنديدية تحولت بموجبها الموسيقى والغناء والفنون إلى أنشطة تنشر الفسق والمجون وتفسد أخلاق المجتمع.

وجاء إصدار الكتاب كردّ ناقد وكاشف لمرحلة تضخم التدخل السافر من الجماعات الدينية في حرية الناس، وخاصة فئة النخبة، وتشكيل ما يشبه اللوبي في الجهات القائمة على أمر التعليم والثقافة والإعلام ومنابر المساجد بهدف التحكم في أغلب مجريات الحياة الثقافية والإبداعية.

وقال الكاتب في إحدى الصفحات، وقال: نتج عن موجات التكفير المتلاحقة للفنون والموسيقى والمهرجانات الغنائية والفنانين والمثقفين، أفعال عنفٍ تمثلت في جرائم إرهابية طالت عددًا من محلات التسجيلات الغنائية والفنانين والمثقفين، وكان العنف الذي طال الصحافة والصحافيين والأدباء والكتاب والمثقفين أشدّ وأشرس.

وقد لفت غيلان إلى أن قضية التكفير الثقافي والإبداعي برزت منذ ثمانينات القرن الماضي كوسيلة للصراع السياسي وثمرة للإسلام السياسي الذي قدم باقة متنوعة من الفتاوى طالت عديد الوجوه الثقافية والفكرية في اليمن بقصد السيطرة على المجتمع وتوجيه مسار التطور العام للدولة اليمنية الحديثة.

وقدمت المنظمة الوطنية لمناهضة العنف والإرهاب أبرز ضحايا النزعة التكفيرية خلال ثلاثة عقود ونصف، ولعل أبرزها شاعر اليمن الكبير الدكتور عبد العزيز المقالح، صدرت ضده أكثر من فتوى تكفيرية كان أولها بسبب قصيدة شعرية في كتابه: بسيف الثائر علي بن الفضل. في ثمانينات القرن الماضي وآخرها في عام 2004، عشية إعلان صنعاء عاصمة للثقافة العربية، من قبل جماعة متطرفة تنشط في منطقة الحجرية بتعز، وصفته بالكافر وأنه أسوأ من الشيطان بُعيد اختتام مؤتمر حوار الحضارات الذي شهدته صنعاء، والذي دعا فيه المقالح إلى تعزيز الحوار الثقافي والحضاري ونشر قيم التفاهم والتسامح وإشاعة ثقافة السلام ورفض ثقافتيّ العنف والتكفير.

وفي عام 2008 تجدد تكفير الصحيفة وهيئة تحريرها بسبب موقف الصحيفة الداعم لتنظيم مهرجان عدن الغنائي الأول الذي شاركت في إحيائه الفنانة العربية أصالة نصري، وكان موقف الصحيفة مناهضًا لبيان أصدره الزنداني، وعدد من العلماء، دعوا فيه إلى منع إقامة المهرجان بحجة أن الإسلام يحرِّم الموسيقى والغناء، وتلاه بيان آخر لتنظيم القاعدة هدد فيه الفنانه نصري بالقتل إن هي وصلت عدن كما هدّد – أي البيان – بتفجير مقر المهرجان وحذَّر الناس من المشاركة فيه. وقد بدا للناس حينها أن تنظيم القاعدة على صلة بالبيان السابق من علماء اليمن.

القاضي علي علي السعيدي اتهم بالردة وطالبت النيابة العامة بإعدامه والتفريق بينه وزوجته وفصله من الوظيفة العامة بسبب نشره لأفكاره وتوجهاته على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك اعتبرت مجرّمة، وردة عن الدين، وما تزال قضيته حتى اللحظة منظورة لدى النيابة العامة.

ولازالت موجة التكفير تغيم على سماء اليمن فقد ظهرت قبل أسابيع جماعات متشددة تطلق على نفسها: جماعة التوحيد، لتكفر الكاتب أحمد عبد الله الصوفي، وتتهمه بالخروج عن الدين بسبب روايته الشهيرة: مأساة إبليس، التي اتهم فيها بالخروج على الأفكار والمعتقدات الإسلامية ودعت تلك الجماعات المتشددة إلى تحريم الرواية التي اعتبرتها منكرًا عظيمًا، ونشرها يعد إثمًا عظيمًا يتحمله من كتب الرواية وطبعها ونشرها واشتراها وساهم في نشرها كونها – بحسب تلك الجماعة – تنتهك الضوابط الشرعية للتفكير وعلوم الفلسفة والفكر.

وقد أكد غيلان أن العنف اللفظي أصبح جزء من حياة اليمنيين يتجه بانتظام نحو التعاظم، وهو ما سيفضي إلى حالة من الانفلات الأمني وانهيار الدولة، وذلك لتصفية الحسابات مع جميع التيارات المعادية لبعض أنواع الفهم الضاري للدين، وهو ما يستوجب اصطفافًا مجتمعيًا وثقافيًا وأدبيًا وفكريًا لترشيد الخطاب الديني وللحد من تنامي هذه الظاهرة والتوعية بمخاطر تفشيها وانعكاساتها السلبية على المجتمع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد