تشهد اليمن منعطفًا سـياسيًّا وأمنيًّا خطـيرًا بات يعـرف برفع الغطاء السياسي عن جماعة الحوثي، ويقصد به أيضًا مجمل التحولات التي تتعرض لها البنى السياسية في المجتمع الواقع تحت سلطة الأمر الواقع في شمال اليمن، وما كان يعرف بالجمهورية العربية اليمنية، بحيث يعاد توزيع السلطة والنفوذ والانتقال من وضع استبدادي بقناع ديمقراطي إلى وضع كارثي لا ديمقراطي استبدادي، أبرز سماته جرائم انتهاك حقوق الإنسان، كالتصفيات الجسدية، والاعتقالات القهرية، والإخفاءات القسرية، والتي كشفها بوضوح حجب وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقاتها داخل كامل الأراضي اليمنية.

كما شهدت اليمن نموذج نظام ملكي إمامي كهنوتي سلالي عنصري منذ عقود، نجدها اليوم تقع تحت مظلة شعارات الموت لأمريكا وإسرائيل، والهدف تجنيد المزيد من المقاتلين نحو هدف عسكري صرف، لتحقيق هدف سياسي يمهد لحكم الشعب اليمني بالقوة، ولا لغة غير لغة القوة، فيما مفادها نحكمكم أو نقتلكم.

يضع التاريخ اليمني الحديث والمعاصر علامة استفهام.

كيف نجحت جماعة الحوثي في القضاء على الديكتاتور القمعي علي عبد الله صالح؟

يكتب التاريخ اليمن الحديث والمعاصر أن الرئيس الراحل علي عبد الله صالح كان يعتمد على حزب المؤتمر الشعبي العام ذراعًا سياسية، والقبيلة «شعبًا»، وقوات الحرس الجمهوري ذراعًا عسكرية، وهذه كلها نجح دهاء جماعة الحوثي في تحييدها، بناء عدد من الوقائع التي شهدتها اليمن خلال ثلاث سنوات منذ حكمها العاصمة صنعاء، بشراكة مع حزب الرئيس السابق علي عبد الله صالح، ولنكون أكثر دقة «ثلاث سنوات من عمر الحرب الأهلية اليمنية». وبناءً على كل ما سبق فالتاريخ يجيب.

أولًا: بأن جعلته خائنًا للوطن أي علي عبد الله صالح، عندما انضم إلى صف قوات التحالف العربي، التي قتلت أبناء الشعب اليمني بسلاح الطيران الجوي. ما أجاز لها تصفيتهُ من جانب رأي شعبي.

ثانيًا: برهنت بأن الحرب والدمار والقتل والحصار والتجويع والمعاناة منذ سنة 2014، الذي كان يعانيه الشعب اليمني في كل مكان، بفعل خطة خليجية تديرها الإمارات العربية المتحدة والعربية السعودية، وقد نجح جزؤها الأول في التخلص من جماعة الإخوان المسلمين «حزب التجمع اليمني للإصلاح»، في حين فشل الجزء الثاني في تصفية جماعة أنصار الله الحوثية.

ثالثًا: إدارة المشهد اليمني بأن جعلت علي عبد الله صالح ومن وقف معه ميليشيا متمردة ضد الدولة، وهو السيناريو ذاته الذي أجادهُ علي عبد الله صالح سنة 2004، بأن جعل الجيش اليمني يقود حرب ظلومة ضد ميليشيا الحوثي، وانتهت بتصفية زعيم جماعة الحوثي حسين بدرالدين الحوثي شقيق زعيمها الحالي السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي.

رابعًا: افتقد علي عبد الله صالح لعنصر المفاجأة عندما واجه جماعة الحوثي بصنعاء، فخطة السيطرة على العاصمة صنعاء هي الخطة ذاتها التي كان شريكا الانقلاب على إطلاع تام بها، بالإضافة إلى العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة منذ سنة 2014. والتي تسربت مؤخرًا تحت مسمى

وثائق سرّية للغاية تنشر لأول مرة: كيف خطط علي صالح لإسقاط العاصمة صنعاء؟

الكارثة أن هذا المخطط كما نفذته سنة 2014 عناصر ميليشيا أنصار الله الحوثية، وانتهى بإحكام السيطرة على العاصمة صنعاء، فمن المؤكد بأنه كان سينفذ 2017 من قبل عناصر القاعدة وداعش، والتي جمع وجند جزءً كبيرًا منها العميد الركن طارق صالح عفاش في معسكر الشهيد حسن الملصي، سمي «أبو حرب التدريبي» في ضاحية سنحان بصنعاء، إذ بلغ إجمالي الدفع المتخرجة 12 دفعة على أقل تقدير.

سيكتب التاريخ اليمني الحديث والمعاصر، أن الانقلاب الذي قادته جماعة الحوثي في سنة 2017، امتلك شرعية شعبية بناء أمرين ولا ثالث لهما:

الأول: أن المخطط الخليجي في اليمن لم يكن بصدد دعم السلطة الشرعية، بقدر ما خطط لإضعافها، ولا كذلك إنجاح مخرجات الحوار الوطني الشامل، والدليل انكشافه أي المخطط الخليجي في 2 ديسمبر (كانون الأول) 2017، بأنه امتداد للمخطط ذاته في 21 سبتمبر (أيلول) 2014.

الثاني: الأبرياء الذين قضوا نحبهم، وروت دماؤهم كامل تراب اليمن، بفعل الحرب العبثية، والأجندة الخليجية المشبوهة في اليمن منذ 26 مارس (آذار) 2015.

أمام التاريخ اليمني المعاصر علامة استفهام أخرى: هل جماعة الحوثي تدير دولة؟!

يقول الساسة إنها غير منتخبة، لذلك ليست جماعة تدير دولة، لكن الواقع بأن حزب المؤتمر الشعبي العام سلمها الدولة اليمنية عبر ما يسمى المجلس السياسي الأعلى، والأمر ذاته حدث من جانب البرلمان اليمني. وفي المقابل فدول التحالف العربي شريكة في تسليم الدولة في اليمن لجماعة الحوثي، لأنها تآمرت مع الديكتاتور القمعي علي عبد الله صالح ضد الشعب اليمن منذ سنة 2014، وخير دليل إضعافها للسلطة الشرعية، والرئيس المنتخب عبد ربه منصور هادي، ومصادرة القرار السيادي والعسكري والأمني والاقتصادي.

في الحقيقة هنالك تساؤل تاريخي آخر يطرح نفسه عن الدور الخليجي في اليمن بشكل عام والإماراتي بشكل خاص؟

كشفت مجريات الواقع، بأن الإمارات كانت تعتمد على نظام علي عبد الله صالح في رعاية مصالحها في اليمن، وبالتالي فكل أدوات داعش والقاعدة ملكية حصرية للإمارات، بخلاف كل الاتهامات التي كانت تروج ضد دولة قطر، فالثابت بأن الدور القطري كان سياسيًا وإعلاميًا، بينما كان الدور الإماراتي والسعودي عسكريًا وأمنيًا واقتصاديًا، وليس من أجل مصلحة الشعب اليمني بقدر ما هو حماية للأمن القومي الإماراتي والسعودي فقط.

لو قمنا بكتابة التاريخ اليمني بكل صدق:

فاليمن الشمالي كان مقسمًا واقعيًّا إلى قسمين: فالقسم الأول يدعى باليمن الأعلى وهو الحاكم «إقليم أزال»، والقسم الآخر هو اليمن الأسفل «تهامة والجند وسبأ» وهو الخاضع للحكم بالقوة، اليمن الأعلى تتنافس عليه الهاشمية والقبيلة الزيدية، وعندما تهزم القبيلة الهاشمية القبيلة الزيدية فإنها تستعين برجال اليمن الأسفل لتقصي الهاشمية، ومتى ما تم لها ذلك تقوم بالخلاص من كامل رجال اليمن الأسفل.

يؤكد التاريخ اليمني حقيقة ساطعة سطوع الشمس، أن الشمال الحاكم بشكل عام أو اليمن الأعلى بشكل خاص، لا يقبل بالانقياد لأي مشروع وطني جامع تنهي مركزيته المقيتة، واستحواذه على السلطة والثروة في اليمن.

التاريخ لا بد ويتحدث بأن القضية نزاع على السلطة وكرسي الحكم. ولن تتجاوز عن حماية الذات والأتباع والمصالح الشخصية وتنفيذ أجندات إقليمية. لكن لا بد أن ننصف تاريخيًا الوجه الوطني والوحدوي في اليمن والذي يجب الحديث عنه باستفاضة.

أمثال:

بطولات الشهيد العميد الركن حميد القشيبي.

فدائية الشهيد اللواء علي ناصر هادي.

وحدوية الشهيد اللواء جعفر محمد سعد.

فدائية الشهيد اللواء عبد الرب الشدادي.

بطولة ووحدوية الشهيد اللواء الركن أحمد سيف اليافعي.

فدائية الشهيد العميد صالح سالم صالح الصبيحي

وقتالية الشهيد العميد حسن الملصي.

سيكتب التاريخ بأن القشيبي كان يدافع عن الدولة، وسيكتب التاريخ بأن الشيخ مبخوت المشرقي وأحد أبرز رجال الرئيس السابق علي عبد الله صالح هو من غدر بالقشيبي لصالح جماعة الحوثي، وقد تم تصفيته مؤخرًا أي المشرقي.

سيكتب التاريخ اليمني الحديث والمعاصر بأن علي ناصر هادي قائد عسكري وطني وحدوي محنك سقط دفاعًا عن عدن وعن اليمن. وكذلك سيكتب التاريخ أن جعفر رجل دولة معتدل وطني وحدوي تم تصفيته من دولة الإمارات رغم تبني تنظيم داعش لمقتله.

وسيكتب التاريخ اليمني الحديث والمعاصر أن الشدادي رجل دولة وطني قتل من قبل قوات الانقلاب في شمال اليمن. وكذلك سيكتب التاريخ اليمني أن اليافعي واحد من رجال الجنوب الوحدويين المميزين، والذي قاد معارك الوطن اليمني في الساحل الغربي.

وفي المقابل سيكتب التاريخ أن الصبيحي نموذج آخر لرجل وحدوي من أبناء الجنوب سقط دفاعًا عن اليمن الواحد. لكن لا بد أن يحفر في التاريخ اليمني الحديث والمعاصر أن الملصي كان يقود جبهة نجران في فدائية ضاقت بقصف طيران التحالف العربي للمدنيين اليمنيين، لكن قتلته القوات السعودية.

عندما تكتب التاريخ يجب أن تفرق ما بين من كان يقود عقيدة وطنية، وفي الأمر ذاته من كان ينقاد لمخططات وأجندات غير وطنية.

قد يدعي بعضهم بأن هنالك أبطالًا مثل نموذج بطل مقاوم وقف ضد الانقلاب في اليمن، في حين أن الحقيقة تتحدث بأنه كان يقاوم دفاعًا عن نفسه، لو أخذنا الشيخ حمود المخلافي بتعز، فهو كان يدافع عن نفسه وعن حزب الإخوان المسلمين «الإصلاح في تعز»؛ ولذلك يعد بين أنصاره بطلًا قوميًا، وفي المقابل فهناك أعداد كبيرة في أمانة العاصمة صنعاء من أبناء تعز، سيكتب التاريخ أن جماعة الحوثي تحميها بل تأمنها.

التاريخ يتحدث بأن الإمارات تتدخل في الشأن اليمني وتريد رسم الخارطة السياسية لليمن بعيدًا عن طموحات اليمنيين وأمالهم. في الوقت ذاته فالمملكة العربية السعودية تعيش حالة من التوهان وتبعات فشل سياستها بحق الشعب اليمني منذ عقود، ومعها لم تجد مفرًا من التعاون مع فصيل الجنرال علي محسن صالح الأحمر، والذي يعد هجين «حزب المؤتمر الشعبي العام وجماعة الإخوان المسلمين» والذي يعد استمرارًا لهذا الفشل. كما لا ننسى ومنذ سنة 2011 تحديدًا، فدولة قطر دومًا كانت راعية لثورة شباب الشعب اليمني السلمية، وما يعرف بربيع التغيير العربي. نشدد بأن الحقائق التاريخية تثبت بأن إيران لاعب سياسي في اليمن يدعم جماعة الحوثي بحدود، في حين أن دول الخليج لاعب اقتصادي وأمني وعسكري وسياسي بلا حدود.

التاريخ اليمني الحديث والمعاصر وبكل أسف وحزن، يتحدث بأن الحدود اليمنية ما بين الشمال والجنوب يجب أن تعود لسابق عهدها، أي قبل الوحدة اليمنية 1990، نظرًا إلى أن التعايش ما بين الشمال والجنوب بات من سابع المستحيلات. ليس وفق أهوائنا وبروباغاندا الوحدة، لكن بلغة العقل والواقع والمنطق.

سيبقى السؤال الذي يحير الجميع:

لماذا كل هذا العبث بالشعب اليمني؟ وقتله وتجويعه من طرف دول الخليج، وخصوصًا بعد فشل مخططها بإعادة الديكتاتور القمعي علي عبد الله صالح إلى السلطة في اليمن بتاريخ 2 ديسمبر 2017.

لماذا جعلتم كل بيت في اليمن تئن؟ والسؤال لدول الخليج.

التاريخ اليمني الحديث والمعاصر يتحدث بأن هناك ثورة شبابية شعبية سلمية تقوم على برنامج اليمن الاتحادي، ومخرجات الحوار الوطني الشامل، ومسودة الدستور الاتحادي، وهذه كلها مجتمعة لإيراد النور لها، بل شُوهت السلطة الشرعية، والتي يفترض أن تعبر عنها.

لماذا كل هذه المؤامرات على الشعب اليمني وآماله في التغيير، وبناء يمن جديد اتحادي تسوده العدالة والمساواة، والتوزيع العادل للسلطة والثروة.

سيترك للتاريخ وبدون تعليق وما تزال كل بيت في اليمن تئن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

وثيقة الحوار الوطني الشامل
عرض التعليقات
تحميل المزيد