قديمًا أطلق الإغريق والرومان على اليمن السعيدة، أو الأرض السعيدة حيث كانت في غابر الأزمان بلاد ثروات وخيرات وفيرة، واشتهرت باللبان والبخور والبن، وأقيمت فيها من أقدم حضارات العالم ازدهارًا، كمملكة سبأ، وقتبان، وأوسان، وحضرموت، وغيرها من الممالك التي لا يزال ما تبقى من أطلالها قائمًا، ولا يزال الماضي العتيد حاضرًا منذ قرون في ذاكرة اليمنيين، بل هناك من يعيش على أنقاض آثاره حتى هذه اللحظة، سواءً كانت مبانيَ أم جسورًا أو صهاريج، والتي خلدها الأجداد القدامى الذين ظل صداهم مدويًا في ذاكرة أحفادهم طويلًا؛ فأصبح التاريخ العريق يطرب أحفادهم تارة،  ويشعرهم بنشوة وفخر، وتارة أخرى يكون أشد إيلاما عليهم بسبب تخلفهم عن أسلافهم العظام الذين كانوا في الصدارة.

فاليمنيون هم أكثر الشعوب العربية وقوعًا في أسر الماضي العتيد، سواءً ماضي ما قبل التاريخ! أو حتى الماضي القريب، والذي كانت فيه فترات ذهبية مؤقتة، ويا ليتها كانت دائمة، أما الحاضر المر فلا يعيشونه أبدًا، بل لا علاقة لهم به، وكذلك المستقبل يبدو قاتمًا كقتامة حاضرهم المأساوي، فلا تكاد اليمن تخرج من حرب ضروس، وتحيا في سلام مؤقت حتى تندلع حرب أخرى أفظع منها، فعلى مدى ثلاثة أجيال متتالية في تاريخ اليمن المعاصر والحديث وبعد ثورتي سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) المجيدتين اللتين خلصت الشطر الشمالي والجنوبي من وطأة الكهنوت والاستعمار حتى دخل الجنوب بعدها في صراع داخلي على السلطة، وكذلك الحاصل في الشمال غير المستقر البتة، وما أن تضع الحروب أوزارها داخل الشطرين اليمنيين حتى تشتعل الحروب بين الشمال والجنوب وهلم جرًا في سجال لا متناه من الإخفاقات السياسية إلى أن اتحدا بالتراضي، وظلت البلاد تحت راية واحدة مؤقتًا حتى عادت قضية الانفصال ويليها مشكلة حروب صعدة الست إلى أن انتهى المطاف إلى الحرب الأخيرة واليمنيون في صراع يتبعه آخر، وتعثر شبه تام لعجلة التنمية التي من المفترض أن تكون من أوليات الدول التي أقيمت فيها حتى بات حمل السلاح وثقافته جزءًا أصيل من موروث الإنسان اليمني الذي لم يعرف الاستقرار منذ عقود طويلة.

بشهادة المؤرخين وأيضًا كبار السن الذين عايشوا حروبًا كثيرة أن الحرب الأخيرة التي اندلعت سنة 2015 كانت من أبشع الحروب التي مرت بها اليمن في تاريخها القديم والحديث، وذلك من خلال المقارنات بينها وبين حروب سبقتها، فنبرة الطائفية والسلالية والمناطقية بلغت ذروتها وأصبحت الحالة الإنسانية أقل ما يمكننا وصفها بالمأساوية، وما يحزن ويدمي القلب أكثر أنه قبل اندلاع الحرب كانت اليمن تحتل المراتب الأخيرة حسب التصنيفات العالمية والدولية على مستويات عدة كالصحة ودخل الفرد ونسبة الفقر ومستوى التعليم.

فما بالكم بعد مرور ما يقارب أربع سنوات عجاف من حرب لا تبقي ولا تذر قضت على ما تبقى من بنيتها التحتية التي أنهكتها الحروب السابقة الأرجح، فقد كانت قبل اندلاع الحرب هناك شبه دولة وشبه مؤسسات قائمة على عروشها، أما الآن، فاليمن تعيش في عهد اللادولة، وما يحزن ويؤلم أن المجتمع الدولي خذل اليمنيين أيما خذلان، فالإنسانية التي يتحدثون عنها الغربيون تتوقف تحت سقف مصالحهم فحسب، وبات من الواضح جدًا أنهم لا يريدون للحرب التوقف من خلال المبعوثين الأمميين الذين عينوا فقط لصب الزيت على النار كلما لاحت بشائر تسوية سياسية جديدة.

وكذلك أشقاء اليمن المتمثل في التحالف العربي الذي جاء لإنقاذ اليمن على حد علمنا، والذي تقوده المملكة العربية السعودية والذين لم يوفوا بوعودهم، فلم يسمحوا لليمنيون بتشغيل موارد بلادهم التي من المفترض أن يدعوهم الاعتماد على أنفسهم بها ، وجعلوهم رهن مساعداتهم التي لا تسمن ولا تغني من جوع،فحتى المناطق التي تسمى محررة بات حالها مشابه للمناطق التي تحت سيطرة الانقلابيين، بل وربما تكون أشد سوءًا منها!

الوضع الإنساني في اليمن في أسوأ حالاته، فجل موظفي الدولة لا يتقاضون مرتباتهم وإن كان جزء منهم يتقاضون، فالمرتب لا يكفي لإعالة عائلاتهم بسبب انهيار العملة بشكل مخيف، وأيضًا هناك ترد مخز للخدمات الأساسية للمواطن، ففي الفلسفة مثلًا تعلمنا بأن السؤال الفلسفي هو أكثر سؤال يسأله كل جيل على مدى الأزمان، أما في بلادي فإن أكثر سؤال يسأله المواطن البسيط هو سؤال الخدمات الضرورية والأساسية في الحياة، فتسمع أسئلة كثيرة مثل: متى انقطعت الكهرباء؟ وهل المياه متوفرة؟ وكم سعر البنزين؟ وهل هو متوفر أساسًا؟ وهل الطريق مفتوح أم مقطوع؟ وكم سعر الصرف؟ تصوروا هذه أسئلة اعتيادية يرددها كل مواطن يمني، بل يرددها كل جيل في تاريخنا وللأسف الشديد.

حتى قوانين المنطق تبخرت في الحرب الأخيرة، فقد قال شاعر اليمن عبد الله البردوني في بيت مشهور له (يمانيـون فـي المنـفـى، ومنفيـون فـي اليـمـن…) لكن منطق البردوني لم يعد مجديًا في هذه الحرب الأسوأ كما أسلفت، فأصبحنا منفيين في بلادنا، وكذلك في المنفى، فمن عادة الشعوب الهجرة بسبب الحروب كما هي العادة، لكن هذا المنطق صار معكوسًا عندنا، فقد عاد مئات الآلاف من المغتربين اليمنين إلى ديارهم المكتوية بنيران الحرب، والذين هم كانوا بالضرورة يعولون أسرهم، ويخففون عن أهاليهم عبئ الحياة القاسية، بل هناك ملايين من المقيمين في دول الخليج مهددون بالعودة لبلد الحرب التي هربوا منها بسبب حرب سابقة على الأرجح، فبعد إجراءات الخليجيين التعسفية بحق المغترب اليمني ضاقت الأرض بما رحبت على المغتربين وحتى الشرعية اليمنية اغتربت عن بلادها منذ انطلاقة الحرب ابتداءً من رئيس الجمهورية ورئيس وزرائه وحكومته وكافة وكلائهم الذين معظمهم ما بين الرياض ودبي والقاهرة لا نسمع لهم أخبارًا سوى في التلفاز الذي يتفنن في غسل وتخدير أدمغة الشعب، وجل قراراتهم حبر على ورق لا تمت للواقع بأدنى صلة.

إن المأساة الإنسانية قد بلغت ذروتها، والتوتر أصبح من أبرز سمات المجتمع اليمني الذي مني بصدمات تتبعها أخرى، وبدأت المجاعة تنخر بطون 60% من السكان وذلك وفق تقرير للأمم المتحدة، ومنظمة يونسيف وأيضًا والبرنامج العالمي للأغذية وهناك مناطق يمنية كتهامة ومديرية الأزارق في الضالع وثقت فيها حالات لسكان مجرد هياكل عظمية لم نكن نتخيل نحن في حياتنا يومًا من الأيام أن نراها في بلادنا.

وعما قريب ربما سنكون على مشارف أكبر مجاعة في تاريخ البشرية، حتى في المساجد تتداخل أصوات المتسولين فلا تستطيع تنصت لهذا أو ذاك من كثرتهم عكس السابق فقد كنا معتادين على واحد.. اثنين.. أما الآن فقد بلغ السيل الزبى، فنجدهم في كل قارعة طريق وسوق ومسجد.. وجلهم من النازحين الذين الذي هربوا من خطوط النار بالملايين خوفًا من الموت بالنيران المشتعلة، فاذا بهم مرة أخرى بين أحضان الموت مرة أخرى بسبب الجوع في ظل عجز حكومي مخزي وموقف دولي غير مبال ولعل انهيار العملة المحلية أضعافًا مضاعفة عما كانت عليه قبل الحرب ساهم بشكل أساسي ورئيس من معاناة الإنسان اليمني الذي خذل من محيطه العربي، وكذلك الدولي، فلا أحد ينصت لأنين الأطفال، ولا صراخ الأرامل والثكالى، ولا حتى أنصاف  أممي لخصوص مفتعلي الحرب وتجارها.

فضاعت الإنسانية في بلادنا وإن وجدت هناك مساعدات فهي متبوعة بالمن بقصد إذلال وتركيع الشعب تحت مسمى منظمات إغاثية غربية أو حتى عربية، فكلهم وبكل أسف أصحاب مصالح سياسية لا تعير بالًا للإنسان اليمني الذي حوصر في مهجر من قبل إخوته العرب، وهو أيضًا محاصر في دياره، ولا يراد له النهوض، فينفض غبار الماضي الأليم، ويطوي صفحته، فقد أصبح موطنه مستباح من قوى غربية وعربية ومسرح لحرب مهلكة للحرث والنسل على يد قوى خارجية وحلفائها من اليمنيين وتجار الحروب الذين يخربون بيوتهم بأيديهم، ولا يهتمون إلا بمصالحهم الشخصية غاضين الطرف عما يعانيه الشعب من ويلات ومأسٍ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد